industry
تحقيقات

مدينة آسفي المغربية تحت حصار ثنائي أكسيد الكبريت براً وبحراً

السكان يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي. فيما تتسبب النفايات الكيماوية التي يتم رميها بالبحر بطرد السمك الذي تعتمد عليه المدينة الساحلية
23.9.19

"نحس بضيق في التنفس وهيجان في العين، عندها نعلم أن سماء مدينتنا تتلوث مجدداً،" يقول رضوان، 30 عاماً، مشيراً إلى التلوث الذي تتعرض له مدينته آسفي، تقع على ساحل المحيط الأطلسي على بعد 330 كلم من العاصمة المغربية الرباط نتيجة للتسرب الكبير لغاز ثنائي أكسيد الكبريت من المصانع التابعة لمكتب الشريف للفوسفاط، إضافة إلى الغازات الكيماوية من المحطة الحرارية التي تستخدم الفحم الحجري في عملها والذي تسبب في الكثير من المشاكل الصحية لسكان المدينة الساحلية.

إعلان

وتقع مدينة آسفي على الساحل الأطلسي وتضم أحد أهم الموانئ في المغرب ومجمع صناعي كبير لتكرير الفوسفات، الذي يعد المغرب أول مصدر له في العالم. رضوان هو واحد من النشطاء في حملة "خنقتونا" الاحتجاجية الشبابية والتي شعارها هو صورة لشخص يرتدي قناع واقي من الغاز، تهدف إلى الضغط على المسؤولين لإيجاد حلول لمشكلة التلوث التي تهدد سكان المدينة وبيئتها. "منذ إنشاء هذا مصنع الفوسفات سنة 1962 ومدينة آسفي تتأثر يوماً بعد يوم بالغازات السامة كثاني اكسيد الكربون وانبعاثات الكبريت،" يضيف رضوان: "لهذا أطلقنا حملة "خنقتونا" عام 2017 للاحتجاج السلمي على ما نعيشه من ظروف غير صحية في محاولة لإيصال صوتنا، لعل وعسى."

1568802688544-69566061_676923942793382_4514670695849918464_o-1-1

رضوان.

ويمتلك المكتب الشريف للفوسفاط حصة 31% من سوق الفوسفات في العالم. وتنتج مصانع المكتب الشريف للفوسفاط بمنطقتي آسفي، والجرف الأصفر التي تبعد عن المدينة حوالي 130 كيلومتراً حوالي 9 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية سنوياً. وفي حين يتوقع أن يصبح الفوسفات الثروة الطبيعية الأكثر أهمية خلال السنوات القادمة، فإن تأثيره على البيئة مدمر. المغرب يحتل المركز 25 عالمياً والسادس عربياً ضمن أكثر الدول تلوثاً فيما يتعلق بتلوث ثنائي أوكسيد الكبريت. وتشير البيانات التي نُشرت ضمن دراسة علمية تحليلية نشرتها منظمة السلام الأخضر "غرين بيس" أن مصانع الفوسفات والكبريت في مدينة آسفي أنتجت العام الماضي 30 كيلو طن من غاز أكسيد الكبريت.

في ظل هذه الأرقام، تزيد معاناة أهالي آسفي يوماً بعد يوم. الأسبوع الماضي، تلقيت اتصالاً هاتفياً غاضباً من أحد سكان المدينة يشتكي من ارتفاع نسب التلوث: "إنها الانبعاثات مرة أخرى، رائحة الكبريت الخانقة، نحن نختنق." قررت التوجه في اليوم التالي إلى المدينة للقاء بعض الأهالي، ومنهم امرأة ستينية يلقبونها بـ "أمي نعيمة" تعيش في حي "كاوكي" جنوب آسفي وهو أحد أقرب الأحياء إلى مصنع الفوسفات.

لم يكلف مسؤولو مكتب الفوسفات نفسهم عناء بناء مستشفى في المدينة لمعالجة المتضررين، على الأقل كعمل إنساني مقابل ما يقومون به من أذى

