ميدوسا.. الوحش "المظلوم"
 ميدوسا - رسم كارافاجيو، 1595 - ويكيميديا كومون
شباب

ميدوسا.. الوحش "المظلوم"

رغم أن لعنتها ارتبطت بمسخها في صورة مرعبة بعد تعرضها للاغتصاب داخل معبد مقدس، أصبحت ميدوسا رمزًا للشر الأنثوي وأيقونة تجسد الشر النسائي
22.4.18

على الجدران العتيقة لمعرض أوفيزي في مدينة فلورنسا، هناك لوحة من كارافاجيو تصور مخلوقًا أنثويًا محاط بضفائر كثيرة على شكل ثعابين صغيرة، كانت الصورة مهيبة ومروعة إلى حد أن الشاعر غاسباري مورتولا في القرن السادس عشر كتب عنها ذات مرة قائلا: "اهرب، لأنه إذا كانت عيناك مرعوبتين من منظرها، فسوف تحولك إلى حجر".

ومع وجود أسنان تكشف عن نفسها بين الثعابين التي تتلوى في صورة ضفائر، ورأس مقطوعة لا تزال تتدفق بالدم، يتم التقاط هذه الصورة في اللحظة التي تدرك فيها أن روحها انفصلت عن جسدها، إنها بالطبع، ميدوسا.

إعلان

في زمن الحضارة الغربية القديمة، عندما كانت الأساطير تعج بقصص زائفة عن النار والحجارة، فقد فتن المجتمع بالخيال اليوناني القديم، حيث تمتلئ قصص الأطفال الخيالية بحكايات الآلهة والجبابرة العمالقة، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الوحوش الأسطورية والتي جذبت المشاهدين على الشاشة الكبيرة، ومع ذلك، لا توجد شخصية نسائية تتمتع بشعبية مثل ميدوسا، الوحش الذي يمكن أن يحول أي شخص إلى حجر بنظرة واحدة.

من شخصية شريرة في الفيلم الكرتوني "The Powerpuff Girls - فتيات القوة"، إلى نقد لاذع لرئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر في أغنية Madam Medusa - مدام ميدوسا" لفرقة UB40، تتواصل أسطورة ميدوسا في الثقافة الشعبية المعاصرة.

إيما ثورمان بدور ميدوسا في فيلم بيرسي جاكسون والأولمبياد: ذا لايتنينج ثييف

على مدى العقدين الماضيين، عادت الشخصية إلى الظهور في السينما بشكل مثير، حيث قدمت عارضة الأزياء ناتاليا فوديانوفا أداءًا جيدًا في نسخة جديدة من أوديسا في عام 2010 بفيلم Clash of the Titans أو "صراع الجبابرة" ، في حين قدمتها أوما ثورمان كشخصية مغرية في فيلم Percy Jackson and the Olympians: The Lightning Thief أو "بيرسي جاكسون والأوليمبونس: لص البرق"، حتى أن دار فيرساتشي وجدت الإلهام في "جورجون" حين صنعت اللوجو الخاص بها في النسخة الجميلة (pre-curse) في قلب شعارها الأيقوني، حيث تجلس موديسا بشعرها الذي تنتهي خصلاته بـ "ثعابين صغيرة"، ومحاطة بحلقة مفاتيح يونانية.

على عكس شخصيات أخرى من الأساطير اليونانية، معظمنا يعرف ميدوسا، حتى لو لم نستطع تذكر تفاصيل أسطورتها، قد يشتمل الرسم السريع للشخصية على ثعابين وعيون قاتلة وطعم للدمار.

في كتابه الأدب والسحر، يتحدث سيبيلي باومباخ موضحا أن الأسطورة قد عانت جزئيًا بفضل شهيتنا المتنامية للروايات الكبرى عن السحر، والتي غالبًا ما تدور حول الإغواء الخطير للإناث، حيث أصبحت ميدوسا الآن "صورة متعددة الرمزيات فقد تشير إلى النشوة أو الدمار أو الإغواء".

