hookah
مجتمع

الشيشة.. فحولة النساء "الشيك"

يراها الرجال عقدة قضيبية مرتبطة بالحرمان الجنسي لكنني أراها انتفاضة نسوية ضد التمييز الجندري
31.7.19

ربما تكون "نعيمة الصغيّر" الممثلة المصرية الراحلة التي مزجت الشرّ بخفة الظل في أدوارها، هي أول من علمني على تدخين "الشيشة." أذكر دورًا لها كانت الشيشة فيه جزءًا من شخصيتها، عندما جسدت دور زعيمة عصابة تمتهن اختطاف الأطفال في فيلم "العفاريت" إذ كان يلقبها الأطفال بـ"أمنا الغولة" التي تبث الرعب فيهم وفي "الحِتّة" التي تسكن فيها، بجلابياتها المزركشة وملامحها المرعبة. من وقتها حفرت "الشيشة – النرجيلة" في مخيلتي كتعبير عن القوة والسطوة، والدخان الذي كان يلف خلفه تناقضات جندرية كثيرة.

إعلان

بدأت تدخين الشيشة في سنة 2000، وكنت قد أتممت 18 عامًا، وعلى الرغم من أن السيجارة كانت التعبير الرسمي لأبناء جيلي، والأجيال السابقة واللاحقة، عن التمرد على الأسرة وكل ما هو ما ممنوع، إلا أني لم اقبل عليها. لماذا نفرت من السيجارة في حينها؟ أجدني بعد نحو 18 عامًا، أعرف الإجابة، ذلك أن النرجيلة – وهي اللفظة الشامية للشيشة - كانت أكثر شعبية من السيجارة التي كانت في مخيلتي نخبوية، فهي عند المثقف متلازمة مع القهوة المرّة والقصائد، وعند النساء "أناقة" ومؤشر على الحرية. صحيح أن تدخين السجائر منتشر بين شرائح المجتمع بطبقاته المختلفة، إلا أن نوعية السجائر تعد مؤشرًا على التباين الطبقي بينها، وهو أمر – في حينها – لم يكن متواجدًا في الشيشة، لكنك اليوم في عمّان تستطيع أن تتناول الشيشة بسعر 2 دولار إلى 21 دولار، وفقًا لرتبة المكان الاجتماعية.

بلاط الرشيد
في المرحلة الجامعية، بدأت التعرف على عمًان الشرقية، وهي نصف العاصمة الذي يضم مدنها الأقدم، المحكومة بالعادات والتقاليد ، وعادة ما يقطنها ما يصطلح على تسميتهم "الناس الشعبيون"، وإن أردت أن تعرف الوجه الشرقي من العاصمة الأردنية، لا بد أن تمر من وسط البلد. في قاع العاصمة، شد انتباهي أثناء تجوالي مقهى يقع في الطابق الثاني من عمارة تجارية ملاصقة لمركز الشرطة، المقهى مزّين بأعلام دول العالم، وهو مقابل لأشهر كشك لبيع الكتب في عمّان، اشتريت كتابًا وصعدت إلى المقهى، وهي المرة الأولى التي أدخل فيها مقهىَ شعبيًا، كنت الفتاة الوحيدة بجسم هزيل وشعر قصير جدًا يشبه قصة ولد في عمر العاشرة، جلست على المقعد، وجاء النادل يسألني عن طلبي باللغة الإنجليزية، فأجبته بالعربية أني أريد نرجيلة "ليمون ونعنع" وقهوة سكرها وسط. وقف مشدوهًا ليسألني بلهجته المصرية: "هو حضرتك من هنا"؟ أجبته نعم. فقال: "بصراحة الستات الي بيجوا هنا سياح من بلاد بره،" سألته: "هل هناك مشكلة إن بقيت؟" فأجابني بأنه لا مشكلة. "بلاط الرشيد" كان مقهاي المفضل طيلة فترة الجامعة، كنت أذهب إلى هناك في إجازتي الأسبوعية، إذ كنت أعمل أثناء دراستي الجامعية"، وبعد سنوات طويلة، رأيت بالصدفة النادل "مسعود" فسألته عن حاله وعن حال المقهى، فأجابني: "القهوة تغيرت وبقى البنات يجوها عادي جدًا".

الثلج والنار
بعد انتهاء دراستي الجامعية، حصلت على عمل في العاصمة الروسية موسكو، كمحررة أخبار في محطة ناطقة باللغة العربية. وكان من ضمن الأمور التي شغلتني هو البحث عن مقهى عربي يقدم النرجيلة، وكم كانت دهشتي عظيمة حين اكتشفت أن النرجيلة من الأمور المتعارف عليها في روسيا، بل أنها منتشرة في كثير من المطاعم، الفاخرة منها والمتواضعة.

إعلان

لكن للروس "مزاج" متقدم ومترف في شرب النرجيلة، التي يطلقون عليها كلمة "كليان" وهو لفظ رأيته يتناسب مع اللفظة الفارسية للنرجيلة، وفق ما فهمته من رواية "سمرقند" لأمين معلوف، التي ذكر فيها طقوس شرب النرجيلة في بلاد فارس. في روسيا يتم رفع النرجيلة على الطاولة، ويمكن استبدال الماء بحليب الفًرس أو المشروبات الكحولية، حتى أني أذكر مطعمًا ومقهى فاخر كان يقدم النرجيلة المزينة بزجاج خارجي يحوي أفعى أو سمكة زينة تسبح في فلك دخانك كي تستمتع بالمشهد. كانت اللغة الروسية لغة صعبة وجديدة عليّ، استغليت مهارتي في الرسم في رسم ما أريد شراؤه أو طلبه، ومن بين ما رسمته، نرجيلة وبجانبها صورة ليمون وورقتي نعناع، للإشارة إلى صبي النرجيلة الذي كان يطلق عليه اسم "كليان تشك" بأني أريد هذه النكهة.

