مجتمع

10 أسباب تجعل المخيمات الفلسطينية في لبنان "جنة" على الأرض

ذهبت إلى السفارة الكندية لتقديم طلب هجرة، لكن أحد الشروط كان امتلاكي حسابا مصرفيا، أين الأموال كي أضعها في المصرف

إعداد زينة ناصر
2018 05 15, 6:19am

لو كنتم تظنّون أن الجنة بعيدة المنال، فأنتم على خطأ. إنها هنا، على كوكب الأرض، تقبع بين أزقة مخيمات اللجوء الفلسطينية في لبنان. كلّها "جنّات خلد" تتشابه من حيث الجمال والبهاء والراحة. أنهار تنساب منها الينابيع طوال أيام السنة. الشمس الدافئة تشعّ نورا ما بين الحارات. حتى أن أهل المخيم لا يريدون الخروج منه أبدا، فهل يغادر الجنة من نعم بها دون غيره من البشر؟ تتبعنا مصدر تلك البركة في المخيمات، وتحديداً مخيم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية، والذي يعتبر من أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان وقد أنشأته جمعيات الصليب الأحمر في عام 1948 بعد النكبة الفلسطينية لإقامة اللاجئين الذين اضطرتهم الحرب إلى ترك بيوتهم في الجليل في شمال فلسطين. ويعاني المخيم ازدحاماً رهيباً، حتى أن 13 فرداً ينامون في حجرة واحدة، مساحتها 4×4 أمتار، إضافة الى المشاكل الأخرى من طرقات ضيقة ونظام صرف صحي قديم وانقطاع الكهرباء وعشوائية مد الأسلاك الكهربائية.

وجدنا هذه الأسباب الـ 10 التي تجعل المخيمات الفلسطينية في لبنان جنة على الأرض، علماً أن مخيم "البرج" كما يسمى كذلك يتشابه إلى حد كبير مع باقي المخيمات.

أكثر من 14 شخصا توفوا في مخيم برج البراجنة منذ بداية العام بسبب الأسلاك الكهربائية العشوائية.

1- المفاجآت تأتي كالصاعقة في المخيم
فعلا، لا تعلم من أين تأتيك المفاجآت في تلك الجنة. وقد سجّلت عام 2018 عدداً كبيراً من المفاجآت حتى اللحظة، حيث صعقت الكهرباء 14 شخصا وقتلتهم على الفور (بحسب شهادات السكان) - تلك المفاجأة التي تأتي ممزوجة مع قساطل المياه والأشرطة المنسدلة التي قد تلمس أي جزء من جسدك دون سابق إنذار، لم تحظى بتغطية إعلامية أو مجرد ذكر لما حصل، فهي ليست مهمة. تزيّن إحدى شبكات الكهرباء ومعها المياه، لتأثير أقوى، الحيّ المقابل لمحل خضار يملكه فايز خلف، 40 عاماً، الذي عاش في المخيم طوال حياته. يقول خلف أن "الماء والكهرباء في المخيم أولاد عم، لا تحبان أن تفترقا،" ويشير الى أن أكثر من خمسة أشخاص ماتوا بسبب مفاجآت الكهرباء مؤخراً وآخرهم كان أحمد كساب (14 عاماً). "توفي أحمد منذ أربعة أشهر بسبب شريط كهرباء "مزلط وواطي" صعقه في رأسه وقتله على الفور." يخبرنا الرجل الأربعيني، ويضيف: "أحمد كان تلميذ مدرسة." لم تحلّ مشاكل الكهرباء والمياه في المخيم بعد بسبب التكلفة المادية، حيث لم يتبنى أحد تلك المفاجأة "الكارثية" بعد، بحسب ما يقول عدد من أبناء المخيم.

عصام، عامل في مجال الستائر، وأب لثلاثة أولاد يعمل لـ 3 اشهر ويبقى من دون عمل لاربعة.

2- في الجنة لا ضرورة للبحث عن عمل، البطالة سيدة المكان
ليس كل ما في الجنة مفاجآت من هذا النوع. الجمال والبهاء يخيّم على المكان. الأرض التي تلمع كالماس ترحّب بالمارة. من ناحية أخرى، نتأسّف لأن الصورة لا تعبّر عن الروائح العطرة التي تفوح من الأرض لتلمس أنف كل من تطأ قدمه المكان. ولكن هناك زاوية أخرى إيجابية للعيش في المخيم aka الجنة، فأنت ببساطة لا تحتاج للبحث عن عمل، أولاً وأخيراً لأن اللاجئ الفلسطيني لا يزال ممنوعاً من ممارسة أكثر من 60 مهنة هذا باعتبار أنه يوجد أصلاً وظائف.

