أدب

أحمد خالد توفيق: أبانا الذي في طنطا لم يأتِ هذا العام

هناك نوع نادر جدًا من البشر لا يموت بخروج الروح من الجسد، هو فقط يتنقل من الحالة المادية لحالات أخرى
17.2.19
أحمد خالد توفيق: أبانا الذي في طنطا لم يأتِ هذا العام

يمر بعضنا بين صفحات الحياة دون أن يترك على وجهها جرة قلم، لا قصص تستحق أن تروى ولا مواقف يتذكرك الكل بسببها أو بصمات تشكل أو تغير حياة الآخرين، لكن البعض الآخر يمر بالحياة كالشهاب الساطع، يضيء صفحة السماء، يلقي بحلقة من النور فوق ظلمات تنتظر أن تتبدد وحقائق تموت شوقا لأن تنكشف، يرسم بسمة على وجه من يتابعه ويبعث بالطمأنينة أو السلام أو حتى الدهشة والاستمتاع في قلوب من يتابعه، لكنه يمر سريعًا. هكذا كان وجود ورحيل الدكتور أحمد خالد توفيق، الكاتب الذي لم يترك وصية سوى أن يكتب أحدهم على قبره لافتة تمنى أن تكون صادقة تحمل عبارة (جعل الشباب يقرأون).

إعلان

حين توفي د. أحمد خالد توفيق كانت صدمة للجميع، قرائه ومحبيه الذين طمعوا في أن يظل وسطهم حتى نهاية حياتهم، وللإعلام التقليدي الذي ذهل العاملين فيه من صحفيين ومقدمي برامج وإعلاميين من وقع الصدمة التي سببتها وفاته على متابعيه؛ فارتفعت أصواتهم متعجبة من هذا الرجل الذي ابتعد دومًا عن الأضواء، حتى أنهم لم يكونوا يعرفون عنه شيئا، كيف له أن يكون صاحب مثل هذا التأثير؟!.. لكن في الواقع لا يمكنني لوم من تعجب من تأثير الرجل فنحن أيضًا (قراؤه وزملاؤه ومحبيه) لم نكن نشعر بأن غيابه سيزلزل كياننا بتلك القوة!

ستظل كلماته حاضرة في عقولنا وبصماته التي شكلت أجزاءًا من وجداننا لن تختفي بسهولة مع الأيام، و سنظل نتذكره كلما استدعى الزمن ذكراه، كما نفعل هذه الأيام. فهذه الأيام هي أيام كنا ننتظرها من العام للعام، ولم نكن ننتظر معرض القاهرة للكتاب، الذي انتهت فعالياته منذ أيام، فقط لأنه فرصة لمقابلة أمثالنا من دود الكتب بين أروقة المعرض، لكن المعرض كان أيضًا فرصة لا تفوت للقاء الدكتور، فلأنه قد تمسك بجذوره وحياته كدكتور جامعي يعمل ويعيش في مدينة طنطا (شمال العاصمة المصرية القاهرة) ورفض رفضًا تامًا الانتقال إلى صخب القاهرة، كانت ندوته السنوية في معرض الكتاب هي عنوانه الذي يتحرق أبناؤه شوقا لزيارته فيه كل عام.

كانت طوابير القراء التي تحتل واجهة خيام دور النشر المختلفة في المعرض نوعان لا ثالث لهما ، مجموعة من فتيات "الأندر إيدج" اللاتي أتين لتوقيع ديوان شاعر يخاطب رومانسيتهن المفرطة بكلمات وإن افتقرت للعمق لكنها تمس وجدانهن، أو مجموعة من مختلف الأجيال و الأعمار لشباب وبنات أتين من كل محافظات مصر فقط لرؤية عرابهم د. أحمد خالد توفيق.

إعلان

يتذكر مصطفى الطيب، مُعد بإذاعة صوت العرب أحد محبي وقراء الدكتور، تجربته معه فيقول "لم أعرفه طفلًا أو مراهقًا كأغلب أبناء جيلي بل عرفته شابًا يافعًا من خلال مقالاته.. عندما كنت في المدرسة كنت أرى اسمه باستمرار ضمن كتب الجيب لكني استهويت وقتها نوعا آخر من القراءات حتى التحقت بالجامعة وبدأت أتتبع مقالاته، والمقالات جذبتني للكتب، والكتب أوصلتني للندوات واللقاءات.

كنت أجلس في ندوات المعرض أسمعه وحسب، لم أكن أقوم بأية مداخلات أو أطلب أية طلبات أكثر من توقيع كتابه الذي أحمله في يدي ومرة واحدة فقط طلبت التقاط صورة معه لكن إحساسي به كان مُختلف تمامًا عن سلوكي الهاديْ الساكن في حضرته".

يتابع مصطفي: أحمد خالد توفيق بالنسبة لي كان دائمًا درع حماية ضد كل من يهاجموننا، كل من يرى جيلي فاشل وجاهل وأحمق وأرعن (أحد كبار الكتاب استخدم نفس اللفظ نصًا أثناء الحديث عن شباب هذه الأيام في لقاء تليفزيوني معه). حائط سد معنوي ضد كل شيء ممكن أن يؤذينا أو يزرع فينا أفكارا مُدمرة، كان الدكتور محارب محترف يردع المتربصين بشاب في مثل سني يشعر أنه يواجه العالم وحده.عندما علمت بخبر وفاته ظللت في حالة إنكار حتى عندما ذهبت خصيصًا لطنطا لزيارة مدفنه".

