موسيقى

سلامات يا ابن العم: مقابلة مع الرابر بو ناصر الطفّار

سلام على كل من يتحمل ثقل الظلم الجاثم على ظهره في أي مكان في العالم

إعداد سامي عبد الباقي
2019 03 10, 5:40am

بو ناصر ومروى شحادة. تصوير غنوة ضاهر

"لهجتنا مقاومة. هي سلاحنا الأخير قبل أن نغرق في بحر التماثل المميت،" يخبرني مروان بو ناصر، أو كما يعرف باسمه الفني بو ناصر الطفّار، 32 عاماً، كاتب ومؤدّي راب من بعلبك في شرق لبنان، ويضيف: "هي آخر ما تبقى لنا في عالم رأس المال وتماثل المستهلكين، وسندافع عنها بشراسة أينما حللنا." رفض العادي والمستهلك هو ما يميز بو ناصر، الذي أصبح معروف عربياً بأغانيه الواقعية وصراحته، فكلامه إن كان بأغانيه أو في كتبه هو كلام بسيط يصل قلب كل مستمع وقارئ دون تصنع أو تكلف، والمواضيع التي يطرحها هي من قلب الشارع ومعاناة الشعب، ولكن هدفه الأساسي ليس التكلم نيابة عن الشعب، بل تشجيع الشعب لأن يتكلموا بألسنتهم، بأنفسهم، كما يقول.

بدأ بو ناصر مسيرته الفنية في 2009 عندما أصدر ألبوم فرقة الطفّار "صحاب الأرض" وتبعه عدة أعمال منفردة وأخرى مشتركة، قبل أن يقوم بإطلاق ألبومه الثاني "بو ناصر الطفار – تتليت" عام 2014، بالإشتراك مع أهالي مدينة دوما في الغوطة الشرقية. توجه بو ناصر عام 2016 إلى مجال الكتابة حيث أصدر كتاب "الحرايق" عام 2016، تبعه بكتاب "القشنود" عام 2018، كلاهما تم وصفهما بسيرة ذاتية ــ روائية. لدى بو ناصر أيضاً اهتمامات في الفيلم والإخراج، حيث أطلق مؤخراً مشروع "البوتقة" وهي سلسلة حلقات على اليوتيوب، تجمع الراب مع طاقات ومواهب أخرى وضيف جديد في كل حلقة. قبل أقل من شهر، طرح بو ناصر أغنيته "أنيج" من إنتاج مغني الراب السوري بو كلثوم، نالت آلاف الاستماعات في غضون بضعة أيام فقط. تحدثت مع بو ناصر عن مشواره في عالم الراب، مشاريعه الجديدة والمواضيع السياسية الاجتماعية التي تعنيه اليوم.

VICE عربية: ناصر الدين، بو ناصر مروان و بو ناصر الطفّار. حدّثنا قليلاً عن التسمية؟
بو ناصر الطفّار: بدايةً اسمي الصغير مروان وهو له قصة بذاته قبل أن نتحدث عن الاسم الفني وأقتبسها بحرفيتها من كتاب الحرايق: "اسمي الأصلي حسن، لديّ شهادة ميلاد تثبت ذلك، وشهادة وفاة أيضاً. لم يكن أبي من سمّاني يومها أو راضيًا عن التسمية فانتظر سنة تامة كي لا يضيع تاريخ ميلادي باليوم والشهر وأصدر شهادة وفاة باسم حسن وشهادة ميلاد باسم مروان. كان أخي يحب أغنية لوين يا مروان لوديع الصافي فدفع حسن الثمن، وأصبحت أنا أكبر من سني المذكور على الهوية بسنة تمامًا."

بدأ مشروع الطفّار كفرقة ثنائية، كانت هويته مناطقية عشائرية بحتة، وكان ينقصني اسم الفني الملائم لهذه الهوية فكان اختيار اسم ناصردين الطفار مناسبًا، كان لعبًا على الكلام بين "ناصر دين" اسم العشيرة الأكبر في قريتي والتي تربطني بها صلة القرابة المباشرة من كل النواحي، وبين أن أكون أنا الشخص الذي ينصر دين الطفار، أي المطاليب الملاحقون في جرود البقاع الشمالي في لبنان بالمعنى المباشر، ورمزياً كل من اتخذ التمرد على القوانين المجحفة والظلم خياراً له. انتقالي إلى إسم بو ناصر لاحقًا كان له عدة أسباب أهمها انتقالي بالفكرة والإيمان بها إلى موقع أوسع من الموقع المناطقي العشائري الضيق السابق. من الجميل العيش بمائة اسم، على كل حال فأنا اليوم بو، البو، بوبو، البوبو، مروان، بو ناصر، طافر، ناصردين، نواصر.

