ميدوسا
 ميدوسا - رسم كارافاجيو، 1595 - ويكيميديا كومون
شباب

ميدوسا.. الوحش "المظلوم"

رغم أن لعنتها ارتبطت بمسخها في صورة مرعبة بعد تعرضها للاغتصاب داخل معبد مقدس، أصبحت ميدوسا رمزًا للشر الأنثوي وأيقونة تجسد الشر النسائي

على الجدران العتيقة لمعرض أوفيزي في مدينة فلورنسا، هناك لوحة من كارافاجيو تصور مخلوقًا أنثويًا محاط بضفائر كثيرة على شكل ثعابين صغيرة، كانت الصورة مهيبة ومروعة إلى حد أن الشاعر غاسباري مورتولا في القرن السادس عشر كتب عنها ذات مرة قائلاً: "اهرب، لأنك إذا نظرت إليها بخوف، فستحولك إلى حجر."

ومع وجود أسنان تكشف عن نفسها بين الثعابين التي تتلوى في صورة ضفائر، ورأس مقطوعة لا تزال تتدفق بالدم، يتم التقاط هذه الصورة في اللحظة التي تدرك فيها أن روحها انفصلت عن جسدها، إنها بالطبع، ميدوسا.

إعلان

فتنت الحضارة الغربية بقصص المجتمع اليوناني القديم، حيث تمتلئ قصص الأطفال الخيالية بحكايات الآلهة والجبابرة العمالقة، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الوحوش الأسطورية والتي جذبت المشاهدين على الشاشة الكبيرة، ومع ذلك، لا توجد شخصية نسائية تتمتع بشعبية مثل ميدوسا، الوحش الذي يمكن أن يحول أي شخص إلى حجر بنظرة واحدة. تواصلت أسطورة ميدوسا في الثقافة الشعبية المعاصرة وتم إعادة تمثيلها في عدة أفلام وأغاني.

على عكس شخصيات أخرى من الأساطير اليونانية، معظمنا يعرف ميدوسا، حتى لو لم نستطع تذكر تفاصيل أسطورتها، أي رسم السريع للشخصية على ثعابين وعيون قاتلة سيذكرك بها.

ميدوسا

إيما ثورمان بدور ميدوسا في فيلم بيرسي جاكسون والأولمبياد: THE LIGHTNING THIEF

في كتابه الأدب والسحر، يتحدث سيبيلي باومباخ موضحًا أن الأسطورة قد عانت جزئيًا بفضل شهيتنا المتنامية للروايات الكبرى عن السحر، والتي غالبًا ما تدور حول الإغواء الخطير للإناث، حيث أصبحت ميدوسا الآن "صورة متعددة الرمزيات فقد تشير إلى النشوة أو الدمار أو الإغواء."

في العالم القديم كانت ميدوسا متعددة الأبعاد بنفس القدر، حيث تصورتها المزهريات والمنحوتات المبكرة على أنها ولدت بهذا الشكل، ولكن ذلك التصور تغير ببطء، وكان أول من استكشف أصل قصة ميدوسا بشكل صحيح في الأدب الشاعر الروماني أوفيد، الذي أخبرنا الحقيقة. كانت ميدوسا في يوم من الأيام فتاة صغيرة جميلة، وهي فتاة وحيدة على ثلاثة أخوة وعرفت باسم جورجونز.

هذا الجمال الذي كانت تتميز بها ميدوسا وقع في عين "بوسيدون" وهو إله البحر عند الإغريق الذي قام باغتصابها في المعبد المقدس لـ "أثينا" إلهة الحكمة والقوة وإلهة الحرب وحامية المدينة. غضبت أثينا من تدنيس معبدها، وقامت بتحويل ميدوسا إلى وحش مع قدرة قاتلة لتحويل كل من ينظر لوجهها إلى حجر.

إعلان

تقول الروايات الشعبية عن الأسطورة، أن الملك بوليدكتس، ملك سيريفوس، أرسل بيرسيوس من أجل قطع رأس ميدوسا، باستخدام درع عاكس من البرونز لحماية عينيه، يقطع بيرسيوس رأس ميدوسا، ثم يطلق الحصان المجنح، بيجاسوس، من عنقها المقطوع. يقوم بيرسيوس باستخدام رأس ميدوسا وعيونها لإلحاق الهزيمة بأعدائه في المعركة. بعد ذلك يمنح بيرسوس رأس "ميدوسا" إلى أثينا، التي تعرضها على درعها. من خلال هذا السرد، نجد أن البطولة في هذه الأسطورة تمركزت حول الذكورية، بينما أصبحت ميدوسا رمزًا للوحشية والبشاعة.

إذا عدنا إلى العصور القديمة اليونانية، كانت ميدوسا لها قوة جبارة، فلها القدرة على القتل، واستخدم النحاتون والرسامون رأس ميدوسا كرمز لدرء الأرواح الشريرة، لكن جمالها المأساوي كان أكثر إلهامًا. هذه الأرضية من الفسيفساء المعروضة على موقع جيتي، تظهر الضفائر الثعبانية في رأس ميدوسا في صورة شعر مجعد، مع نظرة مرعبة، وهي تستخدم كتعويذة واقية. هناك أمثلة أخرى لا تعد ولا تحصى أيضًا، حيث أن ميدوسا أكثر عمقًا من مجرد كونها مجرد مسخ.

