صدر قرار رسمي يسمح للسيدات السعوديات بالعمل في متاجر بيع البضائع والمستلزمات النسائية عام 2011، وذلك كخطوة لدعم عمل المرأة ومساهمتها في التنمية الاقتصادية مما سمح بحضور النساء في مشهد عام لطالما طغى عليه الذكور. ففي كل المتاجر التي تبيع بضائع نسائية، سواء كانت ملابس، عطور أو مكياج، صار هناك بائعات ومحاسبات ومساعدات.
لم يُفتَح باب فرص العمل أمام النساء في مجال المبيعات على مصراعيه، فهناك العديد من التحديات التي تواجه العاملات السعوديات فيما يتعلق بسوق العمل والأجور والتعامل مع الزبائن وسهولة التنقّل. "من الصعب التوفيق بين مسؤوليات العمل ومسؤوليات الأمومة والزوجية،" تقول بائعة تعمل في متجر لبيع الملابس الداخلية التي فضلت عدم ذكر اسمها وبدا عليها الإرهاق: "لا أنام أكثر من ثلاث ساعات في اليوم."
أما بالنسبة لـ ن.ح (28 عاماً) والتي تحمل بكالوريوس في إدارة الأعمال، والتي كانت تعمل في مجال المبيعات في محل لبيع العطور فقد كان التحدّي الأكبر لها هو إقناع والدها بالتوقيع على ورقة موافقة وليّ الأمر التي كانت مطلوبة من كل موظّفة، قبل التعديلات التي أُعلِنَ عنها مؤخراً على نظام الولاية. وحين وافق والدها على مضض، أصبحت طبيعة العمل بفترتيه الصباحية والمسائية تُشكِّل الصعوبة الأكبر، خصوصاً أنّها احتاجت إلى تدبير مواصلاتها في الذهاب والعودة مرتين في اليوم. وتضيف: "كنتُ أذهب في الفترة الصباحية بالرغم من عدم وجود زبائن. كان يُطلَب منّا تنظيف الواجهات الخاصة بالمحل حتى لو كانت نظيفة." وتشير ن.ح إلى إنّ مهام البائعة تتضمّن فرز وترتيب وتسعير وجرد البضائع، واقتراح وعرض المنتجات، ومساعدة الزبائن في إيجاد المقاسات المناسبة، إضافة إلى إنهاء عمليات البيع والشراء. كل ذلك مقابل الحد الأدنى من الأجور المفروض من قبل وزارة العمل وهو ثلاثة آلاف ريال سعودي (800 دولار أميركي تقريباً)، إضافةً إلى التأمين الطبي المُلزم لأصحاب العمل.
أي مكالمة من الهيئة لوالدي كفيلة بهدم الثقة التي بنيتها بيننا بصعوبة من أجل السماح لي بالعمل كبائعة، فكيف لو قالوا شيئاً عن حجابي؟ قد يصاب والدي بسكتة قلبيّة لو سمع شيئاً كهذا
أثناء تجوّلنا في أحد الأسواق التجارية قابلنا أحد المسؤولين الفنيين في فرع أحد المعارض العالمية الكبرى، فشكى لنا من مسألة الإفلات من العقاب بدعوى الخصوصية، واستغلال بعض البائعات لكونهنّ إناث، للتملّص من الواجبات المهنية. حين سألنا أحمد، وهو إداري فني بأحد المعارض، عن رأيه بعمل السيدات، فأبدى استياءه من أدائهنَّ، قائلاً أنّهنّ لا يتحمّلن المسؤولية، مُشيراً إلى الانخفاض في مستوى المبيعات من بعد عملهنّ في المحلّات بدل الرجال. يؤكد أحمد أن البائعات يستغللن واقع احتياجهن لسائقين لتبرير تأخرهنّ وعدم التزامهنّ بمواعيد العمل أو تكرار الغياب. وحين ذكرناه بأنّ البائعات اكتسبن خبرة وثقة أكبر الآن، مقارنة بما كان عليه الحال من ارتباك في بداية قرار تأنيث مهنة البيع، أصرّ على رأيه قائلاً: "لا يمكن الاعتماد عليهنّ."
خلف واجهات المحلّات
إلى جانب الانتقادات وصعوبات الحصول على عمل، وتأمين المواصلات إليه، والموازنة بينه وبين المسؤوليات العائلية، تعاني البائعات من مصاعب العمل اليوميّة بحدّ ذاتها. تحكي لنا ن.ح عن تجربتها السيئة مع مديرة المعرض التي كانت تأمرها بارتداء النقاب أثناء الدوام. وحين قالت للمديرة بأنّها لا ترتدي النقاب، وتعتبر ذلك حرية شخصية، ذكّرتها بأنّ عقد العمل يتضمّن تعهّداً بالالتزام بالحجاب الإسلامي. وحين أصرّت ن.ح على عدم لبسه مع تأكيدها على التزامها بلبس العباءة - وهي الزيّ النسائي الرسمي في السعودية - وتغطية شعرها كاملاً، هدّدتها المديرة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قالت إنهم يتفقّدون مدى التزام البائعات بالنقاب من وقت لآخر.