إعلان

ولن يختلف الأمر حتى مع عملية البحث السريع في "جوجل"، حيث أن معظم الصور عن ميدوسا تتنوع ما بين شكل لامرأة فاتنة مغرية (انظر إلى صورة ريهانا على غلاف مجلة GQ) أو رأس مقطوع بغيض يقذف الدم والصديد.

في العالم القديم كانت ميدوسا متعددة الأبعاد بنفس القدر، حيث تصورتها المزهريات والمنحوتات المبكرة على أنها ولدت بهذا الشكل، ولكن ذلك التصور تغير ببطء، وكان أول من استكشف أصل قصة ميدوسا بشكل صحيح في الأدب كان الشاعر الروماني أوفيد، الذي شرح تفصيلات تحولها، فوفقًا لأوفيد ، كانت ميدوسا في يوم من الأيام فتاة صغيرة جميلة، وهي فتاة وحيدة على ثلاثة أخوة وعرفت باسم جورجونز.

هذا الجمال الذي كانت تتميز بها ميدوسا وقع في عين "بوسيدون"، وهو إله البحر عند الإغريق ، الذي قام باغتصابها في المعبد المقدس لـ "أثينا"، والتي غضبت من تدنيس معبدها، فقامت أثنيا بتحويل ميدوسا إلى وحش مع قدرة قاتلة لتحويل كل من ينظر لوجهها إلى حجر.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الروايات الشعبية عن الأسطورة، تركز على ما سيحدث بعد ذلك، إذ لعب "بيرسيوس " دور البطولة، حيث تم إرساله من خلال الملك بوليدكتس، ملك سيريفوس ، من أجل قطع رأس ميدوسا، باستخدام درع عاكس من البرونز لحماية عينيه، حيث يقطع رأس ميدوسا، ثم يطلق الحصان المجنح، بيجاسوس، من عنقها المقطوع، بعد استخدام النظرة المليئة بالتحدي لإلحاق الهزيمة بأعدائه في المعركة، بعد ذلك يمنح بيرسوس رأس جورجون "ميدوسا" إلى أثينا، التي تعرضها على درعها، ومن خلال هذا السرد، نجد أن البطولة في هذه الأسطورة تمركزت حول الذكورية، بينما أصبحت ميدوسا رمزًا للوحشية والبشاعة.

لوحة من الموزاييك لرأس ميدوسا، صنعت بين عامي 115 - 150 بعد الميلاد / جيتي إيميجس

إذا عدنا إلى العصور القديمة اليونانية، كانت ميدوسا لها قوة جبارة، فلها القدرة على القتل، واستخدم النحاتون والرسامون رأس ميدوسا كرمز لدرء الأرواح الشريرة، لكن جمالها المأساوي كان أكثر إلهاما. فهذه أرضية فسيفساء رومانية المعروضة على موقع جيتي، تم عرض الضفائر الثعبانية في رأس ميدوسا في صورة شعر مجعد، مع نظرة مرعبة، تأتي من عين ميدوسا في منتصف أرضية الفسيفساء الرومانية، وهي تعويذة واقية، وهناك أمثلة أخرى لا تعد ولا تحصى أيضًا، حيث إنها بالتأكيد أكثر عمقًا من مجرد كونها مجرد مسخ.

وبحلول عصر النهضة، هذا الغموض أفسح المجال لاختلافات مخيفة، حيث صور تمثال سيليني البرونزي في عام 1554 بيرسيوس منتصرًا يقف على جسد ميدوسا، ورأسها مقطوعة ومعلقة، لقد كانت هناك لعبة سياسية، حيث طُلب من سيليني أن يجعل السرد يدور فقط حول أن البطل هو برسيوس، الذي أرسله ابن زوس لقتل ميدوسا، كوسيلة لتعكس قوة عائلة ميديشي على شعب فلورنسا، وتبعه فنانون آخرون، ففي عام 1598، رسم كارافاجيو درعه الاحتفالي الرهيب، وهو أيضًا، صنع قطعة فنية أراد منها أن تكسب إعجاب عائلة "ميديشي"، لذلك صوّر ميدوسا في اللحظة التي تم فيها التغلب عليها، وحوّل قوتها الجبارة بعيدًا عن أعين الناظرين.