لوحة من الموزاييك لرأس ميدوسا، صنعت بين عامي 115 - 150 بعد الميلاد / جيتي إيميجس

وبحلول عصر النهضة، أفسح هذا الغموض المجال لاختلافات مخيفة، حيث صور تمثال سيليني البرونزي في عام 1554 بيرسيوس منتصرًا وهو يقف على جسد ميدوسا، ورأسها مقطوعة ومعلقة. لقد كانت لعبة سياسية، حيث طُلب من سيليني أن يجعل السردية تركز على بطولة برسيوس، الذي أرسله ابن زوس لقتل ميدوسا، كوسيلة لتعكس قوة عائلة ميديشي على شعب فلورنسا (كما يظهر في الصورة). في عام 1598، رسم كارافاجيو درعه الاحتفالي الرهيب، وهو أيضًا، صنع قطعة فنية من ميدوسا أراد منها أن تكسب إعجاب عائلة "ميديشي" لذلك صوّر ميدوسا في اللحظة التي تم فيها التغلب عليها.

إعلان
ميدوسا

بيرسوس يمسك برأس ميدوسا / ويكي كومونس.

في الثورة الفرنسية، ولبعض الوقت، أصبحت ميدوسا قوة للتغيير، حيث أظهرها المتمردون على أنها شعار "الحرية الفرنسية" مما أدى إلى تحويل الرمز الشيطاني إلى وسيلة لتقويض المؤسسة. في هذه الأثناء، قام الشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي بكتابة قصيدة عنها، مما ألغى الإطار المقدس التقليدي الذي جعل ميدوسا رمزا للرعب. وبمجرد التخلص من النظرة الذكورية المخيفة والمشوهة، يمكننا استعادة "جمال" ميدوسا و"الإشراق" الذي في وجهها، واستعادة بشريتها من جديدة.

لم يكن شيلي هو الوحيد الذي اعتقد أن ميدوسا أسيء فهمها، ففي مقالها في 1975 The Laugh of the Medusa أو "ضحكة ميدوسا" أكدت الناشطة النسوية هيلين سيكوس أن الرجل خلق تراثًا شنيعًا عن ميدوسا من خلال الخوف من "الأنثوية." وتقول: "إذا تجرأ الرجال ونظروا إلى ميدوسا مباشرة، فإنهم سيرون أنها "ليست قاتلة، إنها جميلة وهي تضحك." وأكدت هيلين في مقالها أن المرأة تستطيع أن تغير من نظرة التحيز الجنسي الذي يصور جسد الأنثى كتهديد.

بعد قرون من الصمت، بدأت المناقشات حول "ثقافة الاغتصاب" من أجل استعادة حق ميدوسا. مقال هيلين سيكوس كان له صدى واسع، فهل الأمر يقتصر فقط على مجرد قصة لامرأة قوية تم اغتصابها، بشكل متوحش، ثم قتلت من قبل "المجتمع الأبوي المتسلط"؟ يبدو أن الأمر أكبر من أن يكون مجرد قصة أسطورية إنه يظهر في واقعنا الحديث.

إن الطريقة التي عادت بها ميدوسا إلى الظهور بالتزامن مع الانتخابات التي تشهد منافسة نسائية تشير إلى انتشار الكراهية ضد النساء: فقد تم تشبيه أنجيلا ميركل، وتيريزا ماي، وهيلاري كلينتون بميدوسا في الآونة الأخيرة، حيث تم تصويرهن في شكل رؤوس دموية مقطوعة، للدرجة التي صور معها أحد الكاريكاتورات المشهورة ترامب كـ "برسيوس" وهو يلوح برأس منافسته الانتخابية.

وتقول ماري بيرد في كتابها "بيان: المرأة والسلطة" أن استبعاد النساء من هياكل السلطة الحديثة يمكن أن يعود بنا إلى الماضي، فكلما تعرضت السلطة الذكورية للتهديد، فإنه يتم ذكر ميدوسا، المرأة النموذجية الجامحة، التي تتجسد لتبرز مخاطر قوة النساء.

وكما هو واضح من وجوه ميدوسا المتغيرة فإنه لا توجد حقيقة عالمية لأسطورتها، ضحية جميلة، شريرة بشعة، كائنة قوية، هي كل تلك الأشياء، وأكثر من ذلك. ربما تكون الطبيعة المتغيرة لها هي التي تجعلها مصدرًا لا ينضب من الانبهار والإعجاب، وهي أيضًا، إلى حد ما، مركز إسقاطاتنا الجماعية حول الخوف والرغبة في نفس الوقت، ورمز لغضب المرأة والتحيز الجنسي من قبل القوى الذكورية المتسلطة التي تسعى إلى الانتقام منها.