سياسة

سألنا خبير سياسي عن تطورات الأزمة السياسية في تونس

التوافق الحالي بين النهضة ونداء تونس هو مغشوش وقائم على مصالح ضيقة
25.7.18

السلطة للشعب، جرافيتي في العاصمة التونسية، الصورة من فليكر

تعيش تونس على وقع أزمة سياسية خانقة باتت تهدد مستقبل أول تجربة ديمقراطية ناشئة في العالم العربي، وتنذر بانفجار اجتماعي واقتصادي في ظل تجاذبات سياسية حادة بين الأحزاب الحاكمة واختلاف المواقف بين الحزبين الرئيسين النهضة والنداء حول بقاء رئيس الحكومة من عدمه وصراع محموم على السلطة بين حافظ نجل الرئيس الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد من جهة أخرى لم يخل من اتهامات متبادلة بين الرجلين. وكان حافظ قائد السبسي -نجل الرئيس والمدير التنفيذيّ لنداء تونس- نشر تدوينة عبر صفحته الرسميّة على "فايسبوك" في مايو أكد خلالها على ضرورة رحيل الحكومة ورئيسها واصفا إياها بالفاشلة، ليرد عليه يوسف الشاهد في كلمة متلفزة بعد ذلك بأيام ويصرح بأن "حافظ قائد السبسي دمر حزب نداء تونس وقاده من هزيمة إلى أخرى."

إعلان

الأزمة بلغت ذروتها بعد دعوة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة لتقديم استقالته أو التوجه للبرلمان لنيل الثقة مرة أخرى خلال لقاء تلفزيوني محملاً مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد ليوسف الشاهد ووزراءه. أما الشاهد فيرفض تكرار سيناريو رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد الذي تمت إقالته بمقترح من رئيس الجمهورية وبعد المرور إلى البرلمان ليتم حجب الثقة عن حكومته في 30 يوليو 2016 بعد أقل من سنة ونصف على توليه الحكومة.

وحول خروج الرئيس عن صمته ودعوته الصريحة الشاهد للاستقالة أو التوجه للبرلمان لنيل الثقة - التي اعتبرها مراقبون للشأن السياسي في البلاد بأنها منعرج سياسي خطير في علاقة رئيس الدولة برئيس الحكومة، وغيرها من التطورات الحاصلة في المشهد السياسي بتونس تحدثنا إلى الدكتور سامي جلولي، المحلل السياسي ومدير مركز جنيف للسياسة العربية.

VICE عربية: كيف ترون دعوة رئيس الجمهورية ليوسف الشاهد للاستقالة أو التوجه للبرلمان لتجديد الثقة في حكومته؟
الدكتور سامي جلولي: طلب رئيس الدولة من رئيس الحكومة الاستقالة أو التوجه للبرلمان لطلب تجديد الثقة، يمكن فهمه من عدة جوانب، أهمها فشل الشاهد في إحداث النقلة النوعية في إدارة البلاد، يوسف الشاهد كان لديه رغبة في الترشح للانتخابات الرئاسية، وإن كان حقا دستورياً، إلا أنه يعتبر دعاية مجّانية في غير وقتها، وكان ذلك على حساب العمل الحكومي وهو ما ساهم في تشتيت التركيز والحياد عن الهدف الأساسي من رئاسته للحكومة. أعتقد أن رئيس الحكومة الحالي قد فشل في إحداث الإصلاحات اللازمة، واستغلّ فترة حكومته لتلميع صورته السياسية خاصة وأننا نعلم أن الشاهد لم يكن شخصية مشهود لها بالكفاءة السياسية فقد لعبت العديد من الظروف في إظهار هذا الرجل والدفع به إلى دفة الحكم دون الأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل موضوعية تمرّ بها البلاد وتستوجب وضع خطة استراتيجية للقيام بإصلاحات كبرى.

البعض يعتبر أن الأزمة السياسية في تونس هي أزمة حكم بالأساس وصراع على السلطة وتحديداً على من سيكون الرئيس في 2019؟ هل تساند هذا الرأي؟
في الواقع، الأزمة السياسية أعمق من ذلك بكثير وإن كنت أضع في الحسبان ما ذكرته حضرتك بخصوص الصراع الدائر على منصب الرئيس في 2019، الأزمة تتعلق أساساً بشكل الدستور وبنوعية نظام الحكم الذي أعتبره مكبح أساسي لعرقلة أي مسيرة تقدم في تونس. أوّلا، الدستور التونسي يحوي الكثير من المعوقات في شكل ألغام، فهو لم يفصل أو يحدد مسألة الحكم بطريقة واضحة، لا تقبل التأويل أو الغموض، فالعديد من مواده متضاربة أحياناً ويكسوها الغموض أحياناً أخرى إلى حدّ التصادم.

