الشعب ينتصر في الجزائر

تحدثنا مع عدد من الشباب الجزائرين عن قرار عدم ترشح الرئيس الجزائري لعهدة خامسة

|
2019 03 12, 7:59am

شترستوك

أدى إعلان ترشيح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لولاية جديدة رغم تردي حالته الصحية إلى توحيد صوت الجزائريين ضد "العهدة الخامسة" وأطلق العنان لأصواتهم لتقول كلمتها الفصل في مسألة يعتقد أن حسمها كان لا بد أن يكون منذ 2014 بعد فوز بوتفليقة بولاية رئاسية رابعة. حققت الاحتجاجات هدفها الأول، وأعلن بوتفليقة أمس الاثنين عن عدم ترشحه للرئاسة لولاية خامسة وتأجيل الانتخابات. وقد عاشت الجزائر ثلاثة أسابيع على وقع تحركات احتجاجية مليونية وصفت بأنها الأكبر منذ عقود وشملت جميع المدن وكافة الشرائح الاجتماعية؛ إذ خرج طلاب ومعلمون ومحامون وصحفيون في مظاهرات احتجاجية معبرين عن عدم قبولهم للوضع السياسي الحالي.

طبعاً، لم تنته مشكلة الشباب الجزائري بعدم ترشح بوتفليقة، فالرئيس البالغ من العمر 82 عاماً، يعبر عن حالة من التدهور السياسي والاقتصادي التي تشهدها البلد، بحسب الشباب الذين تحدثت إليهم. إذ أن هذه الاحتجاجات غير موجهة إلى بوتفليقة في شخصه وإنما إلى النظام ككل، حيث رفع المحتجون شعارات منددة "بالفساد المستشري في البلاد" وطغيان المال على السياسة.

رفيق سطنبولي، 27 عاماً، طالب جامعي ومدرب رياضي، يشدد على أن السبب الأساسي للمظاهرات هو رفض الشعب لعهدة رئاسية خامسة لعبد العزيز بوتفليقة، "فترشيحه لولاية أخرى كانت القطرة التي أفاضت الكأس،" كما يقول "ولكن الشعب له عدة مطالب أخرى اجتماعية، ولكن بوجود بوتفليقة العاجز تماماً عن الحكم سيستمر التدهور الاجتماعي والاقتصادي والفساد بالجزائر. الجزائر تعيش اليوم آخر أيام النظام الفاسد والمتسلط، وستدخل في وقت ليس ببعيد إلى زمن أو عصر جديد إن صح التعبير في تاريخها المجيد نحو الأفضل والأرقى."

1552377081973-
رفيق سطنبولي - الصورة مقدمة منه.

ويشدد رفيق على أن نجاح المظاهرات في تحقيق مطلبها الأول في عدم ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، هو سلمية المظاهرات وكونها "لم تكن تابعة لأي حزب سياسي أو هيئة معينة بل كانت دعوات شعبية." ويضيف: "كل فئات المجتمع الجزائري رفضت تماماً انحراف هذا الحراك السلمي إلى الفوضى والعنف، وحتى السلطات الأمنية والعسكرية لم نشهد لها أي تدخل عنيف في شتى ربوع الوطن عدا بعض المناوشات البسيطة والتي تم السيطرة عليها بكل تحضر ودون أي عنف."

وقد اضطر النظام إلى تأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق، ولكن يشير محللون الى أن عدم ترشح بوتفليقة وتأجيل الانتخابات ليس كافياً، ولن يتقبلها الشعب إلا في حالة إعلان شغور منصب الرئيس طبقاً لأحكام المادة 102 من الدستور المعدل عام 2016 والتي جاء في نصها "إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبًا، وبعد أن يتثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التّصريح بثبوت المانع."

نحن نعاني من انخفاض تام للمستوى المعيشي وغلاء الأسعار وارتفاع البطالة والفقر بسبب انحصار الثروة لدى الحاشية الحاكمة واتباع سياسة تنموية فاشلة

وكان "بوتفليقة" قد أعلن في العاشر من فبراير بشكل رسمي نيته الترشح مجدداً وذلك عبر بيان خطي تم تسليمه بواسطة وكيله، وهي الطريقة المعتادة التي يتواصل بها بوتفليقة مع شعبه منذ إصابته بسكتة دماغية في عام 2013 أبعدته عن الظهور العام. وتكمن أهم إنجازات عبد العزيز بوتفليقة في أنه كان صانع السلام في أعقاب الحرب الأهلية الجزائرية في الفترة 1991-2001 أو ما يطلق عليها "العشرية السوداء" والذي أدت إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص، واختفاء 7 آلاف آخرين، ونزوح حوالى مليون جزائري داخل البلاد.

1552377123268-
هند منصر - الصورة مقدمة منها.

هند منصر، 35 عاماً، ناشطة حقوقية، تؤكد أن هناك جملة من الأسباب تضافرت فيما بينها وشجعت الشعب على الخروج للشارع: "أسباب المظاهرات كانت سياسية واجتماعية على حد سواء. المشاكل الاجتماعية المتراكمة كالفقر والبطالة والتهميش أدت في نهاية المطاف إلى تفطن الشعب سياسياً وقراره بعد كل هذه السنوات ترك الخوف والصمت ومواجهة السلطة التي أثبتت أنها تواصل الاستخفاف بهذا الشعب الذي يستحق واقعاً أفضل مما هو عليه." هند لا ترى أن الأمور ستتغير الآن بعد عدم ترشح بوتفليقة: "حاشية النظام متمسكة حتى الآن بمنصبها وسيفعلون ما بوسعهم للبقاء سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في الحكم، ولكن الجزائر بلد المعجزات وأهلها رغم كل ما مروا به لن يتخلوا عنها حتى يتحقق التغيير للأحسن. أؤمن أن هذه التحركات سينتج عنها عن حدوث تغييرات حقيقية تقطع مع الحقبة السابقة وتؤسس لمرحلة تليق بالجزائر البلد الغني بتاريخه وموارده الطبيعية."