هكذا، اشترت النقاب ووضعته في جيب عبائتها لتلبسه في حال مرور أعضاء الهيئة، خوفاً من تضييع فرصة العمل الوحيدة التي نالتها بالرغم من مؤهّلها الجامعي، تقول ن.ح: "لو مرّ أحد أعضاء الهيئة ولم تعجبه طريقة حجابي سيتصلّ بوليّ أمري. أي مكالمة من الهيئة لوالدي كفيلة بهدم الثقة التي بنيتها بيننا بصعوبة من أجل السماح لي بالعمل في السوق، فكيف لو قالوا شيئاً عن حجابي؟ قد يصاب والدي بسكتة قلبيّة لو سمع شيئاً كهذا." لم يقتصر الأمر على والدها، إذ تتحدث ن.ح عن الاستهجان الذي كانت تراه في أعين الناس في كلّ مرة تخبرهم عن عملها في السوق. وبالرغم من استيائها من تلك النظرة التي تراها "محدودة" إلا أنها كانت تتفهّمها، نظراً لملاحظتها تصرّفات بعض البائعات اللواتي يأتينَ من عائلات مُتزمِّتة جداً، وتجدن في عملهّن المتنفّس الوحيد والملجأ الأخير للخروج من البيت والانفكاك من تحكّم الأهل، ولو إلى حين. لهذا تردّدت بائعات كثيرات من اللواتي تحدثنا معهنّ في الإفصاح عن أسمائهنّ، كما أحجم بعضهن عن الحديث خوفاً من أهاليهنّ وخسارة وظائفهنّ. فصحيح أنّ بعضهنّ لا يعملن من أجل الحاجة الماديّة بل لتحقيق الاستقلاليّة، إلا أن الكثيرات يعتمدنَ على عملهنّ في المبيعات للصرف على عائلاتهنّ.
تنافس شرس ومديرات قاسيات
في مجتمع لازال يعتمد سياسة الفصل بين الجنسين في قطاع التعليم والكثير من المهن، تواجه البائعات السعوديات تحديّات تتعلّق بطبيعة المجتمع السعودي المحافظ وبالقوانين المفروضة عليهنّ كإناث. يضاف إلى ذلك هواجس أخرى، ناتجة عن المنافسة الشرسة، وعن قسوة بعض المديرات، ورغبتهنّ بالسيطرة، بحسب ن.ح التي أصيبت بمشكلة صحيّة في ظهرها، لأن مديرتها كانت تجبرها على البقاء واقفةً طيلة الدوام. حتى يوم العطلة الأسبوعية الوحيد لم يكن كافياً لتشفى من الإرهاق المتراكم. مع ذلك، تحمَّلت الوضع واجتهدت في العمل لتحقِّق أعلى نسبة مبيعات في الفرع لأسابيع متتالية. لكنها لم تتحمل الظلم الذي وقع عليها حين امتنعوا عن دفع عمولتها المُستحقَّة على المبيعات التي حققَّتها.
هذه البيئة التي وصفتها ن.ح بأنها "رأسمالية بحتة" ولا تهدف سوى للكسب السريع حتى وإن كان ذلك على حساب صحة وإنسانيّة العاملات، هي ما جعلها تترك مجال المبيعات. تعمل الآن في مستشفى وهي مُسجَّلة رسمياً كعاملة أمن، بالرغم من عملها سكرتيرة في قسم السجلّات الطبية. هي تعلم أن الراتب الذي تتقاضاه وهو بمقدار الحد الأدنى المقرّر، غير منصف بالنظر إلى مؤهلاتها وخبراتها، إلا أن الخيار البديل لم يظهر بعد في الأفق. وما يزيد محدودية الخيارات، الأوضاع الاقتصادية وتفاقم البطالة التي بلغت نسبتها لدى النساء في السعودية العام الماضي 34 بالمئة، بالمقارنة مع نسبة البطالة عموماً التي سجلت 12 بالمئة، بحسب بيانات رسمية استندت إليها مؤسسة "جدوى للاستثمار."
في مجتمع لازال يعتمد سياسة الفصل بين الجنسين في قطاع التعليم والكثير من الأوساط العملية، لا شك أن البائعات السعوديات تُواجهنَ الكثير من التحديّات التي تتعلّق بطبيعة المجتمع السعودي المُحافظ وبالقوانين المفروضة عليهنَ كإناث. لكن التحديّات الأكبر التي تُواجهنَها تلك البائعات تتعلّق بطبيعة العمل ذاته، والتي قد لا تختلف عن التحديّات التي تواجهها نساء أخريات في أي بقعة من العالم.
جانب مشرق
ولكن لا يخلو الأمر من إيجابيات كثيرة للنساء العاملات أنفسهن وللزبائن. فعمل السعوديات في محلات الألبسة والملابس الداخلية أتاح لهن ممارسة دور المستشارات الفنيات للزبونات اللاتي قد يستصعبن وصف طلباتهن واكتشاف أذواقهن وتحديد اختياراتهنَ مع البائعين الذكور. "نحن نتلّقى تدريبا ممتازا ولسنَ أقل كفاءة من زملائنا الذكور. بل إن الزبونات لا يستطعنَ التحدّث بذات الأريحية ولا التصرّف بشكل طبيعي أمام البائعين من الرجال، خاصة في محلّات الملابس الداخلية،" تقول عواطف ن. الثلاثينية عن تجربتها في العمل في مجال المبيعات. أكدَّتْ لنا عواطف أنها تكسب الكثير من الزبونات بسبب ثقتهنَ بها وباقتراحاتها التي تستوعب احتياجاتهنَ الأنثوية. وأثناء حديثنا معها، جاءتها إحدى زبوناتها قائلة: "لقد لفَفتُ بكل المحلات لكني عدتُ إليكِ مرة أخرى."