1551267576245-ghinwaa-Daher
بو ناصر ولمى قاسم. تصوير غنوة ضاهر

هل يمكننا أن نعتبر أن بداية مشوارك في الراب كان بالتزامن مع الربيع العربي في 2011؟
بداية انتاجي بالراب لم تكن بالتزامن مع الربيع العربي حقيقةً، مع عدم إغفال أهمية الحراك الشعبي الشامل الذي حصل في الدول العربية خصوصًا في سوريا وما تبعه من فتح قنوات تواصل جديدة مع عدد من مغني راب في لبنان وخارجه وإصدار أعمال مشتركة ما زالت تثمر حتى اليوم إنتاجات موسيقية مرتبطة مباشرة بالوضع السياسي في البلدان العربية، ولم يكن لها أن تبصر النور دونه. لكن إصداري الموسيقي الأول كان في حزيران 2009 بأغنية مدينة الشهداء التي سرت في لبنان بجنون لم نكن نتوقعه أبداً، تبعتها الوسخ التجاري، ثم ألبوم صحاب الأرض إلخ…

هل كان الراب دائماً ملجأ أو مساحة آمنة بالنسبة لك؟
لم يكن الراب النوع الموسيقي الأول الذي أسمعه أو الموسيقى المفضلة لديّ، بل كان الروك الثقيل هو مدخلي إلى الراب. اللحظة اللي اكتشفت فيها الراب الأصلي غير التافه أو الماينستريم اكتشفت فيها رغبتي باستخدام هذا النوع من الغناء بالذات للتعبير عن كل شي. كان عمري 15 سنة، عندما بدأت بكتابة الأغاني، "كنت أغني عأي إيقاع حتى ولو كان شخير أبي ببيتنا ذي الغرفة الواحدة. غنيت خلال شغلي كفاليه باركينغ، وشغلي كشوفير، غنيت عن المقاومة عن التطبيع، عن أهلي عن خوفي، عن حبي ومراهقتي قبل أن يكون لدي أي اسم على ساوندكلاود، قبل ما يكون في ساوندكلاود حتى." كنت أسجل بالبيت بطريقة بدائية بقصد التسلية وأقوم بإسماع هذه الأغاني لدائرة ضيقة من الناس. إلى أن انتقل الإنتاج الى مستوى جدي، ثم أكثر جدية ثم أكثر وأكثر حتى وصلت إلى أن تباع تذاكر حفلتي في إسطنبول في تركيا كلها سلف.

لهجتنا الحلوة ليست آداة كوميديّة لإضحاك أصحاب اللهجة البيضاء، ليست إثباتاً على تخلفنا وعشائريتنا، ليست استشراقاً على منطقة لحم أكتافنا من خيرها

ماذا يعني لك الراب باللهجة البعلبكية؟
لهجتنا مقاومة. هي سلاحنا الأخير قبل أن نغرق في بحر التماثل المميت. رمت بنا قرانا نحو المدن كما ترمي الأم الفقيرة بطفلها الرضيع في سلة أمام بابٍ مجهول. ضاعت هويتنا بين مركز وطرف لا يجمعهما سوى انتمائهما شكليًا للبلد نفسه. ريف مهملٌ مهمّش متروك للأحزاب الدينية تنهش بلحم أهله، ومدينة ملوّثة مزدحمة تتقاتل الوحوش البورجوازية على امتصاص آخر ما تبقّى من قطرات دمها. لهجتنا الحلوة هي الخيط الأخير الذي يربطنا بجذورنا بأرضنا وقرانا، هي قارب نجاتنا، ضم الحروف في مواسم كسر الأعناق هو فعل مقاومة سامي. لهجتنا الحلوة ليست آداة كوميديّة لإضحاك أصحاب اللهجة البيضاء، ليست إثباتاً على تخلفنا وعشائريتنا، ليست استشراقاً على منطقة لحم أكتافنا من خيرها. هي آخر ما تبقى لنا في عالم رأس المال وتماثل المستهلكين، وسندافع عنها بشراسة أينما حللنا.