"ابني الأصغر والذي يبلغ اليوم ثمانية وعشرون عاماً أصيب بمرض تنفسي مزمن بسبب الانبعاثات السامة. لم يعش طفولته بشكل عادي حيث لم يكن يقوى على ممارسة الرياضة مثل أقرانه، كان يهوى كرة القدم لكن مرضه لم يمكنه من المضي قدماً في هذه الرياضة، فقد كان مضطراً لاستخدام رشاشة الربو بشكل مستمر، وهو ما أثر على مستواه الدراسي كذلك،" تخبرني "أمي نعيمة" مشيرة إلى أن ابنها محمد هجر المدينة هرباً من الهواء الملوث وبحثاً عن عمل في مدينة أخرى. "رغم أن مدينته الأم تنتج ذهباً (بالإشارة إلى أن المال الذي يتحصل عليه أصحاب المصانع)." ماذا عنك؟ سألت "أمي نعيمة" وأجابت: "ربما كانت مناعتي قوية، فصحتي ليست سيئة، غير أن رائحة الكبريت تهيج عيني وأشعر بألم شديد بهما، ولا تنفعني إلا قطرة عين أقتنيها مما يرسله لي أبنائي شهرياً، الجميع يعاني هنا لست الوحيدة." بعيداً عن مدى الأذى الذي يسببه هذا المصنع، تشير "أمي نعيمة" إلى أن هناك تجاهل كامل لأهالي المدينة وصحتهم: "لم يكلف مسؤولو مكتب الفوسفات نفسهم عناء بناء مستشفى في المدينة لمعالجة المتضررين، على الأقل كعمل إنساني مقابل ما يقومون به من أذى."

1568802971984-69650644_674621453023631_1980934870779559936_o-1

الصورة من صفحة "خنقتونا" على فيسبوك.

وقد كشفت دراسة لمنظمة SWISSAID السويسرية أن الإنبعاثات من مصانع المكتب الشريف للفوسفاط في آسفي والجرف الأصفر تسببت بإصابة سكان المناطق المجاورة بأمراض في الجهاز التنفسي. كما أثرت هذه الانبعاثات على الأراضي الزراعية والمواشي في المنطقة التي تعد فلاحية. أخطر ما ذكره التقرير ربما هو الإشارة إلى أن نسبة 37% من 4،000 عامل بمصانع المكتب الشريف للفوسفاط مصابون بمشاكل تنفسية. حاولت التواصل مع بعض العاملين داخل المصانع، رفضوا بدورهم خوفاً من فقدان وظيفتهم. كما حاولت التواصل مع بعض الأطباء من المدينة للحصول على معلومات حول الأمراض التي يعاني منها السكان إلا الرفض كان الجواب رغم أنني أكدت على عدم كشف هويتهم. بعد البحث عن متحدث وصلت إلى رشيد (إسم مستعار) 69 عاماً، متقاعد كان يتشغل بمصنع آسفي، لسبب لم يفصح عنه رفض الحديث عن طبيعة عمله داخل المصنع وما كان يقوم به.

الكثيرون يخافون من فقدان عملهم، تعيش مئات العائلات من عمل أفرادها داخل تلك المصانع، ولكنهم يموتون موتاً بطيئاً

التقيت رشيد في مقهى قريب وسألته بالبداية عن صحته: "أعاني من الربو من عشرين عاماً بسبب عملي داخل المصنع، منذ ذلك الحين وأنا أعيش برفقة الرشاشة التي أستخدمها كلما أحسست بضيق التنفس. كنا نستنشق كميات هائلة من الغازات السامة بسبب التسربات التي تحدث داخل المصنع، توفي عدد من أصدقائي بسبب هذه الغازات والاختناق، لا يسمح لنا بالحديث عن ذلك." عند ذكره لهذه النقطة سألته عن سبب تهرب الكثيرين من الحديث في الموضوع، أجاب حتى قبل أن أكمل سؤالي "الكثيرون يخافون من فقدان عملهم، تعيش مئات العائلات من عمل أفرادها داخل تلك المصانع، ولكنهم يموتون موتاً بطيئاً."

1569227996360-69656383_10216823103063863_2725125645158842368_o-2-1

صورة الانبعاثات الكيماوية من مصنع الفوسفات، تصوير رضوان

خلال حديثي مع أهل المدينة حول تأثير هذه الإنبعاثات على حياتهم، أخبرني أشرف (اسم مستعار) يبلغ الأربعين من عمره، يشتغل مياوماً في أحد أسواق المدينة، عن الأيام الصعبة التي تنتظر أهل المدينة في الشتاء القادم: "الرائحة أخف في فصل الصيف، لأن الرياح خفيفة. الجو ساخن ورطب هنا في المدينة خلال الصيف، لم تكن هناك انبعاثات في شهر أغسطس، لكن يوم أمس كانت هناك بعض الرياح التي أوصلت الرائحة القوية للأحياء المجاورة للمصنع." سألته عن مدى تأثير هذه الانبعاثات على السكان فأجاب بسخرية: "ما يصدر من هذا المصنع يؤثر على الإنسان والحيوان، البر والبحر، كل شيء. يجب إيجاد حل." وجواباً على سؤال هل أثرت الانبعاثات عليه شخصياً يقول: "ليس بعد، أحس بضيق بالتنفس عند إنتشار رائحة الكبريت كباقي سكان المدينة، ولكن هذا ليس هذا كافياً لأشتكي."

