موسيقى

مغنية الجاز السورية لين أديب تتحدث عن الغناء الديني والجمع بين الفن والصيدلة

اسمى صباحًا "الدكتور لين" وفي الليل "لين، مغنية الجاز".. سكيزوفرينيا!
17.12.18
Screen Shot 2018-11-20 at 1
لين أديب 

"الموسيقى كالصيدلة، كلاهما علاج للروح والبدن. هكذا قالت الفنانة السورية لين أديب، (32 سنة) عندما سألتها عن العلاقة بين عملها بالصيدلة وغنائها للجاز، على هامش مشاركتها في الدورة العاشرة لمهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الجاز وغنائها في مصر لأول مرة.

تحتفل أديب باطلاق أول ألبوماتها "يُمَا أو YOUMMA" والذي يُعد بمثابة نتاج رحلتها الشخصية خلال السنوات الماضية، تتقاطع فيه معاناتها على المستوى الخاص والعام، حيث حربها الشخصية في باريس ضد مرض الزوج، ثم رحيله، وحرب البُعد عن الوطن ومتابعة انهياره عبر الشاشات. تحدثنا مع الفنانة السورية عن مشروعها الموسيقي، وغنائها لأول مرة فى مصر، التحديات والنجاحات، وجمعها بين الغناء والصيدلة.

إعلان

VICE عربية: بداية، ما هو انطباعك عن الغناء لأول مرة في مصر ولماذا تأخرت هذه الخطوة؟
لين أديب: تجربة "حُلوة" ردود فعل الجمهور كانت إيجابية وغير متوقعه، جمهور "سَمّيع" لديه فضول وشغف لسماع نمط موسيقي مختلف كالذي أقدمه، هذا المزج بين الموسيقى الحديثة والتراثية، ليس من السهل أن تستوعبه الأذن العربية. دائمًا ما أهرب من صورة المغنية الجميلة التي تقف على المسرح، ولكن غنائي يعتمد على تحويل حنجرتي لآلة موسيقية أكثر منها صوت لمطربة تُغنى. لذلك كنت متخوفة من الغناء في الوطن العربي وتقديم نمط فني ربما يكون غير مقبول موسيقيًا، وكانت المرة الأولى التي أغني فيها عربيًا بعد عشرات الحفلات بأوروبا وباريس، في بيروت خلال مهرجان "بيروت آند باوند" عام 2017، إلا أني فوجئت بتفاعل كبير مثل ذلك وجدته في مصر هذه المرة.

متى بدأت علاقتك بالموسيقى؟
في الخامسة من عمري، كأحد أعضاء كورال جوقة الفرح التابع لكنيسة "سيدة دمشق" وكان مسؤول الكورال "خوري" نشيط ومتفتح جدًا، ساعدنا على تقديم العديد من الأنشطة الموسيقية والغنائية بل تعاونا مع كورالات إسلامية وتابعة لديانات مختلفة. ونشأت في الكورال حتى صار عمري 23 عاماً، أصبحت مغنية صولو تؤدي فردي، "وهونيك بلشت أقول أحب هالشيء، حَبيت الوقفة على المسرح، بحس حالي إني بعمل عن جد تواصل مع غيري على المسرح، الغناء يمنحني اتحاد كبير مع العالم، وقدرة على التواصل روحيًا معهم، وهذا شىء يعني لي الكثير، ثم التحقت بالمعهد الوطني بدمشق لدراسة آلة الفلوت، بجانب دراستي للصيدلة.

من الغناء الديني لموسيقى الجاز.. كيف؟
شهدت فترة دراستي بالمعهد العديد من الأنشطة الموسيقية مع أصدقائي العازفين، لم تكن لها علاقة بالجاز بل كانت تميل أكثر للروك بروجريسف، ثم اكتشفت عالم الجاز، عندما أصبح لدينا دمشق بيج باند، وأتى للعاصمة موسيقيين جاز عالميين يُقدموا حفلاتهم من خلال مهرجانات الجاز بقلعة دمشق. من وقتها، فُتنت بهذا اللون الموسيقي، وقررت السفر لباريس عام 2009 لدراسة أعمق لغناء الجاز بالمعهد الموسيقى في باريس - CRR de Paris، بجانب استكمال دراستي العليا بالصيدلة، والحصول على الماجستير في التشخيص المخبري.

