الصورة من وليد عادل
"سبايدرمان" اسم إحدى أشهر شخصيات الكوميكس لكنه في الوقت نفسه لقب واحدة من أخطر المهن التي تتطلب تعلق أصحابها على واجهات المباني الزجاجية، على ارتفاعات كبيرة لتنظيفها، لكنها في الوقت نفسه تبدو مهنة غامضة بسبب حداثتها وعدم تسليط الضوء على العاملين بها. وليد عادل (26 عامًا) من القاهرة يخبرنا عن كواليس عمله وصعوباته بالإضافة إلى مخاوفه وطموحاته وهو من يعمل في مهنة يعلم أن الخطأ الأول فيها سيكون الأخير.
VICE عربية: هل يراودك الخوف بسبب عملك في مهنة خطرة تفرض عليك التعلق على ارتفاعات كبيرة طوال الوقت؟
وليد عادل: تحول الأمر من عمل إلى هواية. أصبحت أحب هذا العمل كما لو كان هواية أمارسها بانتظام. لم يعد مجرد عمل. وعلى الرغم من وجود بعض المخاطر بسبب طبيعة العمل، إلا أن ذلك لم يعد يُشكل مصدر قلق لي، وإنما دافع لمراعاة الحيطة والحذر، خاصة مع المباني شديدة الارتفاع "بتفرق لما اشتغل في مبنى 5 أو 6 طوابق ومبنى من 20 طابق."
هل تلقيت تدريبات خاصة للتمكن من العمل في هذه المهنة؟
تلقيت تدريبي بشكل عملي وسط زملائي، لكن لم أخضع لأي تدريب متخصص. عَلمت لاحقًا أن هناك جهات في مصر متخصصة في مثل هذا التدريب وتمنح شهادات معتمدة، لكني لم أتمكن من الالتحاق بمثل هذه الجهات. يُمكنك القول أنني تلقيت تدريبًا ذاتيًا، كنت أرصد وأراقب زملائي الأكثر خبرة كيف يقومون بكل شيء، وأعمل على تطوير نفسي حتى أصبحت خبيرًا بالعمل.
هل تعرضت لأي حوادث خلال العمل؟
تعرضت لحادث وحيد خلال عملي على تنظيف واجهة أحد المباني بمدينة مرسى مطروح (شمال غربي مصر). بعد أن انتهيت من الجزء العلوي وخلال هبوطي وطأت سقف زجاجي لمقهى يقع في الطابق الأول فتحطم الزجاج وسقطت عبره على ارتفاع 3 أمتار. أُصبت بكدمات لكن "الحمد لله جات سليمة." تعلمت من هذا الحادث أن أوجه كل تركيزي للعمل، وأنا انتبه جيدًا لموطئ قدمي، فضلًا عن عدم قيامي بفك حزام الأمان أبدًا إلا عندما أتأكد أنني أقف على الأرض.
هل تواجه أي صعوبات بخلاف طبيعة العمل الخطرة؟
لا يُصعب علي العمل إلا عامل الأمان، عدم وجود مكان مناسب لربط الحبل على سبيل المثال، أو عدم تيقني من قدرة نقطة تثبيت الحبل على تحمل وزني. بخلاف ذلك أي شيء آخر سهل بالنسبة إلي. أما إجراءات التأكد من ذلك فتتلخص في معاينة المبنى المطلوب العمل فيه، أصعد للسطح وأبحث عن النقاط الصالحة لتثبيت الحبال بأمان، والتأكد من جميع معايير الأمان لجميع أفراد العمل معي، إذا تأكدت من أنها مناسبة أتفق على العمل فوراً، أما إن كانت خلاف ذلك فأبحث عن حلول تساعد على إنجاز المهمة وضمان الحد الأقصى من الأمان، مثل الاستعانة بـ "السقالات المُعلقة"، أو السلالم الرافعة، أو عبر النوافذ باستخدام عصا طويلة. توفير معدات العمل المناسبة كذلك صعوبة أواجهها، لكنني أتغلب على ذلك بالحد الأدنى المناسب منها، حبل قوي، وماكينة رفع، بالإضافة إلى حزام الأمان.
ما رأي عائلتك في عملك.. هل يشعرون بالقلق عليك أو يطالبونك بالبحث عن عمل آخر؟
يحدث ذلك دائمًا، فلا تتوقف مطالبات الأهل والأصدقاء لي بالتوقف عن هذا العمل والبحث عن آخر أكثر أمانًا "بيقولوا الشغل دا صعب وخطر بلاش منه وحاول تشوف بديل." وحتى العملاء كثيرًا ما يبدون تخوفهم من خطورة العمل ويسألون لماذا لا أبحث عن عمل آخر، فيكون ردي أنني لا أمتلك بديًلا، هذا العمل الذي أعرفه، وهو الأنسب لي بسبب الشغف، بالإضافة إلى أنني لا أمتلك مؤهل تعليمي، إذ اضطررت لترك الدراسة في المرحلة الابتدائية لأعمل وأعيل أسرتي.
