رأي

قصة أختي جيسيكا مع العنصرية في لبنان

لا أزال أتذكر كل تلك العبارات العنصرية التي تم توجيها لي ولأختي "اختو لربيع بتشبه شوكولا راس العبد"
ربيع دمج
إعداد ربيع دمج
8.5.19
لبنان

الصور مقدمة من ربيع

عاشت نحو 50 سنة تتأمل بالحصول على ورقة كانت ستغيّر حياتها برمّتها، لم تتخطى أحلامها أكثر من إعتراف رسمي يقرّ أنها تعيش هنا. غالبًا ما كانت تردد على مسامعنا "لو أعادتوني في ذلك اليوم إلى موطني الأصلي لكنت أعيش اليوم بمكان أقلّ ظلمًا، ربما كنت سأكون وحيدة، لكن سأبقى وسط محيط أنتمي إليه ويشبهني." هذه هي قصة أختي جيسيكا، وقصة جيسيكا مع لبنان. سأشرح لكم التفاصيل.

كانت والدتي أماليا أبي صالح، نجمة مسرح وتلفزيون في لبنان (في فترة الستينات حتى التسعينات) وكان لديها مساعدة وصديقة من جامايكا، في العام 1969 أنجبت هذه السيدة طفلة ولكن تخلى الوالد عن مسؤوليته وقرر الإختفاء تماماً وفجأة. كانت الطفلة قد بلغت الـ3 سنوات حين قررت والدتها السفر إلى قبرص بحثًا عن الأب الشرعي للطفلة، التي تركتها عند والدتي في بيروت مؤقتًا. رحّبت والدتي بالفكرة وكذلك والدي، فقد تعلقّا بتلك الطفلة ولم يجدا أي مشكلة بالإهتمام بها ريثما تعود أمها. ولكن غيبة والدة جيسيكا طالت ولم يُعرف عن مصيرها أي شيء إلا بعد 9 أشهر. في تلك الفترة قرر والدي الزواج "خطيفة" بسبب اختلاف دينهما، قبل أن تردّهما أخبار من قبل القنصلية اللبنانية في قبرص عن العثور على جثة امرأة مجهولة المعالم بسبب تنفخ جثمانها وإلى جانبها حقيبتها تحتوي على الإقامة اللبنانية، لتفهم أمي بعد فترة أن والدة جيسيكا قد إنتحرت.

إعلان

بعد وصولها خبر وفاة الأم من قبل قنصلية جامايكا في لبنان، قررت والدتي قراراً غير حياتها وحياة جيسيكا، فقد قررت الاحتفاظ بالطفلة رافضة وضعها في الميتم. ذلك اليوم قررت أمي أن تصبح جيسيكا فرداً من العائلة، لم يكن من باب الشفقة، فهي قد تعلقت فعلاً بجسيكا وعاشت معها دور الأم واختارتها طفلة لها بدلاً من وضعها في ملجأ.

1556195965450-96eda383-ff2b-434b-9dfd-16419675dc9a-1-1-1

جيسيكا.

ولكن قرار والدتي بحماية جيسيكا من حياة الملاجئ لم يعف أختي من حياة مليئة بالعنصرية. كنا نسكن في العاصمة بيروت، والد يعمل مهندساً للديكور وأم ممثلة مسرح وتلفزيون. كانت الحياة تبدو جيدة وسعيدة، ولكن دائماً ما كانت جيسيكا تتعرض للرفض. عندما كنا نخرج أنا وهي وأخي إلى المطاعم والزيارات عند الأقارب والأصدقاء، وإلى السينما والمسابح، لم يكن يتم استقبالها بالترحيب الذي نلقاه نحن الصبيان.