يشكو عصام، 35 عاماً، عامل في مجال الستائر، وأب لثلاثة أولاد، والذي قابلته بينما كان يدهن منزل والديه، من شبه البطالة، إذ يعمل لـ 3 أشهر ويبقى من دون عمل لـ 4 أشهر، ويتمنى لو يستطيع السفر والعمل خارج لبنان. "أريد ان أذهب بعيدا من هذا البؤس، أنا وأولادي أحمد (9 سنوات)، وحسن (8 سنوات) ومحمد (سنة ونصف)." ولد عصام في المخيم إبان حرب المخيمات منذ 35 سنة، ولا يزال يعيش في الجنة. ما يمنعه من السفر هو التكاليف الباهظة. "ذهبت إلى السفارة الكندية لتقديم طلب هجرة، لكن أحد الشروط كان امتلاكي حسابا مصرفيا." يضحك باستهزاء: "أين الأموال لكي أضعها في المصرف؟"

بحسب تقرير للأونروا عام 2017، فإن معدل البطالة لدى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد بلغ 23.2٪ في عام 2015، كما أنهم يعانون من التمييز والعنصرية عند توظيفهم (مشكلتهم أنهم في بلد غير بلدهم، دائما). كما يذكر التقرير أن "الفلسطينيين يتقاضون معاشا أقل من ذلك الذي يتقاضاه زملائهم اللبنانيين في العمل، حتى لو كانوا في المركز نفسه." بماذا يختلف عمل الفلسطيني هنا؟ 36٪ من اللاجئين الفلسطينيين يعملون في مجال الزراعة أو هم عمال نظافة وخدمات، وفقط 14٪ منهم يوقعون عقد عمل (هل من ضرورة له على أية حال؟) على الموظف أن يحظى بالعديد من الأمور (لو يكن فلسطينيا طبعا). فـ حوالي 87٪ من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا يحظون بعطلة أمومة أو عطلة سنوية. حتى لو مرضوا، لا يجب أن يعطلوا. ربما هذا ما يجعلهم يتمنون السفر، لو استطاعوا إليه سبيلا؟

منذ بداية الحرب لجأ عدد كبير من السوريين إلى شتى المناطق في لبنان ومن ضمنها المخيمات الفلسطينية ومنهم عُمر ووالدته.

3- الجنة دائماً جاهزة لاستقبال الزوار
"بيضيق خلق الولاد" في منزل حار صيفاً بارد شتاء، و"لايمكننا أن نخرج الى أي مكان،" تقول أم عُمر، التي هربت من الحرب في سوريا لتلجأ إلى جنة المخيم. "خلصت صلاحية الأوراق ولا يمكنني أن أجددها بسبب عدم توفّر المال، ولهذا لا نستطيع ترك المخيم." تلك هي الجنة، منزل دافئ وأمان والاستعداد الدائم لاستقبال المزيد. هرب من الحرب السورية التي بدأت في آذار 2011 عدد كبير من السوريين الذي لجأوا إلى شتى المناطق في لبنان (حوالي المليون) ومن ضمنها المخيمات الفلسطينية، وهم يعيشون بالظروف المعيشية والاجتماعية السيئة نفسها.

يعيش في مخيم برج البراجنة التي تبلغ مساحته واحد كيلومتر مربع حوالي 450 ألف نسمة.