1542706159010-by-marwa-tahan

نسمع معكِ موشح ياذا القوام السمهري، وصلاة يامريم البِكرُ، وأدوار تراثية وترتيل بيزنطي ومؤلفات موسيقية للجاز.. كيف تصنعين هذا التآلف بين ألوان مختلفة؟
"ها الميكس هو الماضي تَبعي" في النهاية جِئت من بلد تزخر بتراث عريق "بِدنا نشتغل عليه"، ويجري في دمي مقامات الموسيقى الشرقية والموشحات والأدوار، أما الترتيل البيزنطي هو أكثر شيء في العالم "بحس فيه أنا" ينقلني لعالم آخر ساحر وبديع.

ماهو الترتيل البيزنطي، وكيف يتحول نمط موسيقي ديني إلى غناء جماهيري خارج جدران الكنيسة؟
هو تسبيح ديني، يُغنَىَ عادة باللغتين اللاتيني واليوناني وليس دائمًا بالعربية، ينتشر لدى طائفة الأرثودذكس المسيحية باليونان، روسيا والشرق. وهو عبارة عن لحن مُغنى يُؤدى مع شىء يسمى "آيسون" وهي أصوات رجالية تُغني في background يصاحبها ألحان متكررة طوال الوقت تتضمن نقلات موسيقية، كل قطعة فيها تنقلك عند سماعها لعالم آخر روحاني. بصفة عامة، الترتيل مهم جداً في حياتي، حتى عند سماعي صوت مؤذن عذب، يقشعر بدني كثيرًا، وعندما أقُدم صلوات وتراتيل في حفلاتي بباريس، يحدث تفاعل كبير من الجمهور معي أكثر من وقت تقديم أغاني الجاز، فالتراتيل تُمثل لهم اكتشاف غريب ومختلف لما يحمله من بساطة شديدة وروحانية.

إعلان

على هامش مشاركتك بمهرجان بيروت ثم القاهرة للجاز، إلى أي مدى أصبح لهذا النمط الموسيقي جمهور في عالمنا العربي؟
ألاحظ انتشاره بقوة في السنوات الأخيرة، نشأة الجاز كموسيقى كانت دعوة للتمرد والاستقلال، على أيدي الأمريكيين من أصل أفريقي، لذا كان ومازال يمثل لون موسيقى يُشبع تطلعات كثير من الشباب في العالم العربي الباحث عن الحرية، والذي وجد ضالته في موسيقى الجاز. وبلا شك أنه عالم ساحر لأي فنان، وماجذبني له هو فكرة الارتجال الذي تمنحني فرصة تقديم الأغنية بشكل مختلف كل مرة صعدت فيها على المسرح ، فهو جرعة متجددة من الشغف والحماس.

ولكن رغم هذا السحر، لم تغادري عالم الصيدلة نهائيًا حتى بعد نجاح تأسيسك "رباعي الجاز"؟
"بأمانة أنا حاجة مادية للعمل بالصيدلة، حتى أعيش" ومع ذلك عملي بالتشخيص المخبري يُساعدني موسيقيًا، فهو تخصص له علاقة بالإنسان وبمشكلاته، ومن ثم أقترب بقوة من واقع الناس وحياتهم، وأنا سعيدة بهذا المزيج. ولكن رغم ذلك "مانو سهل أبدًا أنه حدا يكرره، ولا أنصح بذلك، لأنه ذهنيًا بضيعي وبتفوتي بالحيط!" صباحًا اسمي الدكتور لين وفي الليل مغنية، ما ظابطة، سكيزوفرينيا (تضحك).

كيف أثر انتمائك لعائلة موسيقية في دعم مشروعك الفني؟
لست من عائلة موسيقية، هذه معلومة خاطئة نُسبت لتصريحاتي، أبي طيار حربي وأمي مهندسة عمارة وكانت تُرتل وهي صغيرة بالكنيسة، ولكن أنا الشخص الوحيد الذي اتجه لعالم الموسيقى في البيت، وهو ماكبدني معاناة ونِضال أكثر لمواجهة رفضهم ومخاوفهم من دخولي عالم الفن، فهم يُفضلوا نشاطي الموسيقى الديني داخل الكنيسة. "ولهلا موضوع غنائي مانو كتير مستوعب من عائلتي، خاصة أن نوع الموسيقى التي أقدمها ما كتير بيعرفوه، ولكن بحاول إقناعهم بأن ما أقدمه ليس موسيقى تجارية ولكن لها احترامها."