إحدى صديقات والدتي، امتنعت عن زيارتنا حين حَملت، وكان مبررها "بخاف اذا شفت جيسيكا وقت الوحام بيجي ابني أسود

حاولت في سن الـ8 سنوات الحصول على جواب من أمي يقنع غليل طفل تطرح عليه الأسئلة المتعبة في المدرسة وفي المنطقة، سؤالي كان عن الفرق بيني وبين جيسيكا؟ لما يتحدثون عنها بهذه الطريقة؟ ولماذا كانت أمي تشعر بالغضب والحزن وأحياناً تجهش بالبكاء حين يصادفها موقف مع هذه الطفلة؟ لم أفهم الكثير في ذلك الوقت. عشت وإخوتي طفولة مقلقة تحت نيران الحرب اللبنانية الأهلية، كانت حرب طائفية بإمتياز، مجازر بإسم الدين ترتكب يومياً، ولسخرية القدر أن أتواجد ضمن عائلة مختلطة دينياً ليكون ذلك سبباً كافياً لتلك النظرات الحاقدة. كان هناك قسم يعتبر أن وجود أمي ضمن عائلة مسلمة أمر مريب، وقسم من الطائفة الأخرى رافض لزواج والدي من ممثلة مسيحية، وماذا عن الطفلة؟ كيف ستشرح لهم وجود طفلة من بلد آخر في بيتنا؟

حين أصبحت في عمر الـ12، أخبرتني أمي القصة كاملة، وقالت لي: "جيسيكا اختكم وهي متلكم تماماً وعندها نفس الحقوق." لم اتفاجأ بهذا الإعتراف صراحة، فمنذ أنّ تفتحت عيناي وأنا أشاهد تلك الفتاة الجميلة التي تَكبرنا (أنا وأخوتي) وهي تعيش معنا في المنزل وتنادي والداي بـ"ماما" و"بابا." ما تفاجأت به حقيقة هو أن تلك الطفلة التي كانوا يطلق عليها الناس "بنت العبدة لي عندكن" هي ليست أختي بمعنى البيولوجي، كنت أظن كما كانت أمي تخبرنا عندما نسألها عن إختلاف لون بشرتها. كانت تجيب أحياناً "جيسيكا ولدت في الليل" "أو شربت قهوة كتير لما حملها لهيك لون بشرتها غير." أذكر أنه يوم حملت أمي بشقيقي الأصغر زياد، كانت والدتي تحتسي كل صباح القهوة مع والدي فأسألها: "هل سيكون لي أخ أسمر مثل جيسيكا من القهوة؟"

1556195922346-894b77ef-dab6-4efc-a1cf-35efd9d91d75

حفلة عيد ميلادي الثاني مع جيسيكا وأخي (في الوسط) وأولاد الجيران.

في داخل المنزل، كنا نعيش سوياً حياة رائعة نخرج ونقيم الحفلات في منزلنا، جميع الأعياد والمناسبات الدينية، نبتاع سوياً ثياب العيد أو غيره، كنا في نظر عدد من أصحاب العقول النظيفة مضرباً مثل لمنزل نموذجي. ولكن تلك السعادة الداخلية أفسدها علينا مجتمع مريض في الخارج، حاول بعض أفراده إقتحام حياتنا فقط للإزعاج، أذكر كيف أن جارتنا كانت تصر على توبيخ جسيكا بوصفها "العبدة."

جارة أخرى تعتبر نفسها سيدة راقية متعلمة كانت تحب مظاهر الحياة وقشور المجتمع، علاقتها كانت جيدة مع أمي لكنها لم تبلع فكرة أن تكون جسيكا موجودة على مائدة السفرة حين تقوم بدعوة أمي، يومها خرجت الأخيرة من منزلها قائلة لها "هي قبلي على الطاولة." اعتذرت الجارة بعذر أكثر أقبح من ذنب حين بررت أن "الفتاة قد تحمل بعض الأمراض المعدية." أما إحدى صديقات والدتي، فقد إمتنعت عن زيارتنا حين حَملت، وكان مبررها "بخاف اذا شفت جيسيكا وقت الوحام بيجي إبني أسود" -ليس من الغريب إذن أن تأتي لبنان دائماً في المراتب الأولى في تصنيف الدول الأكثر عنصرية في العالم.

