حلويات

كيف جلبت هذه العائلة السورية صناعتهم العريقة للشوكولاتة إلى تكساس؟

زيارة سوريا دون تناول الحلويات التقليدية يمكن اعتباره جريمة
2018 ديسمبر 05, 11:44am
سوريا

جميع الصور من الكاتب

اصطفت قافلة من سيارات بورش، وفيراري، ولامبورجيني في ساحة تسوق صغيرة قبالة طريق "ويستهايمر" في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية. وفي الوقت الذي بدأت فيه الشمس بالغروب، وصل الحفل إلى ساحة انتظار السيارات، حيث كان الراقصون يقدمون رقصات بالسيف مصمّمة للجمهور. حضر أكثر من 300 شخص من جميع أنحاء الولاية، بالإضافة زوار من مدن نائية من ولايات كاليفورنيا ونيويورك وأوكلاهوما، جميعهم جاءوا لسبب واحد: الشوكولاتة.

في حين أن كل هذه الضجة قد تبدو وكأنها مُبالغة بالنسبة لمحل حلويات، فإن إعادة الافتتاح الضخم لمحل ChocolatZeina (شوكولا زينة) كانت تتويجًا لسنوات من "النضال" استدعت هذا الاحتفال الصاخب. تعود أصول هذا المحل وشهرته إلى العاصمة السورية دمشق، حيث عمل بشار سليق كصانع للشوكولاتة هناك منذ عقود. في عام 2014، عندما كانت الولايات المتحدة تقصف الرقة وكان نظام بشار الأسد يجند جميع الرجال فوق سن 18 عاماً للقتال في الجيش السوري، وأدت محاولات التهرب من الخدمة العسكرية إلى التجنيد القسري أو السجن، وخوفًا مما قد يحدث، استقل بشار رحلة في اتجاه واحد إلى الولايات المتحدة مع ابنه محمد وزوجته رائدة، طالبين اللجوء.

يتذكر محمد، الذي يبلغ من العمر الآن 26 عاماً، هذه الأحداث قائلا: "تم تجنيد الكثير من أصدقائي، أنا الصبي الوحيد في عائلتي؛ لذا أراد والداي الهرب. اختار والديّ الاستقرار في هيوستن، حيث يعيش بعض الأصدقاء والأقارب هنا. لقد جئنا لحياة آمنة وجديدة، فالشيء الوحيد الذي نعرفه هو صنع الشوكولاتة."

منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 ، كانت التغطية الإعلامية للبلاد تقدم صورة قاتمة عن الحرب ومحنة أكثر من 4.8 مليون نازح يبحثون عن ملاذ. الحرب نجحت بطريقة ما في طمس كل ما جاء قبلها، لهذا كان من السهل أن ننسى كل العناوين البارزة التي كانت تصف جمال دمشق، من الشوارع القديمة التي يعود عمرها إلى 2.500 سنة، وأسواقها المليئة ببتلات الورود العطرة، والجوز الأسود، والمشمش، وثمر البرسيمون، والتين، والتفاح الذي كان حجمه بحجم قبضة يد طفل.

من بين العديد من الأشياء التي فُقدت أو اختفت، كان تاريخ الحلويات العريق والذي يمثل مصدر فخر في دمشق. بالعودة إلى عام 2005، كتبت صحيفة نيويورك تايمز: "الحلويات الدمشقية التقليدية لا مثيل لها، وزيارة البلد دون تناولها يمكن اعتباره جريمة." لقد بلغ إجمالي صادرات الدولة من الحلويات في عام 2010 أكثر من 60 مليون دولار، وخلال الشهور التي تسبق رمضان، تستهلك الأسر السورية العادية 13 رطلاً من الحلويات مثل الكنافة والبقلاوة.

1543921095607-

في السنوات الماضية، واصل عدد من رواد الحلويات السوريين أعمالهم في المهجر في مختلف أنحاء العالم، فقد أسس عصام هدهد مشروع "شوكولاته من أجل السلام" في نوفا سكوتيا، ونقل صانع الشيكولاتة الراحل بسام غراوي، أعماله التجارية إلى بودابست. أما سليق فقد سعى لنقل هذا التقليد الى تكساس. تعمل العائلة في مجال الشيكولاتة منذ 1892، عندما بدأ نسيب سليق أولاً في صناعة الكاكاو الخام، وبعدها قام شقيقه الأصغر جودت بفتح مصنع شوكولاتة سليق في عام 1918، حيث توسعت الشركة العائلية بشكل مُطرد.