ويضيف "هذا النوع من البشر نادر جدًا، لا يموت بمجرد خروج الروح من الجسد، هو فقط يتنقل من الحالة المادية لحالات أخرى محفورة داخل كل منا، وستستمر إلى ما شاء الله لها الإستمرار. عندما دخلت المعرض هذا العام للمرة الأولى شعرت بعدم وجوده، وكأن وجوده كان ملموسًا في السابق، معلقًا بذرات الهواء، متسللًا بين القاعات، مصاحبًا لكل من يدخل أو يخرج. لم أتمالك نفسي ووجدتني أسير حتى عثرت على صورته في مدخل إحدى القاعات، فوقفت أمامها لأحدثه: (وحشتني ومُفتقدك جدًا يا دكتور)"

إعلان

أما هدى عبد المنعم (الكاتبة و الروائية الشابة) فيلف كلماتها الحزن وهي تتذكر: لقد كنت مجرد قارئة محبة لدكتور أحمد خالد توفيق، لم أرتق لمرتبة الصداقة أو أن يعلم بوجودي وإن تمنيت ذلك كثيرًا، والعام المنصرم قطعت صديقة مقربة لديه وعدًا بترتيب لقاء يجمعني به لكن الموت اختطفه قبلها.

وتتابع هدى: "التقيت به ثلاث مرات ووقع لي بعض أعماله ولم أستطع أن أنبس ببنت شفة في حضرته، كان مهيبًا وأجمل من أن يكون حقيقة وحضوره يخطف الأنفاس، وانبهاري بوقوفي أمامه يلجم لساني، ولم تكن ثمة فرصة للكلام وسط جحافل القراء المتكالبة عليه للتوقيع والسلام. هذا العام لأول مرة لا ينشر جديد له في المؤسسة العربية الحديثة، كانت محطتي الأولى دائمًا في كل معرض كتاب لأقتني أحدث إصداراته من السلاسل التي أوقعتني في غرام القراءة. مررت أمام جناح المؤسسة ولم أستطع الدخول، غلبتني دموعي وفوجئت بقلبي لم يزل محروقًا على غيابه. كانت الأعداد الجديدة من سلاسله هي أولى قراءاتي من مقتنيات المعرض كل عام. وقد انتهت هذه العادة للأبد؛ فطر ذلك قلبي".

أما ياسمين حسن (إحدى قارئات الدكتور المخلصات) فتحدثت متأثرة عن لقاء المعرض السنوي قائلة: "أول اكتشاف لي بأن دكتور أحمد خالد توفيق يمكن رؤيته والحديث معه وجها لوجه كان في معرض الكتاب، إذ كان لا وعيي يؤمن قبلها بأنه أكبر وأهم من أن يمكن لشخص مثلي أن يراه أو يلتقيه، لكن لقاءاتنا تعددت بعدها حتى أن السنة التي تليها قابلته في المعرض مرة أخرى في إحدى ندواته مع دكتور نبيل فاروق، وتحدثنا و تناقشنا وفوجئت بقبوله لطلبي بأن نتفحص بقية المعرض سويًا بعد الندوة، لا يمكنني نسيان سعادتي وأنا أتجول معه بين أروقة المعرض، بين الصالات وسور الأزبكية، نتوقف لنلتقط أنفاسنا ونشرب أكوابا من الشاي، وأنا أحكي له عن خطيبي وعن موعد زفافنا، وهو يستمع إلي ويسدي إلي بعض النصائح ويحدثني عن عائلته وأولاده ضاحكا بمرح وتواضع وبساطة لم أرها قبل هذا الموقف أو بعده في إنسان".

وتتابع: "أتذكر أنني بعثت إليه بدعوة لزفافي بالبريد الإلكتروني، لكنه لم يستطع الحضور. إنقطعت عن حضور المعرض بعدها لأربع أو خمس سنوات، وفي العام السادس ذهبت مع زوجي لأفاجأ به يعتذر لنا عن عدم حضور زفافنا، تعجبت من تذكره لهذه الدعوة التي مرت عليها سنوات وهو من هو. تذكر تلك الدعوة البسيطة من قارئة من ضمن ملايين القراء بل وكان يعتذرعن عدم تلبيتها بصدق من كان يتمنى بالفعل الحضور والمشاركة".

وعن غياب العراب عن معرض الكتاب هذا العام للمرة الأولى منذ سنوات قالت ياسمين: "كلما ذكر أمامي لفظ (المعرض) شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي إذ ارتبط دائما لفظ (المعرض) في ذهني بوجود فرصة سانحة لرؤية كاتبي المفضل وأبي الثاني، وعلى الرغم من أنني توقفت عن زيارة المعرض منذ سنوات إلا أن مجرد ذكره أمامي يقفز بالدموع إلى عيني، وها هو المعرض يقام هذا العام لكنه لن يكون أبدا كما كان، سيفتقد المعرض كما سنفتقد كلنا زيارة أبانا الذي في طنطا الذي لن يأت هذا العام".