محبة والدتي الفائضة لجيسيكا حسمت الجدال وقطعت الشك باليقين بالنسبة لعدد كبير من من الشعب اللبناني، إذ أكّد هؤلاء بإن جيسيكا (كما كانوا يرددون ذلك على مسمعي كثيراً) هي إبنة لأمي من علاقة "بالحرام"

أمي بطبعها شخصية كوميدية، كانت تتقبل تلك التصرفات بسخرية مماثلة، لكن أحياناً تخرج عن طوعها حين تتعرض لمواقف تجعلها تثور وتغضب وتبكي، خاصة إذا حصلت أمام عيني جيسيكا، "ما حدا يقرب من جيسيكا،" كانت تقول دائماً. محبة والدتي الفائضة لجيسيكا حسمت الجدال وقطعت الشك باليقين بالنسبة لكثيرين، إذ أكّد هؤلاء بإن جيسيكا (كما كانوا يرددون ذلك على مسمعي كثيراً) هي إبنة لأمي من علاقة "بالحرام" بأنها كانت على علاقة مع رجل حملت منه، وأن والدي سَتر عليها وتزوجها. السيناريو الثالث كان من الجيران والمحيطين إذ يؤكدون بأن أمي إشترت جيسيكا من سيدة فقيرة كونها لا تنجب، بحكم ان والدتي كانت فتاة سمينة وطبعاً بحسب المعتقد الشعبي "التخينة ما فيها تحبل من وين وكيف بدا تخلف.. تخينة."

1556197052364-241734_img650x420_img650x420_crop

والدتي أماليا مع ميمي جمال

1556196357506-241731_img650x420_img650x420_crop

مع الممثل محمود مبسوط

بالنسبة لي كنت ولا أزال متعلّقاً بجسيكا، لا أذكر يوماً أني فضّلت أخوي الأكبر مني عليها، بالعكس تماماً فعلاقتي معهما عادية، ولكن محبتي لها أكبر، تعلّقي بها منذ طفولتي كانت تدخلني في حزن عميق ووحدة بسبب الإهانات التي كانت تتلقاها من الأخر بوجه خجول مكسور واضعة إصبعها في فمها كأنها تبحث عن كلمة للدفاع عن نفسها. حياة جيسيكا كانت جحيماً، أولاً لم يسمح لوالدي بتبنيها رسمياً، لأن الإسلام يمنع التبني، فلم يكن لجيسيكا أي أوراق رسمية. أتذكر حين أجابتني أمي حول سؤالي "لماذا لم تذهب جيسيكا مثلنا إلى المدرسة؟" فقد كنت أسمع الجيران والأقارب يقولون أن والدتي تريدها خادمة مجانية لها. ولكن هذا المجتمع المتناقض والعنصري هو السبب في خسارة هذه الطفلة أحلامها في التعلّيم.

1556196015878-me-1

أنا وجيسيكا.

حين كانت في سن الـ5 سنوات، حاولت والدتي إدخال جيسيكا إلى أهم المدارس في بيروت، ولكن كان الرفض يأتي دائماً من الإدارة المستنكرة لوجود "طفلة سوداء وبلا أوراق ثبوتية" وأنها "ستسبب الخوف لباقي الطلاب بسبب لونها." هذا الكلام الذي كانت تسمعه أمي بعد كل محاولة لتسجيلها في مدرسة إلى أن وجدت المدرسة التي قبلت إدخال جيسيكا، ولكن المشكلة كانت من أهل الطلاب كانوا يستغربون وجود جيسيكا بين أطفالهم، "خوفاً من أن تنقل عدوى مرض ما لأبنائهن" حسب قول الأمهات.

رغم أنها مولودة في لبنان وتدفع الضرائب وعاشت بين أهله ورغم تبني والداي لها لم تستطع هذه الفتاة إثبات أحقيتها كـ "لبنانية"

