Mo and Rami
محمد صلاح يمين مع جائزة PFAAward ورامي مالك يسار مع جائزة الأوسكار Shutterstock
رأي

رامي وصلاح ومكاريوس.. ملحمة بوهيمية مصرية

احتفى الكثيرون بفوز رامي مالك بالأوسكار دون النظر إلى ديانته؛ فأصبح "ابننا" الثاني بعد صلاح البكري المتربع في قلوب الجميع
26.2.19

منذ حوالي شهر شاءت الظروف والصدف التي تترتب عشوائيًا في مكان رائع مثل القاهرة أن يوصلني "مكاريوس" سائق تطبيق أوبر مرتين في أسبوع واحد. شاب قبطي أتى من المنيا (جنوب مصر) إلى العاصمة من أجل لقمة العيش مثله مثل الآلاف الذين يتركون مدنهم الصغيرة من بحثًا عن فرص أكبر ورغبةً في رزق أوسع. ظل مكاريوس طوال الطريق يحدثني عن المنيا وعن سحرها وجمالها، رغم قلة فرص العمل فيها، وعن زوجته الشابة التي اضطر أن يتركها في "طحا الأعمدة"، مسقط رأسه، لأنها لم تحتمل العيش في القاهرة الصاخبة بعيداً عن أهلها ورفاقها. كما حكى عن إخوته وعن أمه التي يفتقدها بعد أن ذهبت الى أمريكا في زيارة طويلة ربما لن تعود منها كي تزور أخيه الأكبر الذي استقر هناك منذ عشر سنوات.

إعلان

لم تخل حكايات مكاريوس من الكثير عن رفاقه في الكنيسة والنادي الاجتماعي، وعن الأفراح والأعياد. وبعد رغي استمر طوال الطريق الدائري من المعادي إلى كوبري السادس من أكتوبر، سألني إن كنت مسيحية، فهززت رأسي بابتسامة أنني مسلمة، صمت قليلاً ثم ابتسم وقال "فيه مرة واحدة ست مسلمة ادتني رغيف ببلاش وعمري ما هنسى الموضوع دة وصحابي كلهم استغربوا. كنت جعان ورايح التجنيد بتاعي وصعبت عليها وادتني الرغيف." كانت هذه القصة الأخيرة التي حكاها الشاب الجنوبي، إذ وصلنا بعدها إلى وجهتنا في الزمالك. في المرة الثانية التي قابلت فيها مكاريوس لم يتحدث سوى عن مدى اشتياقه لزوجته في المنيا ولأمه في أمريكا. لم أرى مكاريوس مرة ثالثة فمثل هذه الصدف قد تتكرر مرتين، ولكن ثلاث مرات في القاهرة؟ صعب.

في قرية مجاورة لـ"طحا الأعمدة" يقع مركز فلتاؤس حيث ولدت عائلة رامي مالك، الممثل الأمريكي من أصول مصرية الذي حصل على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل. كان حظ عائلة مالك أفضل بعض الشيء من عائلة مكاريوس، فاستطاع الأب والأم أن يستقلا الطائرة إلى لوس أنجلوس ليستقرا في مقاطعة هادئة، تدعى شيرمان أوكس.

يشبه رامي مالك الكثيرين في القاعة في لهجته وملابسه وسطوعه السريع، ولكنه يظل يقف وحيداً، نصف أمريكي هناك ونصف مصري هنا

بعين الخيال، أستطيع أن أرى عائلة رامي القبطية البسيطة وهي تلملم كل ما تملك في سبعينات مصر الماضية وتنحت في صخور أمريكا التي لم تكن بنفس الصلابة وقتها، ربما كانت الظروف أفضل من الآن، ربما كانت بلدان العالم الأول توارب أبوابها في وجه المهاجرين العرب بشكل أو بآخر، إن لم تغلقه، ولكن بالتأكيد لم يكن الطريق ممهدًا سهلًا من فلتاؤس الى ضواحي لوس أنجلوس الساحرة الواعدة بحياة أفضل.