إعلان

مازال يواجه الفنان خاصة لو كان امرأة تحديات اجتماعية كبيرة في الوطن العربي، ما السبب في رأيك؟
لعدة أسباب؛ العمل بالموسيقى لايُحقق استقرار مادي للفنان، والأهم أن صورة الغناء عن الرجل أو المرأة وخاصة النساء مثل الرقص الشرقي، هذا العرض للذات على المسرح لا يُلائم التحفظات العربية والسياج الذي تفرضه على المرأة من عادات وتقاليد، ولا انُكر تأثٌري بهذا المناخ. أحاول أن أجعل من صوتي آلة موسيقية أكثر منه شخص يُغني عن طريق الـ Scat أو استخدام الصوت البشري لتقليد الآلات الموسيقية. "مابحب أكون المغنية الحلوة التي تقف على المسرح."

ولكن هذا لا يلائم المستمع العربي الذي يُفضل قالب الغناء أكثر من الموسيقى البحتة؟
أؤيدك، وهو ما نراه فعلاً، فالأكثر انتشارًا جماهيريًا هى موسيقى المينستريم أو البوب، ولكن تحقيق التوازن يعتمد على ذكاء الفنان وطبيعته، بأن يُقدم ما يحبه المستمعين من أغاني وأنماط موسيقية مفضلة، وأن يُقدم أيضًا تجربته ورؤيته الموسيقية، ولكن دون الابتعاد عن هويته ومن المؤكد ألا يبيع نفسه من أجل الشهرة والانتشار.

وماذا عن تصريحك بأن مشروعك الموسيقي نخبوي هل المقصود به أنه للمثقفين فقط؟
لم أقصد أن يكون للمثقفين، ولكن أعلم جيدًا أن عدم اعتمادي على الغناء كوسيلة رئيسية في مشروعي الفني واستبدالها فى بعض الأغاني بطريقة Scat قد تكون غير مقبولة لدى بعض المستمعين في الوطن العربي، فمثًلا أخي يتفاعل معي جدًا عند غنائي للأدوار والموشحات والصلوات، ولكن عندما اُغني ب Scat يسألني " شو هذا"؟!.. (تضحك).

حدثينا عن ملامح ألبومك الأول يُمَا أو YOUMMA؟
يُمَا هو رحلتي الشخصية، ذلك الطريق الذي بدأته بما صار فيه من أفكار وتجارب وصعوبات، تبلورت جميعُها حتى خرجت في الألبوم، يضم 11 قطعة jazz standard منها؛ أغاني عربية، صلاة دينية، مؤلفات موسيقية بحتة، جميع كلمات الألبوم من كتابتي وألحاني، ماعدا صلاة يا مريم البِكرُ، تم تسجيل الألبوم في باريس بالتعاون مع أعضاء رباعي الجاز: عازف البيانو/ فادي فرح، عازف الكونترباص/ Maurizio وعازف الدرامز/ Lukmil.

لماذا الاسم يُمَا؟
"يُمَا" تعني الأم باللهجة البدوية، وبشكل عام "بحس حالي مخلوقة في حياة أخرى، امرأة بدوية" "يُما" الألبوم هنا أشبه بمناجاه للأم التي يلجأ لها ابن في محنة. "يُمَا" هو نتاج محنة شخصية؛ خسرت فيها زوجي وفي الوقت نفسه بلدي سوريا كانت تنهار، فترة صعبة جدًا من حياتي، كان كل شىء ينهار حولي، لا زوج ولا عندي موطىء قدم بوطن يئن تحت الحرب، وخرج الألبوم من رحم هذه المعاناة كمحاولة للاحتفال بالحزن تحويل خسارة الأشخاص لشىء إيجابي. (تَغير صوت لين أثناء حديثها عن زوجها الراحل وانطفأ ذلك الحماس والانطلاق الذي امتلأ به منذ بداية الحوار، تصمت لحظات ثم تدندن بكلمات الأغنية: محبوبي راح يايُمَا، ياربي صليت وديله سلامي، صلى له، ُيَما ياترى وصل حبيبي فوق، يا يُمَا لما تيجي بكرة نصلى له ، راح ، راح).

إعلان

ماهى أبرز مؤلفات الألبوم؟
(تعود لتبتسم) أغنية "تيتي" وهي أشبه بتنويمه لتدليل إبنتي الصغيرة سارة (3 أعوام) قبل النوم، أما أغنية شونا أو sona فتعني بالهندي الذهب، وهي أيضًا لابنتي وشعرها الأشقر الذهبي.