جاهدت الوالدة وناضلت كي تبقى طفلتها في المدرسة حتى تصل إلى مرحلة مقبولة من التعليم قبل أن تقرر جيسيكا نفسها عدم متابعة الدرس بسبب معاناتها الشديدة من الطلاب ونظرات العنصرية تجاهها. حاولت والدتي أيضاً تحصيل هوية لجيسيكا، لكن المحاكم الشرعية رفضت الموضوع بتاتاً بحكم أن التبني محرم إسلامياً، أما بالنسبة للقضاء اللبناني فكان يعتبر أن جيسيكا "لقيطة ولا يحق لها بأوراق ثبوتية." بالنهاية، وبعد سنوات من المحاولات لتظفر بورقة رسمية، استطاعت والدتي بحكم شهرتها في لبنان أن تخرج لها أوراقاً لجيسيكا تسهل لها التحرك، ورقة تثبت وجودها في الحياة كي تتزوج أو تدخل مستشفى وحين تموت يكون هناك مدفن يعترف بها، فالموت في لبنان طائفي أيضاً. بدأت جيسيكا العمل مع والدتي لـ "كومبارس" وكانت تدفع الضرائب للنقابة، ورغم أنها مولودة في لبنان وتدفع الضرائب وعاشت بين أهله ورغم تبني والداي لها لم تستطع هذه الفتاة إثبات أحقيتها كـ "لبنانية."

1556196165235-jessica-1

جيسيكا خلال مشاركتها في أحد المسرحيات.

لا أزال أذكر كل تلك العبارات المليئة بالعنصرية التي تم توجيها لي ولأختي: "اختو لربيع بتشبه شوكولا راس العبد"، "دخلك كيف بتاكلو من إيد هيدي العبدة لي عندكم ما بتفرقو؟" "ليك شعرا كيف متل السيفة تبع الجلي." أذكر تماماً كيف كانت ولا تزال جيسيكا تخشى ركوب التاكسي أو الباص بمفردها حتى لا يتم توقيفها وترحيلها إلى أين؟ فلا بلد ولا جواز سفر لها. أذكر كيف كان أهالي أصدقائي والجيران يطلبون من أمي إرسالها كي تساعدهم في الأعمال المنزلية مقابل فساتين عتيقة لبناتهن. كانت تواجه امي تلك الاستفزازات بكافة أشكالها، التي تبدأ من جيسيكا لتنتقل إلى بدانتها والتهجم على شخصها كونها من دين مغاير لدينهم أو كونها "وقحة" لأنها كانت ترد عليهم.

لا أنسى مشهد منع جيسيكا من دخول المسبح برفقتنا، لا أنسى وجهها المتجهم الحزين وكيف تم طردها لولا صيحات أمي وتهديدها بفضحهم في الإعلام

أذكر أيضاً حين قصدت شركة إعلان لمسحوق غسيل معروف منزلنا كي تستعين بـ الطفلة الدمية بفكرة وضعها في غسالة مع مسحوق الغسيل ومن ثم المجيء بطفلة بيضاء للقول أن هذا المسحوق "قادر على تنظيف الاوساخ." ومشهد منعها من دخول المسبح برفقتنا، لا أنسى وجهها المتجهم الحزين وكيف تم طردها لولا صيحات أمي وتهديدها بفضحهم في الإعلام.

1557318864006-2e793b54-60b7-4895-9cbd-9bc252c4b1fc-2

جيسيكا.

منذ العام 1969 حتى تاريخ 15 كانون الثاني 2014 تاريخ وفاة والدتي أماليا، كان طلبها الوحيد طوال حياتها الإهتمام بجيسيكا، "لا مكان لها ولا وطن غير عائلتنا الصغيرة." ولكن جيسيكا لم تتمكن من عيش حياة طبيعية خلال سني حياتها الخمسين، فهي بلا عمل ولا أوراق ولا مستقبل -طبعاً، لا تزال تعيش معنا في لبنان. لآخر لحظة، لم تتمكن أمي من إعطاء جيسيكا حقها القانوني بسبب التركيبة العنصرية الطائفية في لبنان- في بلد لا تزال الأم تناضل لمنح جنسيتها في لبنان. في بلد لا تزال عاملة المنزل تتعرض للاضطهاد، والأجنبي الفقير مدعاة للسخرية في البرامج، وفي مجتمع مريض مكبّل لا يعرف أصلاً الوصول إلى حقوقه ولكنه يعرف جيداً كيف ينتزع حقوق الآخرين بدون أي وجه حق.