تحت إدارة أبناء جودت الأربعة، نمت الشركة لتشمل سبعة فروع في سوريا وفرعين آخرين في الأردن. ويشتهر مصنعهم المكوّن من طابقين بتشكيلات الحلويات الراقية التي تتنوع بين الشوكولاتة الكمأة الداكنة "التروفل" والمليئة بعجينة الفستق الزمردية إلى الشكولاتة المغموسة في "تمر المجدول" المحشو باللوز المحمص.

كان بشار يبلغ من العمر سبع سنوات فقط عندما بدأ في تعلم التجارة من والده، وهو يحفظ العديد من وصفات العائلة عن ظهر قلب، على الرغم من أنه أضاف القليل من إبداعاته الخاصة على مر السنين، مثل رش بقايا الشيكولاتة على المَلبّن التركي التقليدي الذي يُقدم مع الجبن المُحلى والسكر المطحون. محمد، الذي كان يدير أحد المتاجر بنفسه عندما كان في سن الـ15، يتذكر العملاء الذين يأتون خصيصًا للحصول على الطعم الرائع للشيكولاتة، والذي كان من الصعب شحنه إليهم.

اليوم، لا تزال شوكولاتة سليق موجودة في سوريا، لكن التجارة والعمل صعب هناك. يقول محمد: "لا يزال إخوة أبي هناك، لكن أطفالهم خارج المدينة، لم يبق سوى كبار السن،" ويضيف: "لا يمكنهم ترك سوريا لأنه ليس لدى الجميع فيزا لمغادرة البلاد." في الآونة الأخيرة، تحسنت الأمور بدرجة كافية بحيث تمكن أشقاء بشار من إعادة فتح مصنعهم الذي ينتج العديد من الحلويات التي تباع هنا في الولايات المتحدة.

لا أحد تقريبا يدخل "ChocolatZeina" في هيوستن دون أن يجرب شيئاً ما، وهي حقيقة اكتشفتها سريعاً عندما وجدت نفسي أشرب شوكولاتة داكنة مليئة بحبوب الإسبرسو. رائدة، تَصنع خليط من عجين الزلابية (crepe) يومياً، ويُصر محمد على أن أجرب واحدة، حيث يقوم بصب الشيكولاتة البيضاء والداكنة والحليب من النافورة المعروضة في مدخل المحل، ثم يقضي عدة دقائق في ترتيب تموجات هذا الخليط بعناية فائقة لتصبح مُعدّة بشكل مميز قبل تسليمها للعميل.

1543921131341-

تقول ماري، أمريكية من تكساس ترتدي نظارة ذات إطار وردي وعلى وجهها ابتسامة دافئة: "يجب أن يكون كل شيء مثاليًا معه،" بالاشارة الى محمد. تزوجت ماري مؤخرًا من محمد وهي فخورة بمساعدته في الأعمال العائلية. في وقت فراغها، تدرس ماري اللغة العربية ويأمل الزوجين أن يزورا لبنان قريباً، وربما سوريا، لكن الوضع لا يزال غير مستقر.

لا يزال مجتمع المهاجرين في هيوستن مصدرًا لدعم العائلة. تكاليف المعيشة المعقولة في المدينة والعدد الكبير من خيارات التوظيف جعلتها واحدة من مواقع إعادة توطين اللاجئين الرئيسية في الولايات المتحدة، ونتيجة لذلك، يوجد عدد كبير من المهاجرين السوريين هناك، علاوة على ترحيب سكان هيوستن بهم. العديد من زبائن محمد الدائمين هم من الطلاب العرب الذين يأتون بشكل يومي لاحتساء اللاتيه، والدخول إلى شبكة الأنترنت. يقول محمد "بالنسبة لهم نحن مثل ستاربكس."

من السهل أن تتخيل كيف يمكن للمرء أن يمضي أمسية داخل محل بديكورات بلون القهوة واللون التركوازي. تأتي ابنة أخ محمد وكذلك ابن أخيه بعد المدرسة لتقديم يد المساعدة له، ويمكنك أن تسمع خليط من الأصوات العربية والإنجليزية يملأ أرجاء المكان. المكان كله يمتلأ برائحة الكاكاو، والمشمش المُحلى، والمكسرات المُحلاة، وكلّ نوع من أنواع المَلبَن التركي، المرّ والحلو، وذكريات الوطن البعيد.

ظهر هذا المقال بالأصل على Munchies