4- عجقة في الجنة
في الجنة، يلعب الملائكة الصغار. يسرق عُمر (8 سنوات) الطابة من أحمد (10 سنوات) ليلعبا في أكثر الأماكن أمانا. حيث الينابيع تتدفّق من تحت رجليهما وأشرطة الكهرباء تتدلى كالروابي، وقساطل المياه تغمرها. يحب عُمر وأحمد الفوتبول و"البسكليت" كما يسميان الدراجة الهوائية. "أحب ألعب فوتبول حدّ بيت ستي منى،" يقول عُمر، وكأنه لديه خيار آخر، فالحياة في المخيمات الفلسطينية في لبنان تمتاز بالعجقة، إذ يعيش في مخيم برج البراجنة التي تبلغ مساحته كيلومتر مربع حوالي 450 ألف نسمة بحسب آخر إحصاء لوكالة الأونروا. تلك المساحة الضيقة لا يمكن أن تتسع لكل هذا العدد من الناس، فيكثر فيه البناء العامودي اللا قانوني والغير مطابق للمواصفات، والطرقات غير المعبدة والمجارير قرب إحدى المستشفيات… في مخيم البرج ترون ذلك بوضوح تام. رغم الابتسامات النابضة بالحياة والشعب الذي لا يعرف الاستسلام، ثمة حقيقة مرّة تعاكس ما تتكلم عنه وجوه الناس هنا. هي تتكلم حياة، لكن للأسف، ليس في المخيم سوى الموت البطيء.

أسقف البيوت في المخيم، ومنها بيت فـؤاد، قد تنهار في أية لحظة.

5- وجود الجدّ جنّة
في الجنة براءة لا مثيل لها. في تلك الجنة، قابلت فؤاد وكأنّه يمثل مئات الأولاد من عمره. في سنّ الرابعة، يعيش فؤاد من دون أوراق ثبوتية بسبب مشاكل عائلية منعت عنه ما منعت عن أولاد كثيرين غيره. يعيش فؤاد مع جده، وطنه وجنّته، والذي يرعاه مع باقي أخوته. هناك العديد من اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيم الذين لا يملكون أي أوراق ثبوتية وليسوا مسجلين في قيود الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاِثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) لأسباب مختلفة سياسية واجتماعية مما يعني أن إقامتهم في نظر السلطات اللبنانية غير شرعية. "لا أريد أن يلعب أحفادي في الخطر،" يقول الجدّ. الخطر، الموجود في صوته وكلماته وخوفه على أحفاده، يتمثّل بأسقف البيت التي قد تنهار في أية لحظة. الأبنية المجاورة لمنزل الجدّ تحتوي على 6 أو 7 طوابق، ولم تبنى وفقا للمعايير الهندسية الصحيحة. هنا، تهرّب مواد البناء "كيس، كيس"، حجرة حجرة. ومن البيوت من بني بالحديد بدلا من الباطون. تتسرّب منه المياه. مياه ينابيع الجنة. لماذا؟ أمر بسيط جداً، من الممنوع إدخال مواد البناء أو الترميم الى المخيمات الفلسطينية إلا بعد الحصول على إذن رسمي من قبل الجيش اللبناني، (واحصل على الاذن اذا كنك شاطر) ليس مواد البناء فقط، بل أيضاً أنابيب المياه والأسلاك الكهربائية والزجاج والاسمنت والبلاط والألمنيوم ومواد الدهان….وووو

من مخيمات سوريا إلى مخيمات لبنان، يتنقّل اللاجئون الفلسطينيون، مع المعاناة عينها.

6- الجنة، أم تنتظر إبنها السجين. رجل يحلم بضيعة
في الجنة أم تدعى فتحية، تنتظر ولدها المسجون في سوريا منذ عدة سنوات. قريب فتحية، أبو ويليام نصار، يقول أنه "يتمنى لو يذهب إلى ضيعته كما يفعل معظم اللبنانيين يوم السبت والأحد." أحلم بوطن. هل أطلب الكثير؟ فقط وطن،" يقول. قلبه يحترق وهو يقول: "الغربة بتضيّع الأصل." فتحية، من مواليد قانا، جنوب لبنان، تلبس عباءة هدية من عمتها. "في المخيم تتعب نفسيتي،" تقول. "لا أحد يتكلم عمّن تتعب نفسيتهم." وتعود للتحدث عن ابنها السجين: "أول مرة أخدوه من البيت. تاني مرة أخدوه من ساحة اليرموك. صاروا يضبّوا الشباب كيف ما كان،" تقول بحسرة من يعيش في الجنة. قابلت فتحية القنصل في السفارة السورية، تقول. لم تفلح. وعادت إلى لبنان عام 2013. "الحمدالله يلي طلعنا من اليرموك،" تقول. الحمد لله عن جد، فالمخيم الذي تحاصره قوات النظام السوري منذ سيطرت عليه المعارضة في 2012، والذي كان يسكنه نحو 160 ألف فلسطيني قبل بداية الحرب في 2011، تحول بمعظمه الى مجرد أنقاض، ولا يزال الغموض مصير مئات الفلسطينيين، الذين لا يزالون في المخيم. من مخيم إلى مخيم.

