سائق قطار يروي شعور أن تدهس أحدهم

الصور من التقاط غراي هاتون

صحة

سائق قطار يروي شعور أن تدهس أحدهم

"ما زال بإمكاني سماع الضربة ورؤية الدماء. سيرافقني ذلك طوال حياتي"
27.8.17

نشرت هذه المقالة في الأصل على صفحة VICE ألمانيا

عند وقوع حادث وفاة على سكك القطارات في ألمانيا، تطلق شركة السكك الوطنية دوتشي على الحادث عبارة personenschaden وتعني "ضرر لحق بشخص"، مصطلحٌ رصين وبيروقراطي نوعاً ما لوصف حقيقة صادمة وفوضوية ودموية، وغالباَ ما يحمل سائق القطار المتواجد وقت الحادث الصدمةَ طوال حياته أو حياتها.

يقول مايكل ديتمان، رئيس اتحاد سائقي القطارات في كولونيا، بأن سائقي القطارات في ألمانيا يواجهون حادثتي وفاة متعلقة بالسكك الحديدية بالمتوسط خلال فترة عملهم، بعضها حوادث والأخرى انتحار.

إعلان

بيتر غاتواسر (54 عاماً)، عمل كسائق قطارات في برلين لمدة 20 عاماً واختبر بشكل مباشر ثلاث حالات وفاة على خط السكك الحديدية. اليوم، يعمل غاتواسر كمعالج نفسي ويعيش حياته مع زوجته وقطتيهما في أطراف برلين. زرته هناك للحديث عن شعور سائق القطار عندما يدهس أحدهم.

بيتر جاتواسر في منزله مع إحدى قطتيه. الصور من التقاط غراي هاتون.

يقول بيتر: "أكثر تجارب حياتي فظاعة كانت عندما صدمت طفلين في نفس الحادث في تشرين الأول / أكتوبر 1996. كان ثمة ولدان صغيران، أحدهما في الثالثة والآخر في السادسة، كانت الساعة الواحدة ظهراً وكانت آخر رحلة في نوبة عملي يومها، عندما ركضا فجأة على سكة الحديد للعب هناك. سحبت المكابح وشغّلت إشارة التحذير، لكن كان قد فات الأوان. عندما رأى الأولاد القطار أصيبوا بحالة صدمة؛ تجمّدوا أمامي. سمعت صوت ضربة مدوّية، وبعد ما بدى كأنه قد مر 100 ثانية، توقف القطار أخيراً. خرجتُ ولكني لم أر شيئاً في البداية، لكن عندما مشيت للوراء قليلاً، كان هناك بركة ضخمة من الدماء وسمعت أنيناً. كلاهما تأذى على نحو خطير. سألني الأخ الأكبر ما إذا كنت أملك ضمادة من أجل أخيه. عدتُ إلى حجرة قيادة القطار لأخذ حقيبة الإسعاف الأولي والاتصال بخدمات الطوارئ، لكن عندما عدت، حاولوا الهرب فجأة – في حالتهم البليغة. تمكّن الإسعاف من أخذهم. علمت لاحقاً أن الأخ الأصغر قد فارق الحياة جراء إصابته. لقد وقع تحت القطار وجرّ أخاه معه. لست واثقاً تماماً أن الولد الأكبر قد نجى – ولكن لابدّ أنه عانى الكثير من الإصابات الداخلية".

بعد مضي 20 عاماً، ما زال ضجيج ذلك اليوم وروائحه يلازمان بيتر. يقول: "ما زال بإمكاني سماع الضربة عندما اصطدم الصبي الصغير بالقطار، ما زلت أرى الدماء, سأحمل ذلك معي طوال حياتي، لكني تعلمت أن أتحكم به. أطلقتُ على الصبي اسماً خاصاً اخترته له لأتمكن من حصره في مكان ما في ذاكرتي ثم المضي قدماً بحياتي".

إعلان

وقع أول حادث لبيتر خلال عمله كسائق قطار، في شهر حزيران / يونيو من عام 1990، عندما حاولت امرأة فتح باب القطار بعدما همّ بالحركة، فعلقت بين القطار ومنصة الركاب. في تلك الأيام، كان من الممكن فتح أبواب القطار أثناء حركته. يقول بيتر: "لقد طحنت، حرفياً. كنتُ في حالة صدمة. حاول عقلي إقناعي بما حدث، لكن مشاعري صدّته. كنت قد تحدثتُ إلى تلك المرأة على منصة الركاب قبل موتها بلحظات".