ما هي التحديات التي واجهتك في إصدار ألبومك الأول؟
(تضحك) أنني أنفقت كل ما في جيوبي لإنتاج "يُمَا" والتمويل هو أبرز التحديات التي تواجه المُوسيقي المستقل، ولكني اخترت الطريق السهل والصعب معًا، كان هدفي فقط خروج الألبوم للنور، لأنني مررت بظروف شخصية آنذاك، لم أستطع معها مواجهة فكرة الرفض لأي شيء، ومنها التمويل الذي قد ترفضه الجهات الثقافية، ولكن مشروعي القادم لن يكون إطلاقًا تمويل ذاتي.

كيف نجحت كامرأة في قيادة مجموعة موسيقية للجاز "رباعي جاز لين"؟
من المهم أن يكون للمرأة دور في هذا العالم الموسيقي الذي يُسيطر عليه الرجال، و"لكن الموضوع مانو سهل، لإنه أحيانًا بتعامل مع موسيقيين أقوى مني موسيقيًا" وفي بعض المواقف يصرخوا "إيه اللى بتعمليه يالين" (تضحك). ولكن في النهاية تجربة قيادتي للرباعي ملهمة، وأنا فخورة جدًا بها، بتعلم من أصدقائى العازفين بشكل مستمر، وينصتوا لرأيي، ومتفائلة، لأنه يوميًا حصيلتي الموسيقية تزداد وهو المطلوب لأي مجال.

شاركت عازف الساكسفون السوري باسل رجوب بأغنية "حمام" في مشروع سوريانا عام 2016.. حدثينا عن هذا التعاون؟
كانت تجربة هامة موسيقيًا وإنسانيًا، سعيدة بكوني شاركت بالأغنية كجزء من ألبوم "ملكة الفيروز" وأنقذني باسل جدًا بهذا التعاون، في تجاوز محنتي الشخصية، بالتجوال في حفلات عديدة بالألبوم في أوروبا. وحققت الأغنية إعجاب جماهيري كبير، رغم أن كتابتي لها كان قبل تفاقم الحرب بسوريا، وكانت مكتوبة لفيلم فرنسي قصير عن الحَمام، ولكن توقف المشروع حتى خرجت للنور بالتعاون مع باسل.

بعد ثورات الربيع العربي، تأثر الفن والغناء بهذا المناخ السياسي، ما تقييمك لهذه التجارب؟
لا أفضل الفن السياسي، السياسة تمثل لي مسرحية، نبذل جهدًا في شيء لن يتغير. ربما رأيي خطأ، ولكن أيضًا الفن رسالة وتوعية، ولا ينبغي أن يتحدث فقط عن الحياة والحب ولكن السياسة كجزء من حياتنا، ومن حق الفنان أن يعبر عن واقعه السياسي، ولكن عليه أن يحكي بطريقة ذكية وإنسانية وليست مباشرة، أما أنا لا اقدم هذه النوعية من الأعمال.

كيف أثرت الحرب في سوريا على اختياراتك بالموسيقى والحياة؟
عِشت حرب من نوع آخر في فرنسا، كانت شخصية، مرض زوجي ورحيله، ما عشت الحرب بسوريا، ولكن عشت حرب البعد عن الوطن، حرب إنك تشوفيها على الشاشات وما تعرفي عنها شيء، حرب إنك تفقدي حَدا من عيلتك، كل ها دول الحروب الذاتية خلقت شىء اسمه "يُمَا" هذه المعاناة الشخصية والعامة حَبيت تحويلها لشيء إيجابي وهو "الألبوم."

هل يمكن أن تحتفلي بإطلاق البومك الأول بالغناء في دمشق؟
(سريعًا ترد) بخَاف. أظن أن الغناء في سوريا صعب جدًا على المستوى العائلي، ما بقدر أعمله، لأنى جربت مؤخرًا في سفرة حديثة بحفلة صغيرة، وأهلي جنَوا مانبسَطوا، مازال في مقاومة من قبل عائلتي، لن يوافقوا إلا إذا كان الغناء في إطار ديني أو أكاديمي، أما لحالي اروح أغني بحفلات، فقدت الأمل نهائيًا (تضحك).

أخيرًا، لو كان هناك توقيع بإهداء على ألبومك الأول.. ماذا تكتُبين؟
(تفكر) سأكُتب: "هذا الألبوم لكل مين عانى ومانو قدران يعمل شيء من المعاناة تبعه، هلا، بس أقدر أقوله تقدر تعمل شي من معاناتك وتخلق إشى إيجابي لحياتك."