جرائم قتل النساء

قتل على أساس الهوية: هذا ما جنته مريم فتاة المعادي

لم تكُن جريمة مقتل مريم، قتل بالخطأ، بل كانت عمدية وقصدية. الجناة قصدوها لأنها امرأة، وتعمّدوا أذيتها لأنها امرأة
18.10.20
A_01

شهد حي المعادي بالقاهرة عشيّة يوم الثلاثاء الثالث عشر من أكتوبر الجاري واقعة مقتل شابة مصرية إثر تعرضها للتحرش الجنسي من سائق حافلة بصحبة آخرين. تواترت الأخبار على مدار الأيام القليلة السابقة حول الواقعة وحول ما حدث تحديدًا لمريم محمد علي الموظفة بأحد البنوك المصرية بعد خروجها من محل عملها مساء الثلاثاء.

البعض يقول أن القتلة أثناء قيادة "الميكروباص" حاولوا سرقة حقيبة ظهرها، وتشبثت هي بالحقيبة، فتم سحلها لعدة أمتار ارتطمت فيها رأسها بسيارة أخرى ثم بالأسفلت. ويقول البعض أن مريم تعرضت للتحرش الجنسي ثم محاولة سرقة حقيبتها ثم ارتطمت بسيارة أخرى ثم بالأسفلت. وبينما جاء بيان النيابة العامة المصرية مؤكدًا للرواية الأولى، أكدت إحدى قريبات مريم، لُبنى هشام، الرواية الثانية: قُتلت مريم بعد جريمة عنف جنسي وجريمة سرقة معًا. ما اتفقت فيه الروايات جميعًا هو أن الإسعاف لم تصل لموقع الحادث إلا بعد مرور ساعة كاملة كانت مريم فارقت فيها الحياة.

تحرش جنسي أم سرقة؟

رحلت مريم، وخلّفت وراءها جدلًا معتاد حول تعرض النساء اليومي للعنف الجنسي في مصر. فمع كل واقعة عنف جنسي تنطلق الجدالات والتبريرات على مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بمحاولات تفسير وتأويل إن كانت جريمة عنف جنسي، إن كانت اغتصابًا، إن كانت الضحية مُشاركة في الجريمة بأي شكل، فترقد الضمائر في سلام بينما تُنتهك أجسامنا ليلًا نهارًا. يُقال أن انتشار رواية السرقة ونفي رواية التحرش الجنسي جاءت لتوقيع أقصى عقوبة على الجناة، لأن عقوبة السرقة أكبر من عقوبة التحرش الجنسي -عقوبة السرقة قد تصل لسبع سنوات، عقوبة التحرش الجنسي قد تصل لخمس سنوات إن لم تكُن أقل حسب تقديرات قاضِ المحكمة. ويُقال أيضًا أن النساء تُبالغ في تفسير أي واقعة عنف على أنها عنف جنسي، وتم توجيه أصابع الاتهام لهنّ كمُندفعات ومشّوشات، بالأخص بعد صدور بيان النيابة العامة الذي لم يذكر سوى السرقة والسحل، ولم يتوجه بالإدانة لتأخير سيارة الإسعاف في الحضور حتى فاضت روح مريم.

أغلب النساء تبنيّن رواية التحرش الجنسي، ليس بسبب الاندفاع والتشوّش وفقدان قدرتهنّ على التمييز. لكن بسبب أن العنف الجنسي هو واقعهنّ المُعاش يوميًا، وهو ما يُشكل كل تجاربهنّ تقريبًا في الحياة. مريم ليست الأولى التي تتعرض للقتل بسبب جرائم العنف الجنسي. في عام ٢٠٠٨، تم سحل شابة من سائق سيارة نصف نقل في شوارع مصر الجديدة. سُحلت نهى رشدي بعد أن أمسك سائق السيارة بصدرها وجرّها منه بعنف سحلها مع السيارة عدة أمتار، فقدت بعدها الوعي لدقائق ثم نهضت لمطاردته لتكون أول قضية عنف جنسي في تاريخ المحاكم المصرية.

إعلان

في عام ٢٠١٢، تعرضت إيمان مصطفى في أسيوط للقتل بعيار ناري، بعد أن عبّرت عن رفضها عبارات تحرش جنسي من شخص أطلق الرصاص على رأسها فورًا. وفي عام ٢٠١٣، قتلت شروق التربي دهسًا في طنطا، بعد تعرضها للتحرش الجنسي من سائق ميكروباص. في عام ٢٠١٩، قُتل محمود البنا طالب الثانوية العامة، بعد محاولته لصد التحرش عن فتاة في المنوفية. في عام ٢٠٢٠، قتلت إيمان عادل على يد مغتصب استأجره زوجها "لتشويه سمعتها."

وبين كل واقعة وأخرى، هناك آلاف الوقائع لعنف جنسي ضد نساء أدت إلى قتلهنّ.

تُشير منظمة الصحة العالمية أن واحدة من كل ثلاثة نساء حول العالم تتعرض للعنف الجنسي على الأقل مرة واحدة في حياتها، وأن ٧٪ من النساء المتعرضات للعنف الجنسي من غرباء يختبرن مشاكل متعلقة بالصحة العقلية منها اضطرابات القلق المزمن والاكتئاب. أما الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيؤكد أن أكثر من مليون وسبعمائة ألف امرأة يتعرضن للتحرش الجنسي في المواصلات العامة، وأن نحو مليوني وخمسمائة ألف امرأة أبلغنّ بتعرضهن لأشكال مختلفة من العنف الجنسي خلال عام ٢٠١٤ فقط.