في حادثة أخرى، توفي شخص آخر خلال نوبة عمل بيتر، لكنه لم يلحظ ذلك إلا لاحقاً. " كان يتسلق سقف القطار عندما اصطدم بلوحة إشارات ومات. لم تكن لديّ أدنى فكرة، عندما وصلت المحطة التالية سألني أحد أفراد الشرطة الفدرالية إن كنت قد لاحظت أي شيء. كان الشاب في الـ 22 من عمره، وفي تلك السنّ عليك أن تعي ما تفعل. لأكون صادقاً، لقد كنت غاضباً ولم أشفق عليه".

كانت كل حالات الوفاة التي واجهها بيتر عبارة عن حوادث، لكنه شهد انتحاراً واحداً على السكة خلال واحدة من نوبات عمله، عندما قفز رجل أمام قطار آخر على السكة المجاورة. سحق القطار الأول جسم الرجل دافعاً إياه باتجاه قطار بيتر. يقول: "حطّ ما تبقي منه على الزجاج الأمامي للقطار الذي أقوده. لقد كان كابوساً، كانت غريزتي الأولى أن أشغل ماسحات الزجاج الأمامي، عليك أن تكون واقعياً في هكذا مواقف، يزعجني للغاية الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار على سكك القطار، لماذا تجرّ الآخرين معك في بؤسك؟"

لم يتلقّ بيتر أي مساعدة نفسية بعد حوادث الوفاة التي واجهته. "في كل مرة، كان عليّ أن أقود القطار المُدمى إلى ساحة القطارات وتنظيفه بنفسي". ولهذا السبب أنشأ مع زميل له مجموعة إرشادية لسائقي القطارات في أواخر التسعينيات. نجد اليوم أن السائقين يعطون اهتماماً أفضل بعد وقوع حوادث الوفاة. يتولى الزملاء دورهم في نوبة العمل، فيما تُعرض المساعدة النفسية على السائق المتأثر بالحادث.

يعالج الأخصائي النفسي ويلفريد إيختروف الذين تعرضوا لحوادث موت آخرين خلال تأديتهم لأعمالهم. يعلم جيداً أن تلك التجارب يمكن أن تترك لديهم صدمات نفسية طويلة الأمد. يشرح: "بعضهم لم يسبق له أن واجه الموت، أن يواجهك الموت فجأة بهذا الشكل العنيف، يمكن أن يؤدي لاضطراب ما بعد الصدمة أو لاكتئاب حاد جداً". يعتقد إيختروف أن الحديث عن الحوادث قدر المستطاع له أن يساعدهم في إيجاد طريقة للبدء من جديد.

لقد حصل ذلك مع بيتر غاتواسر، إذ تقبّل الموت كجزء من حياته. يقول: "حين تكون سائق قطار، هناك واقع لا مفرّ منه، أنّ أحدهم سيفكر بالقفز أمام قطارك. لكن عليك أن تبعد نفسك عن حالات الوفاة لتحمي نفسك. لقد مات هؤلاء الأشخاص، ليس بيدي فعل أي شيء لتغيير ذلك. التعامل مع الموت عملية طويلة، وقد حاولت فيها جاهداً. أعتقد أن اهتمامي بالمواضيع الفلسفية منذ الصغر قد ساعدني. كما عليك النظر للموت بطريقة فكاهية أيضاً. مهما كان الموقف صعباً، عليك أن تكون قادراً على السخرية منه بطريقة ما".

حقيقة أن بيتر ترك عمله كسائق قطار ويعمل حالياً كمعالج نفسي لا علاقة لها بالحوادث التي واجهها. يقول: "بدأت العمل كسائق قطار لأسباب مالية ولأنه منحني شعوراً بالحرية؛ كان مذهلاً. لكنّ ساعات العمل كانت طويلة جداً، و تتعارض مع تخصيصي وقتاً لعائلتي. لطالما أردتُ أن أكون معالجاً، أحبُّ مساعدة الناس. ما زلتُ أفكر بالأشخاص الذين رأيتهم يموتون على السكك أمامي، لكني لا أشعر بالذنب. لم أقم بأي خطأ، كنت أقوم بعملي وحسب".