أشرف كما "أمي نعيمة" يشتكون أيضاً بأن هذه المصانع لم تعد بأي شيء إيجابي على أهالي المدينة، فلم يتم حتى إطلاق أي مشاريع تنموية في المدينة، ولم يتم تشغيل أهلها. منذ سنوات يحتج أبناء المدينة من أجل الحق في الشغل حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب في أسفي إلى 25% حسب تصريح سابق لرئيس بلدية آسفي.

يشير رضوان إلى أنه تمت مضايقة بعض الأعضاء من أشخاص مجهولين، ولاحقاً رفضت المطابع في المدينة طباعة أقمصة الحملة فيما ترفض المواقع الإخبارية المحلية نشر أخبارهم

في نفس الوقت، يتعرض أعضاء حملة "خنقتونا" للكثير من محاولات الاسكات. يشير رضوان إلى أنه تمت مضايقة بعض الأعضاء من أشخاص مجهولين، ولاحقاً رفضت المطابع في المدينة طباعة أقمصة الحملة، واضطروا إلى قيامهم بالطباعة خارج المدينة. "ترفض المواقع الإخبارية المحلية نشر أخبارنا لأن مكتب الشريف يضع إعلانات على هذه المواقع،" يدعي رضوان ويضيف: "على الرغم من ذلك، حققت الحملة نجاحاً كبيراً، يحضر المئات الوقفات الاحتجاجية التي ننظمها، ويحتج الآلاف عبر مواقع التواصل الاجتماعي."

1569227198706-WhatsApp-Image-2019-09-15-at-72824-PM-2

وقفة احتجاجية لحملة خنقتونا - الصورة مقدمة من رضوان.

الغازات السامة لم تؤثر على سكان المدينة الذين يعانون من هذه الانبعاثات، ولكن حتى سمك السردين لم يسلم من ذلك. أسفي والتي يلقبها المغاربة بمدينة السردين، وحتى شعار فريق كرة القدم الأول سمكة، تعتبر إحدى أهم أربعة مصايد بحرية للسردين في المغرب إلا أن الوضع تغير منذ فتح مصنع الفوسفات، كما يخبرني مصطفى، صياد تقليدي خمسيني: "كانت آسفي أحد أهم المصايد البحرية في المغرب، لكن ما يصدر عن المصنع وما يتم ترسيبه إلى البحر من النفايات الكيماوية، طرد كل السمك من هذه المدينة المباركة. في السابق كنت تقف في قاربك، تصطاد وترى اليابسة، أما اليوم فيجب عليك الإبحار بمسافات بعيدة داخل البحر، حتى تختفي المدينة عن أنظارنا من أجل اصطياد بعض الأسماك وبيعها. الأمر صعب بقارب صغير مثل الذي أملكه أنا وصديقي."

تشير المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي لمكتب الشريف للفوسفاط إلى قيامهم بعدد من الإجراءات لتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكبريت بنسبة 98٪

لم أتمكن من الحديث إلى المسؤولين في مكتب الفوسفات، ولكن تشير المعلومات المنشورة على موقعهم الرسمي إلى قيامهم بعدد من الإجراءات لتخفيض الانبعاثات السامة. "عمل المكتب الشريف للفوسفاط على خلق نظام "سولفاسيد" من أجل تخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكبريت بنسبة 98٪ وتخفيض قيم انبعاث الغازات من 600 جزء من المليون إلى أقل من 15 جزء من المليون وذلك من أجل تقليل الأضرار البيئية وكذلك على السكان. وشرع المكتب في استخدام هذا النظام على مستوى خط الإنتاج بمنطقة الجرف الأصفر، وينوي استخدامها في خمس خطوط إنتاج أخرى، بما فيها في آسفي." ويشير التقرير إلى أن بناء هذا النظام بدأ فعلاً بمدينة آسفي، إلا أنه في الثالث من سبتمبر اندلع حريق كبير في ورش إنجاز هذا المشروع، تسبب بتوقفه.

قبل العودة إلى الديار، اتصلت برضوان، شكرته على تعاونه من أجل إتمام الموضوع وأخبرته بأني سأغادر المدينة، أجابني بنبرة حزينة: "محظوظ أنت ستغادر إلى منزلك بعيداً عن كل هذا الهواء الملوث، لكن لا عليك يوماً ما سأغادر أنا كذلك هذه المدينة، إما إلى مكان آخر لأبحث فيه عن مستقبل أفضل، أو إلى القبر وأنا أناضل من أجل إنقاذ هذه المدينة من التلوث الذي يدمرها."