مواضيعك سياسية واجتماعية عن الحكومات والفقر والفساد ويوجد من أطلق عليك اسم "صوت اللي ما اله صوت." هل تشعر بأية ضغط للحفاظ على هذه المواضيع وهذا اللقب؟
لا، لا أشعر بأي ضغط للحفاظ على اللقب المذكور. "مش هدفي احكي بلسان حدا بقدر ما هدفي هو خلي هالحدا يتشجع ويحكي بدوره، مش هدفي أعمل شغل حدا بقدر ما هدفي هو خلي هالحدا يتشجع ويشتغل هو كمان." كل كلمة بقولها وكل فعل أقوم به يحمل في طياته دعوة لكل شخص قادر على عمل شيء مشابه أو أفضل لأن يقوم به.

ماذا قدّم لك الإنترنت من أغاني الساوندكلاود إلى بوستات فيسبوك؟
أعتقد أن الانترنت لم "يخلق" تجربتي، بل نقلها إلى مكان أكثر تطورًا وسَهل علي عملية التواصل مع المستمعين-ات ومع الموسيقيين-ات الآخرين-يات. قد يعتبر رقم المستمعين قليل بالنسبة إلى نجوم البوب، ولكن الفرق ربما أن أغانيّ عمل منزلي نظيف ولا تحمل في مضمونها ما يعجب المستمع ويناسب ذوقه دائماً.

الراب أساساً لا يقدم نفسه كفن صالونات، بل على العكس من ذلك هو فن في عمقه يتهكم على الصالونات الثقافية في موسيقاها وأدبها وثيابها وصولاً إلى لغتها المختارة كلماتها بعناية

حدّثنا عن أغنيتك الجديدة "انيج."
أنيج من اسمها لمضمونها لشكلها الموسيقي الفج الذي عمل عليه بو كلثوم ببراعة تعتبر مزعجة لأصحاب الآذان المرهفة وردود الفعل تجاهها على فيسبوك كانت عبارة عن نقاش كبير على عدة مستويات. البعض مثلًا اعتبر أن البذاءة تقف حائلًاً بيننا وبين الوصول إلى الناس، كان ردّي أن الراب أساساً لا يقدم نفسه كفن صالونات، بل على العكس من ذلك هو فن في عمقه يتهكم على الصالونات الثقافية في موسيقاها وأدبها وثيابها واتيكيتها وصولاً إلى لغتها المختارة كلماتها بعناية. ليس تهكماً بغرض التهكم بل تحطيمًا للقالب الذي تصب الأنظمة شعوبها فيه تربوياً وفنياً واجتماعياً. أختم بما قاله الشاعر مظفر النواب: "اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية، بعضكم سيقول بذيئة. لا بأس... أروني موقفاً أكثر بذاءة مما نحن فيه."

ماذا عن كتبك "الحرايق" و"القشنود؟
الحرايق.. كتابي الأول قصته طويلة، كتبته منذ سنتين بواحدة من أسوأ سنين عمري، الكتاب كان من المفترض أن يكون وصيّة صغيرة تُترَك بعد موتي، أنشرها بَعد أن أكملَ التخلّي عن كلّ ما/من أحبّ وأكره. حتّى أضاءَ النّور فجأة في عيني بلحظةٍ خاطفةٍ قائلًا "هم لا يريدونكَ غبيّاً مهزوماً يا بو، لَقد قَتلهم حُزنهم فلا تحزِنهُم أكثر." صَارت الوصيّة كتاباً، لم يبدأ من الصّفر، ولكن من تحت الصفر بكثير. لكنّه انتهى بنفاذ طبعته الأولى التي فاقت ألف نسخة مع نهاية السنة بفَضلِ وقوفِ الكثيرين من المحبّين والمحبّات بجانبي موزّعاً على الرفوف في مدن لبنان وسوريا وفلسطين وتركيا والأردن ومصر وفرنسا والمغرب وهولندا وألمانيا وغيرها، من دون دار نشر ولا أي تمويل من أي جهة -باستقلال تام وحرية تامة تشبه حريتي في الفضاء الموسيقي. أفتخر أن "الحرايق" كان نوعًا من العلاج لكثير من الناس الذين أرسلوا لي رسائل خاصة وعلنية عن تجاربهم مع الاكتئاب والرغبة بالانتحار وعن تفاعلهم مع وجهة النظر الواردة بالحرايق. الحرايق بالمناسبة هو اسم مقبرة الضيعة، بكل ما يحمله الاسم من رمزية ووجع.