العنف الجنسي هو عدسة ترى النساء المصريات من خلالها نفسها وعلاقاتها الاجتماعية والمهنية بما فيها أوقات مفترض أنها عادية جدًا كالسير في الشارع، وركوب المواصلات العامة والخاصة، في الحفلات والمناسبات والأنشطة الخيرية والعامة، وحتى على الإنترنت. من منطقي الآن أن كل واقعة عنف تحدث لامرأة، تُرجعها النساء للعنف الجنسي، لأنه ومرة أخرى –واقعهنّ المُعاش يوميًا.

في الأشهر السابقة، انتشرت أخبار عن عدة وقائع عنف جنسي، بداية من الملاحقات والتهديد ووصولًا إلى الاغتصاب فرديًا أو جماعيًا. ولم تكُن تلك الوقائع إلا مؤشرًا ضئيلًا عن كل واقعة عنف جنسي تحدث لامرأة أو شابة أو طفلة بشكل يومي ومتكرر ولا تتحدث عنها علانية، خوفًا من الوصم أو الانتقام أو اللوم أو القتل.

قتل على أساس الهوية

تُعرّف المفوضية الأوروبية العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي بأنه العنف الموجّه ضد أشخاص بناء على هويتهم/ن الاجتماعية بغرض التحقير، الإذلال، السخرية، أو التقليل من الشأن، وتشمل العنف الجسدي، الجنسي، النفسي، الاقتصادي، أو المعاناة بأي شكل لهؤلاء الأشخاص. يعتبر العنف ضد النساء واحدًا من أشكال مختلفة من العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي والجنس، وتُعرّفه الأمم المتحدة منذ عام ١٩٩٣ بأنه عنف مبنٍ على الهوية الاجتماعية ينتج عنه أو يُستهدف به إلحاق الأذى الجسدي والنفسي والجنسي للنساء في الحياة العامة والخاصة.، مُتضمنًا التهديد والإكراه والحرمان من الحرية.

مريم محمد علي، وجميع مَن سبقنّها من النساء ومَن يليهنّ، قُتلن لأنهنّ نساء. استُهدفنّ بالعنف الجنسي لأنهنّ نساء

ما يحدث للنساء من عنف جنسي يُفضي إلى القتل، هو استهداف لهنّ بالعنف لاعتقاد المُعتدين وأغلبهم رجالًا أن لهم سلطة على النساء بسبب هويتهنّ الاجتماعية أو خروجهنّ عن الأنماط السائدة، وأشهرها المقاومة أو النديّة. عندما تقاوم النساء العنف ويؤدي ذلك إلى قتلهنّ، فإن القتل هنا مُتعمّد وقصّدي ومبني على النوع الاجتماعي، أي الهوية. في السياق المصري المشحون دائمًا بخطابات الكراهية ضد النساء والمُنتشر فيه أخبار العنف الجنسي بشكل يومي، فإن جرائم القتل الناتجة عن التعرّض للعنف الجنسي، والعنف الجنسي نفسه، تدخل في حيز جرائم الإبادة المُمنهجة ضد مجموعات وأشخاص تبعًا للهوية المُعلنة أو المُتصوّرة عنهم/ن، وفقًا لتعريف هيئة الأمم المتحدة مُعتبرًا الاستهداف المبني على الهوية جريمة دولية ضد الإنسانية.

مريم محمد علي، وجميع مَن سبقنّها من النساء ومَن يليهنّ، قُتلن لأنهنّ نساء. استُهدفنّ بالعنف الجنسي لأنهنّ نساء. وفقدن حيواتهنّ بسبب هذا الاستهداف القائم على الجنس وعلى الهوية الاجتماعية. لم تكُن جريمة مقتل مريم، قتل بالخطأ، بل كانت عمدية وقصدية. الجناة قصدوها لأنها امرأة، وتعمّدوا أذيتها لأنها امرأة.

وبما أنني في هذا النص أعتمد شهادة قريبة مريم وليس بيان النيابة العامة أو الرواية الرسمية بأنها حادث سرقة فقط، فإنني أشير إلى استهدافها بالتحرش الجنسي، والإصرار على إيذائها بالسحل. كان ممكنًا للجناة ترك الحقيبة لمريم، خاصة بعد أن ارتطم رأسها بالسيارة التي تقف جانبها. كان من الممكن أن يتركوها ويرحلون، فلا يرتطم رأسها مرة أخرى بالأسفلت، أو تُسحل فيهتز رأسها أكثر وأكثر بعد الارتجاج. لكنهم أصرّوا على التشبث بالحقيبة. أصرّوا على سحلها. أصرّوا على قتلها. تعمّدوه. وقصدوه.

أعلم جيدًا أن هناك أشخاصًا يقولون أن القتل لا يفرق بين هويات الأشخاص الاجتماعية، وأتفق معهم. لكن أسباب القتل تُفرّق كثيرًا للأسف. تفرّق إلى حد أننا غير قادرات/ين على الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا لا يتعرض الرجال للعنف الجنسي والقتل بنفس القدر ونفس التكرار والوحشية التي تتعرض لها النساء؟ وكما يكون هذا السؤال سخيفًا، فالإجابة سخيفة وثقيلة. فالنساء لا تدّعي المظلومية؛ نحن نعيشها جحيمًا مُتكررًا ونحن نعلم أننا قد نُقتل لأننا نساء. ومتى تُسمى الأشياء بمُسمياتها؟ متى يُعترف أننا نُقتل على أساس الهوية.