شاهدت مثل الكثيرين الشاب النحيف وصوته يرتعش على مسرح الأوسكار، شاهدته وهو يبحث عن أمه بأعين ملهوفة في الحضور، وشاهدته وهو يحكي عن طفولته وهويته المرتبكة وهو يحاول الاحتفاظ بأصوله المصرية وأيضاً واقعه وحياته الأمريكية التي لا تشبه فلتاؤس في أي شيء. وقف رامي على المسرح وسط تصفيق كبار نجوم العالم في احتفالية يعتبرها الجميع الأهم في عالم صناعة الأفلام، شاب من عائلة مصرية، جيل أول من حملة الباسبور الأمريكي في عائلته، يشبه الكثيرين في القاعة في لهجته وملابسه وسطوعه السريع، ولكنه يظل يقف وحيداً، نصف أمريكي هناك ونصف مصري هنا.

في قرية أخرى تبعد عن المنيا، وفي ظروف تختلف عن طحا الأعمدة وفلتاؤس، تقع نجريج، مجرد قرية أخرى صغيرة وتعداد سكان شبه غير موجود على خريطة الدولة المصرية التي تتذكرها فقط عند اللزوم. نجريج هي قرية لا أهمية لها سوى أنها أنجبت محمد صلاح، لاعب كرة القدم الدولي وهدف الدوري الإنجليزي، مثلها مثل فلتاؤس صاحبة الإنجاز الوحيد في أنها تحمل جذور عائلة رامي مالك. وفي زخم احتفالي واحتفاء ضخم بإنجازات أبنائنا في الخارج، صلاح ورامي، وقف القليل من المصريين ينظرون الى الاثنين بعين حاقدة، فهم لا يعترفون أن ابننا صلاح هو فخر العرب الحقيقي ولا أن رامي هو الأول من جذور مصرية الذي يقف على مسرح الأوسكار المهيب ليذكر جذوره المصرية التي لا تذكرها وكالات الأنباء العالمية إلا في سياقات مُحزنة وكئيبة.

وباستثناء هذه القلة المحدودة، لم يلتفت عموم المصريين الى الصفة الأهم التي يبحثون عنها دومًا في مشاهيرهم من الأجيال الكبيرة والصغيرة، هذه المرة لم يلتفت الأغلبية إلى الأصول القبطية لرامي التي في الأغلب تجعل صاحبها يقل درجة مهما كانت درجة نجاحه في مجاله في أعين الأغلبية المسلمة السنية التي تحلف بحياة أبو مكة في حياتها اليومية.

هوجم البعض بسبب محاولتهم نسب نجاحات الفتى الى مصر التي لم تعطيه أي شيء سوى عائلة هاربة أو مهاجرة أو ناجية من هلاك صعيد البلاد

المثير للدهشة أكثر، أن هذه المرة وعلى سبيل التغيير، لم يركز الكثيرون أن رامي ربح هذه الجائزة عن دوره في ملحمة عن حياة مطرب الروك الذي اشتهر بازدواج هويته الجنسية وميله العاطفي والجنسي تجاه الرجال. وعلى سبيل الاستثناء احتفى معظم المصريون بممثل شاب، قبطي مصري، ظهر على شاشات السينما العملاقة في مشاهد عاطفية مع رجل آخر. لم يلتفت الكثيرون على تعليق رامي على حياة فريدي ميركيري، شخص عاش حياته دون أن يعتذر عن ميوله وجموحه وانطلاقه حتى وإن أدى هذا الى حياة قصيرة انتهت بدراما مخيفة وتركت إرث أسطوري استطاع رامي أن ينقله بموهبة استثنائية.

احتفى الكثيرون بفوز رامي مالك، دون النظر الى تفاصيل الموضوع، فأصبح رامي 'ابننا' الثاني بعد صلاح البكري المتربع في قلوب الجميع. ربما يوارب رامي باب من الرحابة تحتفي بالنجاحات التي نتمناها والتي أصبحت شحيحة في سنواتنا الصعبة، حتى وإن لم تتماشى مع مقاييس مجتمعية سنتها سنوات من التحفظ على كل ما هو غير مسلم ولا يمشي على طريق مستقيم ولا ينتمي الى الأغلبية المصرية ذات الشكل الواحد. رامي هو الأول من نوعه، لا يشبه أحد ويسطر قصة أسطورية جديدة وفريدة من نوعها، ليس لأنه فاز بالأوسكار، وإنما لأنه دخل قلوب المصريين على الرغم من كل شيء يقفون ضده بالمرصاد.