1551268202803-
تصوير غنوة ضاهر

ومن هو "القشنود"؟
"قشنود" هي كلمة عربية قديمة تُقال لجيفة الحيوان الذي مات منذ فترة تتعدّى الأسبوع، وهي الرواية الثانية المنبثقة من روح "الحرايق" والتي تشكّل طيفًا لها بعد سنة وثلاثة أشهر على إطلاق الجزء الأوّل. في صفحات "القشنود" الأولى إهداء إلى ملك الموت، علّه يلتهي عنا قليلًا بالقراءة، علّنا نحظى بلقاء أخير مع من نحبّ قبل رحيله لنخبره بكلّ شيء. كان مغامرة بالنسبة لي أكثر من كونه تجربة كتابية ثانية. كتبته كسيرة ذاتية مصغّرة مكتوبة من أعصاب الروح والدماغ، الأمر الذي دفع بالقارئ في كثير من الأحيان الى عدم الوقوف كثيرًا على اللغة والبناء والتقييم الفنيّ، بل انّ معيار التقييم الأساسي كان العاطفة. طبعته كما "الحرايق" على نفقتي الخاصة دون تلويثه بلمساتٍ المموّلين وشروطهم، وربما من أجمل الأشياء في تجربتي بالكتابة هي تشجيع الشباب من جيلي وأصغر للخوض بالتجربة بجرأة وثقة بعيداً عن شرك الإنتاج ومؤسسات المنح.

هل نتوقع إطلاق كتاب ثالث لتكمل الثلاثية؟
الآن بعد انتقالي على اسطنبول صار استكمال الثلاثية واجب لا مفر منه.

أشعر بمسؤولية مضاعفة عشر مرات في هذه الناحية، بالدرجة الأولى لتعويض فائض الرجولة والتستستيرون الطافح من ناصردين الرابر والإنسان بيومياته

راب وكتب والآن تدخل مجال الإخراج، حدّثنا أكثر عن مشروع "البوتقة" اللي شاركت فيه مع مروى شحادة ولمى قاسم ولين مصطفى؟
البوتقة هو مشروع عمره سنين، وكنت انتظر لحظته المناسبة للانطلاق ليرى النور، كانت فرصتي الأولى لأترجم هوسي بالسينما بإنتاج ملموس وما صدر هو بداية فقط تمهيداً لقادم أنضج وأكبر وأوسع بعد. جاري العمل حاليًا على ثلاث حلقات. لكن التعاونات الجديدة ستشمل مصورين جدد وأنواع جديدة من الفنون. مروه ولمى ولين رفقاتي بالدرجة الأولى والأقربون أولى بالمعروف. والحلقات القادمة كل ضيوفها والمشاركين سيكونون من الدائرة المقربة من الأصدقاء المغمورين أو من الأشخاص الذين احترم عملهم، وأسعى للتعاون معهم وأرى فيه إفادة واحتمالات ايجابية. البوتقة اسم على مسمى، هي وعاء نغلي فيه طاقاتنا بهدف الحصول نهاية الأمر على مادة غَنية.

1551267759615-ghinwa-daher
بو ناصر الطفار ولين مصطفى (تصوير غنوة ضاهر)

"شوارب السي سيّد هرّوا واللي هرّتهن أنثى." حمل البوتقة طابعاً أنثوياً كما كتبك وأغانيك غالباً. ماذا تعني النسوية بالنسبة لك؟
البوتقة بمثابة منصة للناس المبدعة ولم تحظى بعد بالفرصة المناسبة. لذلك أبتعد عن الأشخاص المعروفين أو عن من لا يعاني من ضغط معين. يمكنك أن ترى هوية نسوية نوعاً ما للضيوف وحتى لفريق العمل بالحلقات الأولى لخلق مضمون بعيد عن التنميط والابتذال الرخيص. أشعر بمسؤولية مضاعفة عشر مرات في هذه الناحية، بالدرجة الأولى لتعويض فائض الرجولة والتستستيرون الطافح من ناصردين الرابر والإنسان بيومياته سابقاً. ثانيًا، لأن إذا اعتبرت أن قضيتي هي مواجهة الظلم أينما حل فمن الطبيعي أن أبدأ ببيتي الصغير، واحكي عن ما تتعرض له أختي وأمي ببيتهن. الإضاءة على وضع المرأة المزري في بلادنا هو أقل واجب وهو كسر حجر أساسي في جدار الطغيان الكبير.

وأخيراً، سلامٌ على من الآن؟
سلام على كل من يتحمل ثقل الظلم الجاثم على ظهره في أي مكان في العالم، وسلام على من حافظ على إنسانيته بوصلة في حياته ومواقفه وممارساته بالرغم من كل الجنون والدماء والتوحش السائد.