سياسة

ليبيا - رحلة ما بعد الثورة

إليكم فلاش باك عن السنوات الماضية منذ الثورة في فبراير 2011 التي أدت إلى إنهاء حكم معمر القذافي
1.7.20
Tanks_outside_of_Misrata

مما لا شك فيه ان ليبيا تعتبر من أشد مناطق النزاع نشاطاً وتحديثاً في هذه الفترة لما تلاقيه من إهتمام دولي وعالمي- فالتدخل الأجنبي على الأراضي الليبية والاستقطاب السياسي من أطراف دولية كبرى يبرهن بأهمية هذا البلد على كافة المستويات، فالنفط والأموال والاحتياطات الاستراتيجية التي تملكها ليبيا تجعل منها محطة مفصلية في المنطقة، حيث تعتبر احتياطيات النفط في ليبيا هي الأكبر في قارة إفريقيا ووتحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول لديها أكبر احتياطيات نفطية في العالم. أما طبيعة الوضع المعقد هناك يجعل من الصعب مواكبة ما يجري بشكل واسع وسريع، فالبلد يسبح فوق بحر من الدماء والجرائم والانتهاكات الانسانية والحقوقية- ناهيك عن حالة الإنفلات الأمني القصوى والتي يذهب ضحاياها بالعشرات يومياً. إليكم فلاش باك عن السنوات الماضية منذ الثورة في فبراير 2011 التي أدت إلى إنهاء حكم معمر القذافي.