إعلان

وعلى الرغم من كل هذا إلا أن الأمر لم يخلو من جدل لم ينتهي حتى هذه اللحظة عن مدى مصرية رامي الذي لا يحمل من الهوية المصرية سوى اعتزاز واضح بعائلته الصغيرة وبالثقافة المصرية التي لخصها في بساطة شديدة وعربية مكسورة في حبه لعمر الشريف وأم كلثوم. ظهرت عشرات المنشورات التي تسخر من المجموعة التي احتفلت بفوز رامي كشاب من أصول مصرية يفوز بالأوسكار، وهوجمت تلك المجموعة بضراوة واتُهموا بمحاولة نسب نجاحات الفتى الى مصر التي لم تعطيه أي شيء سوى عائلة هاربة أو مهاجرة أو ناجية من هلاك صعيد البلاد. اتسمت معظم المنشورات بالبؤس الشديد بين من يؤكد هوية رامي ومن ينفيها تمامًا بغض النظر عما قاله هو شخصيًا في خطاب استلامه للجائزة.

هذا شاب ذكي وموهوب وناج من كل ما تمثله مصر من إخفاقات، أيضا هو شاب حر، لم يجد ما يمنعه من أن يقوم ببطولة فيلم عن أيقونة في عالم الموسيقى وعالم مجتمع الميم، شيء كان سيؤدي لهلاكه إن كانت عائلته ظلت في البلاد

وبين الكثير من الصراعات الافتراضية، ستظل حقيقة واحدة، هذا شاب نجا من مصر، شاب مسيحي، من أسرة مصرية متوسطة، كان من المتوقع أن تُدفن موهبته في تراب فلتاؤس مثله مثل باقي تعداد مدينته الجنوبية، كنه استطاع بطريقة ما أن يندمج داخل المجتمع الأمريكي عكس الكثير من العائلات القبطية المهاجرة التي تغلق كل الأبواب على أبنائها وتحبسهم داخل قضبان الكنيسة القبطية بالخارج. هذا شاب ذكي وموهوب وناج من كل ما تمثله مصر من إخفاقات، أيضا هو شاب حر، لم يجد ما يمنعه من أن يقوم ببطولة فيلم عن أيقونة في عالم الموسيقى وعالم مجتمع الميم، شيء كان سيؤدي لهلاكه إن كانت عائلته ظلت في البلاد. وبمناسبة العائلة، فأنا شخصيًا أشعر بامتنان شديد لأمه التي مازالت تبدو مصرية جداً، ولم تتخلص من لكنتها الصعيدية، ولكنها استطاعت أن تدعم هذا الفتى الموهوب دون أن تفزع من ليبرالية الدور بالنسبة لها كامرأة أعتقد على قدر كبير من البساطة والعادية.

تذكرت اليوم مكاريوس وحكاياته الكثيرة عن قريته وعن المنيا وعن أمه التي تحكي له على الواتساب عن برد أمريكا. تذكرت أنه في الأغلب لم يُشاهد حفلة الأوسكار، ولكنه بالتأكيد عرف الخبر من معارفه، فالمنيا كلها تحتفل مثل ما كتبت مواقع الصحف المصرية وهذا يعني تباعًا أن طحا الأعمدة أيضاً تحتفل. لا أعرف لماذا تذكرت مكاريوس، ربما لأنه قبطي أو لأنه صعيدي من المنيا أو لأن حظه قليل أو لأنه يشبه الأغنية التي سمي عليها الفيلم الذي ربح عنه رامي الجائزة "مجرد فتى فقير من عائلة فقيرة." أو لأي أسباب أخرى يعلمها عقلي الباطن. فقط أعرف أن رامي فاز بجائزة كبيرة وصلاح فاز بجوائز أكثر، فقط مكاريوس لن يفوز بأي شيء فالطريق الوحيد الذي يقطعه هو الطريق بين المنيا والقاهرة وهو طريق، للأسف، لا يصنع الأبطال.