إعلان

وبسرعة إلى الأمام حيث الثورة الفرنسية، ولبعض الوقت، أصبحت ميدوسا قوة للتغيير، حيث أظهرها المتمردون على أنها شعار "الحرية الفرنسية"، مما أدى إلى تحويل الرمز الشيطاني إلى وسيلة لتقويض المؤسسة.

في هذه الأثناء، تحوّل الرومانسيون مثل الشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي إلى أبعد مما تصوره البعض في القرن التاسع عشر، حيث استلهم الشاعر الكثير عن ميدوسا من زيارته إلى أوفيزي لدرجة أنه كتب قصيدة عنها، مما ألغى الإطار المقدس التقليدي الذي جعل ميدوسا رمزا للرعب.

وبمجرد التخلص من النظرة الذكورية المخيفة والمشوهة، يمكننا استعادة "جمال" ميدوسا و"الإشراق" الذي في وجهها، واستعادة بشريتها من جديدة.

لم يكن شيلي هو الوحيد الذي اعتقد أن ميدوسا أسيء فهمها، ففي مقالها في 1975 The Laugh of the Medusa أو "ضحكة ميدوسا" ، أكدت الناشطة النسوية هيلين سيكوس في مقال لها أن الرجل خلق تراثًا شنيعًا عن ميدوسا من خلال الخوف من "الأنثوية"، وتقول: "إذا تجرأ الرجال ونظروا إلى ميدوسا مباشرة، فإنهم سيرون أنها "ليست قاتلة ، إنها جميلة وهي تضحك".

بيرسوس يمسك برأس ميدوسا / ويكي كومونس

وأكدت هيلين في مقالها أن المرأة تستطيع أن تغير من نظرة التحيز الجنسي الذي يصور جسد الأنثى كتهديد. وبعد قرون من الصمت ، بدأت مناقشات تتم حول " ثقافة الاغتصاب" من أجل استعادة حق ميدوسا.

ومن السهل معرفة السبب في أن مقال هيلين سيكوس أصبح له صدى واسع، فهل الأمر يقتصر فقط على مجرد قصة لامرأة قوية تم اغتصابها، بشكل متوحش، ثم قتلت من قبل "المجتمع الأبوي المتسلط"؟، يبدو أن الأمر أكبر من أن يكون مجرد قصة أسطورية إنه يظهر في واقعنا الحديث.

إن الطريقة التي عادت بها ميدوسا إلى الظهور بالتزامن مع الانتخابية التي تشهد منافسة نسائية تشير إلى انتشار الكراهية ضد النساء: فقد تم تشبيه أنجيلا ميركل، وتيريزا ماي، وهيلاري كلينتون بميدوسا في الآونة الأخيرة، حيث تم تصويرهن في شكل رؤوس دموية مقطوعة، للدرجة التي صور معها أحد الكاريكاتورات المشهورة ترامب كـ "برسيوس" وهو يلوح برأس منافسته الانتخابية.

عندما كان الأمر يتعلق بقمع النساء، كان لدى الثقافة الغربية هذه الممارسات منذ آلاف السنين، كما كتبت ماري بيرد في كتابها "بيان: المرأة والسلطة"، حيث رأت الكاتبة أن استبعاد النساء من هياكل السلطة الحديثة يمكن أن يعزي إلى العودة إلى العالم الكلاسيكي، وكلما تعرضت السلطة الذكورية للتهديد، فإنه يتم ذكر ميدوسا، المرأة النموذجية الجامحة، التي تتجسد لتبرز مخاطر قوة النساء.

وكما هو واضح من وجوه ميدوسا المتغيرة فإنه لا توجد حقيقة عالمية لأسطورتها، ضحية جميلة، شريرة بشعة، كائنة قوية، هي كل تلك الأشياء، وأكثر من ذلك.

ربما تكون الطبيعة المتغيرة لها هي التي تجعلها مصدرًا لا ينضب من الانبهار والإعجاب، وهي أيضًا، إلى حد ما، مركز إسقاطاتنا الجماعية حول الخوف والرغبة في نفس الوقت، ورمز لغضب المرأة والتحيز الجنسي من قبل القوى الذكورية المتسلطة التي تسعى إلى الانتقام منها.