إعلان

  • كانت المرة الوحيدة التي مرت بها ليبيا بإنتخابات نزيهة في تاريخها الحديث، كانت بعد الثورة في سنة 2012 حيث تم إنتخاب المؤتمر الوطني العام والذي ضم نواب مستقلين وأحزاب متنوعة. تحمّس الليبيون للعرس الانتخابي وقصد صناديق الاقتراع كمحفل لم يعشه معظمهم منذ عقود طويلة، ولكن للأسف لم يكن هذا الكيان التشريعي عند حسن ظن الليبيين له من حيث نزاهة أعضائه وشفافية ميزانيته، وكذلك مدى إلتزامه بأداء مهامه كجهة تشريعية مفصلية وحاسمة لمستقبل الليبيين.
  • بعد الثورة، عانت ليبيا من حكومات منهكة وكيانات تشريعية لاجدوى منها، وشخصيات سياسية فاسدة، حتى إن الأحزاب التي قادت المشهد السياسي في ليبيا كانت بلا رؤية واضحة أو إيديولوجية سياسية محددة. الجميع كان يلهث وراء الميزانيات والامتيازات. الصراع في ليبيا تطور لما يمكن تسميته بحرب أهلية، ولا يمكن إختصاره في قطبين أو ثلاث أقطاب معينة. هناك حرب قائمة بين أنصار الدولة المدنية في طرابلس بقيادة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج (المعترف به دوليًا) وبين أنصار الدولة العسكرية والتي يقودها الجنرال خليفة حفتر في المنطقة الشرقية في ليبيا. أما الجنوب فهو في مرمى الجميع، فهناك أزمات وحروب قبلية صغرى بين بعض القبائل وهناك بعض الصراعات غير المنظمة من قبل عصابات ومافيات التهريب والاتجار بالبشر.
  • ليبيا مرت بثلاث حروب أهلية كبرى خلال سنوات (2019- 2014 - 2011) وشملت العديد من النزاعات المؤقتة بين قبائل وجهات غير رسمية كالحرب المعروفة بحرب الكانيات في سنة 2018 (على إسم قبيلة تستوطن مدينة ترهونة) والتي اندلعت بدافع السطوة على بنك ليبيا المركزي ومنحهم الإعتمادات التجارية ورغم نجاحهم في السيطرة على بعض المواقع الاستراتيجية في مدينة ترهونة وبعض من أطراف العاصمة الإ أنهم لم ينجحوا في الإستيلاء الكامل عليها. العديد من القبائل الموجودة بمحاذاة العاصمة كان لها دور في دعم أبنائها للسيطرة على مرافق إستراتيجية في المدينة كالمطارات والجامعات وبعض المعسكرات والمقرات الحكومية، كقبيلة الزنتان وورشفانة، وهذا ساهم في تفاقم الفوضى والهيمنة للفصائل والمجموعات غير الرسمية.
  • في الرابع من إبريل 2019 استغل الجنرال حفتر وضع طرابلس الهش والمضطرب وأعلن عن عملية تحرير العاصمة طرابلس ضد ما أسماها الميليشيات المسلحة والمجموعات الإرهابية، حيث قاد جيشاً أسماه (القوات العربية الليبية المسلحة) تُجاه طرابلس من عدة محاور وبمساعدة خفية من دولة الإمارات ومصر. إصطفت هذه الدول وراء حفتر على أنه محرر لليبيا من الفوضى العارمة والفساد السياسي وباقي المشاكل التي تعانيها ليبيا منذ تسع سنوات، وقد انضمت له مجموعات من "المرتزقة" للمحاربة معه ضد حكومة الوفاق والتي تتخذ مقرها في طرابلس والمدعومة دولياً من قطر وتركيا.
  • مرة أخرى، الحرب الكبرى بين أنصار الدولة المدنية والدولة العسكرية على أسوار مدينة طرابلس وضواحيها كانت على أشدها في جبهات لا تنام ولا تكل أو تمل، بل العكس كان جميع سكان طرابلس لا سيما القاطنين قرب هذه الجبهات - يسمعون معزوفة يومية لكل أنواع الأسلحة كالهاون والصواريخ من الجو والأرض وكل مكان. خلفت الحرب العديد من المآسي والتشرد والنزوح الداخلي والتصفية الفصائلية أو القبلية والقتل الممنهج. فحسب المنظمة الدولية للهجرة وعن طريق وحدة DTM تسببت هذه الحرب تسببت في نزوح ما يقارب نصف مليون مواطن ليبي لمدن مجاورة أو مناطق آخرى آمنة جزئياً، كما أنها ساهمت في تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي لدى هذه الأسر والعائلات فأضطر الآلآف منهم للسكن داخل مخيمات ومدارس تابعة لمنظمات دولية ومحلية.
  • إستمرت هذه الحرب الأخيرة لأكثر من سنة تقريباً وراح ضحيتها الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين ما بين مقاتلين ومدنيين أبرياء - فوفقاً للجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا والتي رصدت العدد الجملي لضحايا هذه الحرب على مر عام كامل منذ إبريل 2019 حتى إبريل 2020 والذي تجاوزت فيه (4,387 قتيلاً) ولم تسلم البيوت والمرافق المحيطة بالجبهات عند جنوب شرق طرابلس من التخريب والسرقة والحرق المتعمد- وتفاقمت الأمور حتى زادت أعداد المواطنين الذين بلا مأوى أو ملجأ لهم، الوضع الإنساني في طرابلس وبعض المدن المحيطة كارثي وغير قابل للتسوية من قبل الأطراف المحلية.
  • مخلفات الحرب في ليبيا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي لازالت أسوأ بكثير فالعديد من القبائل والمدن لا يمكنها تقبل فكرة التعايش سوياً ضمن ذات الدولة والحكومة، حيث أن الشرخ الاجتماعي، ساهم في زيادة الصراعات الأولية والثانوية في البلد، وأصبحت حرب الوكالة هي المسيطرة على تحركات ودوافع الهجوم من قبل هذه المدن والقبائل. إقتصادياً، التهديد المستمر بقطع إمداد النفط من بعض المدن يزداد كل يوم والذي يمثل مصدر قوت الليبيين جميعاً وهذا المورد القومي الأول في هذا البلد.
  • التدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة بدءً من الولايات المتحدة وروسيا، وتركيا ومصر وقطر والإمارات جميعها ساهمت في إطالة عمر الحرب في ليبيا - فلكل دولة رؤية خاصة في كسب حليف محلي لها في هذه الدولة، حيث تشترك كل هذه الدول في الرغبة بالسيطرة على النفط من جهة، وحماية مصالحها السياسية والأمنية من جهة أخرى. مؤخراً، أعلنت مصر، والتي لديها حدود برية وبحرية مع ليبيا، أنها ترى في وجود بعض "الميليشيات" (خاصة في سرت والجفرة) تشكل "تهديداً لامنها" على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي أن "أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية" وهو ما اعتبرته حكومة الوفاق في طرابلس "إعلانا للحرب."

  • تم خلال هذه السنوات ارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين الليبيين ومكونات عرقية صغرى كالطوارق والتبو(سكان الصحراء والمناطق الجنوبية من ليبيا). كما أن المهاجرين عبر الصحراء لم يسلموا من الحرب الواقعة هناك- فهم أولى الضحايا الذين احتجزوا وعذبوا وزج بهم كضحايا ضمن شبكات الاتجار بالبشر التي تنشط في الجنوب الليبي وعلى الحدود التشادية النيجيرية. الوضع في ليبيا يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، فالتصارع على السلطة والنفط والموارد يزداد بازدياد الحاجة إليه، وبين هذا وذاك يقع المواطن ضحية ذلك النزاع من إستمرار للإنفلات الأمني والانهيار الاقتصادي والمأساة المعيشية اليومية.

رغم كل هذه المعطيات غير المبشرة لمستقبل الليبيين في بناء دولة القانون والمؤسسات والدستور المدني العادل، الإ أن إحتمالية نهوض ليبيا مجدداً وسط هذه "المعمعة" يبقى خياراً مطروحاً وبقوة، فكثير من الدول التي مرت بحروب وحالات نزاعات مشابهة، نجحت في وضع أساسات بناء دولهم وزهاء واستقرار شعوبهم.