يعاني أكثرية التجار في المخيمات من صعوبة تسويق إنتاجهم.

7- ليست أفضل مكان للتسويق
في الجنة تذكارات. في الجنة عهد التميمي، الأيقونة والبطلة. في الجنة عباءات جميلة وتذكارات ومنحوتات وزخرفات، لكن لا تسويق، يقول صاحب متجر لا يحب أن يصرّح عن اسمه. يوجد الكثير من الأشغال اليدوية والمصنوعات الفلسطينية في العديد من المخيمات في لبنان، وتتعدد أنواع الفنون فيها، إنما يعاني أكثرية التجار في المخيمات من ضعف في تسويق إنتاجهم. حتى لو استخدموا الطريقة الحديثة لتسويقه عبر المواقع الإلكترونية، فالكثير من الناس يخافون من الذهاب إلى المخيمات لشرائه، بسبب التنميط الخاطئ في الكثير من الأحيان لتلك الأماكن في لبنان.

العم محمد كان أول من فتح محل "سناك" في المخيم عام 1986.

8- هنا أطيب ساندويش فلافل
محمد أحمد اسكندر ولد في مخيم برج البراجنة عام 1955. لا تفارق الضحكة وجهه، رغم أن كل ما ذكرناه لا يمتّ إلى الجنة بصلة. ففي الجنة، لا عودة إلى الوراء. يبتسم للحياة، بضحكة ممتلئة بالحياة. "وضع المخيم على رجوع. وين الأحسن؟" يسأل. العم محمد كان أول من فتح محل "سناك" سندويشات أثناء حرب المخيمات عام 1986. ففي وقت حوصرت المخيمات الفلسطينية من شتى الأطراف اللبنانية، اضطر إلى بيع محله. ولكنه عاد إلى فتحه مؤخراً: "بدك علبة فول؟ يلعن أبوك،" يقول لولد يدخل المحل.

-"عمو قصدي مسبحة،" يرد الولد.
"ايه هيك بيقولوا"، ويبتسم.
-"توكلي حر عالسندويش؟ يسأل بينما يصنع سندويش الفلافل الأطيب في المخيم. ابتسامات من في المخيّم مستقبل بحد ذاته.

لا تنتهي مأساة اللاجئ بالموت، فهناك مشكلة ضيق مساحة المقابر في المخيمات وعدم امكانية دفن موتى جدد فيها.

9 - إلى الجنة در
كل تلك الصفات لجنة تتعذّب على الأرض لا تنفع من دون الرحلة الأخيرة، تلك التي بات يتمناها بعض الفلسطينيين ومعظم قاطني المخيمات: الموت. إلى الجنة در، يا لاجئ، فحتى المقابر لم تعد تتّسع لك. قبر. اثنان. ثلاثة قبور. أو ربما "باستطاعتنا أن ندفن 6 أشخاص هنا،" يقول أحد عمّال مقبرة مخيم برج البراجنة. هل فكرت يوماً أين يتم دفن اللاجئ الفلسطيني في لبنان؟ هل اللاجئ الميت يحصل على حقوق أفضل مثلاً؟ لا تنتهي مأساة اللاجئ بالموت، فهناك مشكلة ضيق مساحة المقابر في المخيمات وعدم إمكانية دفن موتى جدد فيها. من يموت في مخيم برج البراجنة يأخذوه إلى مقبرة سبلين، جنوب لبنان، وهي منطقة جبلية تبعد عن بيروت 35 كليومتراً. أتذكر أنني قرأت في مكان ما تعليق من فلسطيني يقول أن اختيار هذه الأرض للدفن مناسبة للفلسطينيين كي "يشمّوا الهوا" في الجبل، "فعند كل حالة وفاة نحضر اللحوم المشوية والمرطبات والحلويات، ونشمّ الهوا بعد الدفن بدل تقبّل التعازي."

10- الوطن هو الجنة، نقطة.
هناك من يخاف من ألا يعود الفلسطينيون إلى وطنهم. لا يعلمون أنهم يحلمون بذلك بينما يعيشون في الجنة، فتسلخ عنهم أبسط حقوقهم المعيشية. هم لا يعيشون في الجنة. هم لا يعيشون.

جميع الصور من تصوير زينة ناصر.