دخان العواصم
بعد انتهاء عقد عملي في روسيا، عدت إلى عمّان كمراسلة لإحدى الفضائيات العربية، وهو عمل كان يستدعي مني السفر إلى العاصمة السورية دمشق مرة واحدة في الشهر، وهناك تعرفت إلى مقهى "الروضة" الذي كان يقدم النرجيلة بنكهة واحدة فقط "التفاح" لكنها المرة الأولى التي أدخن فيها النرجيلة في مكان يزيد عمره – في وقتها – عن السبعين عامًا، الأمر الذي جعلني أتخيل لو سافرت بي آلة الزمن إلى وقت تأسيس المقهى ووجد رواده بعمامتهم المزركشة وشواربهم الغليظة فتاة تشاركهم متعة نفث الدخان الكثيف.

عملت في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وبلغ بي الإدمان أشده أني اشتريت نرجيلة في المنزل، كما اشترطت أن تكون النرجيلة في أي مكان أقصده من الأصدقاء. بعد الإمارات، ارتحلت إلى مصر، وهي البلد الذي تحولت فيه لفظة النرجيلة إلى "الشيشة" وهناك تعرفت على نكهات متعددة للشيشة، وطرق مختلفة في تقديمها تحكمها المنطقة والفروقات الاجتماعية، لكني وإحقاقًا للحق، أحب شيشة الأماكن الشعبية أكثر من الفارهة، وأشعر أنها تقدم باحتراف أكبر، مثل مقهى "الخن" الذي يعد من أضيق الأماكن وأكثرها رحابة في وسط البلد القاهرية.

إعلان

تقاليد من دخان
أثناء شربي "الشيشة" في إحدى مقاهي عمّان الشبابية والأنيقة، التفت إلى مجموعة فتيات ينفثن دخان النرجيلة، سألتهن عن حكاية كل واحدة منهنّ مع الشيشة، ديالا (22 سنة) وصفتها بأنها "تفش الغل – أي أنها تنفس عن الغضب، صديقتها لمى (19 سنة) تقول إن "النرجيلة فضفضة، وعادة ما تشعر بارتياح بعد نفث الدخان، خاصة أن ذويها تقبلوا ذلك في حين أنهم يعارضون تدخين السجائر" وهو أمر تجده لمى تناقضًا لا يمكنها تفسيره. في حين ترى ريناد (24 سنة) أن تناول الشيشة يشجع على "اللمة الحلوة" ويضفي جوّا خاصًا على لقاء الأصدقاء.

في أثناء رصّه لجمر الشيشة، أبدى لي "عدي" – عراقي الجنسية – تشككه من أن ذوي الفتيات يعرفن أنهن يتناولن الشيشة، موضحًا أنه يعمل في تحضير النراجيل منذ 14سنة، عندما كان يقيم في بغداد، وكانت المرة الأولى التي يعد فيها الشيشة للنساء بعد مجيئه إلى عمًان. إذ أن تدخين النساء للنرجيلة يعد أمرًا ينافي العادات والتقاليد في بلده العراق، بل ومن شأنه، أن يوصم الفتاة بصفات غير أخلاقية. يأخذ عدي نفسَا من شيشتي ويواصل كلامه " هسة الأمور تغيرت كلش" إذ يرسل لي أصدقاء من العراق صورًا لشط دجلة، وقد امتلأ على آخره بالمقاهي التي امتلأت بدورها بالنساء اللاتي ينفثن دخان الشيشة.

عقدة قضيبيه
تذكرت نصًا للكتاب "هشام بستاني" وهو مؤلف قصص قصيرة، أسماه "عقدة قضيبيه" ربط من خلاله إقبال النساء على الشيشة بارتفاع نسبة العنوسة وشيوع الحرمان الجنسي بشكل عام، بعد سنوات من قراءتي لهذا النص، أجد أني أتفق مع الكاتب في وجود "عقدة قضيبيه" لكنها ليست بالضرورة مرتبطة بالحرمان الجنسي بقدر ما هي مرتبطة بالتمييز الجندري، وهي معركة بلا صليل تحاول النساء فيها احتلال مكان في المجال العام، في مجال الحركة والترفيه، الذي كان لعقود طويلة حكرًا على الرجال.

تجول الأفكار في رأسي، ذكريات العواصم التي استحال بعضها إلى رماد، الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية لانتشار النرجيلة، التي أصبح بالإمكان طلبها "ديليفري" إلى البيوت التي تستحيل إلى "حرملك" في لوحة مستشرق، بصحون الفاكهة وأصناف الطعام وثرثرة النساء. يقطع عليّ حبل الأفكار ظهور غير متوقع لـ"نعيمة الصغير" وهي ترفع حاجبًا وتلوي شفتيها استهجانًا، ثم تشد نفسًا قويًا لتخفي ملامح وجهي بسحابة غير ماطرة.