حدثنا عن أعلى مبنى عملت على تنظيفه، ماذا كان شعورك وكيف سار الأمر؟
أعلى مبنى كان في منطقة المنشية بالإسكندرية بارتفاع 20 طابقًا. شعرت بالرهبة عند رؤيته في بداية الأمر، إذ لم يتعد نطاق عملي قبلها 12 أو 13 طابقًا، لكن الأمور سارت بشكل جيد بعدها. "عملنا على تأمين أنفسنا قدر الإمكان، وتوزعت أنا والعاملين معي على واجهة المبنى، وبمجرد بدأي في العمل تبددت الرهبة، وكنت على قدر المطلوب. الآن أصبحت مثل هذه الارتفاعات أمر اعتيادي بالنسبة إليّ.
كيف تتأكد من أنك بأمان وانت معلق بين السماء والارض؟
الأمر الاكثر أهمية هو مراعاة عوامل الأمان. "لازم تكون مأمن نفسك 100%، تربط الواير كويس، تفحص الحبل قبل ما تبدأ شغل ممكن يكون في قطع أو مشكلة في أي جزء منه، إحنا شغلتنا (الوقعة بموتة)". إلى جانب ذلك يجب أن تكون على درجة عالية من التركيز، "لازم تكون منتبه بالكامل لشغلك وأنت متعلق في الهوا. متفكرش في أي حاجة تاني، أمانك وأمان الناس اللي معاك مهم، كمسؤول عن الفريق لازم تكون متطمن على كل واحد قبل ما يتحرك خطوة واحدة من على السطح وينزل. الغلطة الأولى هتكون الأخيرة في الشغلانة دي بالذات، وناس كتير جدًا بتموت فيها". آخر حادث لزملاء في المهنة كان منذ حوالي أسبوعين في حي الدقي، سقط أحدهم من الطابق السابع وتوفي في الحال.
طبعاً أنت لا تشعر بالخوف من المرتفعات. هل لديك مخاوف أخرى؟
أخاف من السرعة، "لو راكب عربية مثلا وسريعة بتقلقني وممكن اتخانق مع اللى سايق." أخاف من الحشرات جدًا، لو ظهرت أمامي حشرة وأنا على ارتفاع عال أتماسك بصعوبة، "تقدر تقول عندي فوبيا من الحشرات." بخاف كمان من المستقبل، أنا عايش في مصر وشايف الحياة، دا بيخليك مش عارف إيه اللي جاي. خايف منه ومش عارف هييجي إزاي. أنا عندي 26 سنة، مش عارف أخطب لأسباب مادية، مش عارف أجيب شقة، مش عارف اتجوز، والجاي رايح، فلازم أكون خايف من المستقبل.
فيما تفكر وكيف تنظر إلى العالم من فوق؟
يتطلب عملي التركيز طوال الوقت، خاصة حينما أكون معلقًا بالهواء، لكن هناك أفكار تراودني بالتأكيد، تمر على رأسي لكن لا يمكن أسمح لها بتشيت انتباهي. أكثر ما أفكر فيه كلما كنت معلقًا على واجهات المباني عائلتي، أشعر بالمسؤولية تجاههم وأفكر أنه لا يمكنني أن أصاب بمكروه جراء عملي من أجلهم فأعود للتركيز في العمل مرة أخرى. أما نظرتي للعالم من أعلى فمختلفة تمًامًا، الأشياء تبدو أصغر كثيرًا، التفاصيل الدقيقة تختفي، وحتى ضجيج الشارع المزعج لا يبدو كذلك من الأعلى. يُشعرني الأمر بالاستقلال والحرية.
هل فكرت في البحث عن عمل آخر؟
لم يحدث هذا حتى الآن. كما أسلفت أصبحت أشعر بأنني أفضل خلال تعلقي على واجهات المباني، أرى أن هذا العمل يجعلني مختلفًا. وبدلًا من البحث عن عمل مختلف أفكر في توسيع نشاطي وتطوير أدواتي والحصول على معدات أحدث وأكثر أمانًا. لو تمكنت من ذلك لا أعتقد أنني قد أفكر في تغيير مهنتي، على العكس.