وقد تناقصت شعبية الرئيس بشكل لافت من ولاية رئاسية إلى أخرى، بسبب مجموعة من الإخفاقات السياسية على صعيد احتكار كبار السن للسلطة وقلة فرص العمل والبطالة وتزايد قضايا الفساد في محيط مقربيه. وهذا هو ما يركز عليه برهان مناعي، 34 عاماً، موظف، والذي يقول أن السبب المحوري للمظاهرات الكبرى هو "الرفض القاطع للعهدة الخامسة في ظل غياب الرئيس منذ شهور عن الكلام وتولي شقيقه وحاشيته شؤون الدولة بدون علم الرئيس." ولكنه يشدد على أن هذه القضية مرتبطة بمشاكل أخرى: "نحن نعاني من انخفاض تام للمستوى المعيشي وغلاء الأسعار وارتفاع البطالة والفقر بسبب انحصار الثروة لدى هذه الحاشية واتباع سياسة تنموية فاشلة."

1552377298187-shutterstock_editorial_10150075i_huge
شترستوك

ويأمل برهان أن يدفع هذا الحراك حاشية الرئيس للرحيل وترك المجال لبدائل أكثر وطنية: "المظاهرات أربكت الحاشية وهي الآن بصدد البحث عن مترشح يعوض بوتفليقة ويكون من دائرتهم ليجنبهم المحاسبة عما اقترفوه من مخالفات وفساد،" يقول برهان مؤكداً أن تأجيل الانتخابات واقتراح مرحلة انتقالية، لن يكون كافياً دون حدوث إصلاحات حقيقية "يجب التخلص من النظام الحالي ومحيطه برمته،" كما يقول.

والجزائر هي أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة، ولديها واحد من أقوى الجيوش في العالم النامي. لا تعود القيادة فيها إلى شخص واحد بل هناك شبكة متشابكة من القادة السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال. ويطالب سكان الجزائر، وأغلبهم من الشبان الذين تقل أعمار 70٪ منهم عن 30 عاماً، بوظائف وخدمات أفضل، ووضع حد للفساد والبطالة في دولة تعد واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط في أفريقيا، حيث وصلت نسبة البطالة إلى 25% بين من تقل أعمارهم عن 30 عاماً.

1552377151931-
رؤوف BKL - الصورة مقدمة منه.

رؤوف BKL مغني الراب الجزائري، 35 عاماً، يرى أن "الاحتقان السياسي وانتشار الفقر والبطالة وتهميش الشباب بشكل خاص واستحواذ بعض العائلات النافذة على المناصب الحكومية على حساب بقية مكونات المجتمع ولد حالة من الانفجار لدى الشعب،" ويضيف: "فمعظم شباب الجزائر عايش العشرية السوداء ولدى الخروج منها وجد بوتفليقة ولا شيء غيره العهدة الأولى والثانية والثالثة والرابعة حتى بتنا لا نعرف غيره، فضلاً عن أربعين شخصية، ندعوهم في الجزائر الأربعين سارق، تتناوب على المناصب فيما بينها."

نحتاج الى دعم الكفاءات في البلاد والسماح للشباب بأخذ زمام الأمور ونقل الجزائر لمكانة تليق بتاريخها وموقعها وثرواتها

ويشير رؤوف أنه بفضل مواقع التواصل الاجتماعي بات الجزائري على اطلاع بما يحدث في الدول الأخرى "من تطور وتنمية وحرية تعبير في حين لا شيء يتغير في الجزائر عدا اتساع دائرة التهميش." ويرجح رؤوف أن يتم تقديم مرشح آخر بديل لبوتفليقة لكنه يؤكد أن الشعب لن يصوت له: "نحتاج الى دعم الكفاءات في البلاد والسماح للشباب بأخذ زمام الأمور ونقل الجزائر لمكانة تليق بتاريخها وموقعها وثرواتها."

من جهته، يتوقع المحلل السياسي الجزائري رشيد هيدوقي، أنه سيتم تأجيل الانتخابات لمدة معينة "يتم الاتفاق عليها بين مؤسسات الدولة الجزائرية المدنية التشريعية الدستورية الرئاسية والجيش، سيتم خلالها وضع ترتيبات جديدة وسحب الأحزاب الكبيرة التي أيدت ولايته الخامسة ترشحاتها."

ويقول هيدوقي: "أثبت المواطن الجزائري أنه أصبح أكثر وعياً وفهماً للسياسة والديمقراطية للحقوق والمكتسبات الواجبات ولا يكسر ولا يدمر وحتى وإن تم اتخاذ بعض الإجراءات من قبيل فرض حالة الطوارئ فلن تكون بغاية القمع ولكن بهدف تجاوز هذه المرحلة بكل سلاسة. هذا هو مؤشر قوي عن أن البلاد ستسير نحو متغيرات جديدة تليق بهذا الشباب الذي أثبت أن حقبة الصمت قد ولت فإما التغيير أو الشارع."