من يتحدث عن التوريث أعتبره مغال في طرحه أو يحاول أن يوهم العامة بأشياء لن يكون بالإمكان تحقيقها اليوم

ثانيا، نحن اخترنا النظام البرلماني وهو نظام وإن كان يمثل أرقى الأنظمة ديمقراطية من حيث ضمان المشاركة في صنع واتخاذ القرار إلا أنه لا يستجيب للشروط الموضوعية الواجب توفرها لنجاحه في تونس، هذا النظام يستوجب وجود دولة هادئة تتوفر فيها حدود دنيا من التطور والاستقرار السياسي، الاقتصادي والاجتماعي وشعب تربى على العمل التشاركي وعلى الديمقراطية المحلية، وهو ما كنّا نفتقده في تونس. بالإضافة إلى ذلك، أنه منذ 2011 دخلنا في فوضى سياسية نتيجة صراعات لم تتعلق أساسا بالبحث عن حلول استراتيجية لوضع اقتصادي واجتماعي هشّ بل البحث في قضايا هامشية أو مبكّرة وهو ما شتّت وأنهك الدولة والقوى الحية في البلاد التي وجدت نفسها في كثير من الأحيان تخوض صراعات بالوكالة.

هناك اتهامات لرئيس الجمهورية بأنه يسعى لتوريث ابنه الحزب والدولة وبتغليب مصالحه العائلية على حساب مصلحة الدولة.
من يتحدث عن التوريث أعتبره مغال في طرحه أو يحاول أن يوهم العامة بأشياء لن يكون بالإمكان تحقيقها اليوم. كان يمكن أن يكون الحديث عن التوريث مقبولا لو حدث ذلك قبل 2011 مثلا، لكن اليوم هناك صندوق وهناك مجتمع مدني قوي وهناك قوى ضغط متمكنة يمكنها مراقبة والتصدي إلى مثل هذه النوعية من الأعمال.

ماذا عن العلاقة بين حزب النهضة ونداء تونس؟ وهل تعتبر أن التوافق بين الحزبين هو أحد أسباب الأزمة التي تعيشها البلاد أم عامل استقرار وتوازن سياسي؟
نعم التوافق لا يزال قائماً، ولكنني أعتبر أن هذا التوافق بين النهضة والنداء في الحكم وفي تسيير دواليب الدولة من خلال الكتلتين البرلمانيتين للحزبين هو أحد أهم أسباب الأزمات التي تعيشها البلاد، لأنه توافق مغشوش ومبني فقط على مصالح سياسية ضيقة بين الحزبين من خلال تمرير قوانين في البرلمان ترضي الطرفين على حساب مصلحة الشعب. نحن لا نعرف من يحكم البلاد وهو من وجهة نظري ليس عامل استقرار ولا توازن سياسي، بل مثّل انهاكا لمقدرات ومجهودات الدولة في استرجاع الحدّ الأدنى من عافيتها.

الموضوع لا ينحصر في أزمة واحدة ولا يتعلق بتغيير رئيس حكومة بآخر، بل بمنظومة حكم كاملة، هناك نشاز وتداخل داخلي وخارجي في السياسة التونسية بمختلف أركانها

برأيك ماهي السيناريوهات المتوقعة للأزمة السياسية خلال الأيام القادمة؟
حقيقة، هناك أزمات في البلاد والموضوع لا ينحصر في أزمة واحدة ولا يتعلق بتغيير رئيس حكومة بآخر، بل بمنظومة حكم كاملة، هناك نشاز وتداخل داخلي وخارجي في السياسة التونسية بمختلف أركانها. الغالب حسب تقديري أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد يستقيل عوض الذهاب إلى البرلمان، فتجربة سلفه الحبيب الصيد ماثلة أمامه وسيكون خروجه من الباب الصغير خاصة وأنه يعتزم نظرياً التقدم للانتخابات الرئاسية المقبلة، قد يمثل ذلك انكسارا نفسيا لو اتجه للبرلمان والأرجح أن البرلمان لن يجدد له الثقة، وما تظهره النهضة الآن من تمسّك برئيس الحكومة بحجة حفاظها على الاستقرار السياسي قد تظهر عكسه لو اتجه الشاهد إلى البرلمان. من جهة أخرى رئيس الدولة يريد أن يتملّص من مسؤولية تطبيق الفصل 99 (الذي يتيح له أن يطلب من مجلس النواب التصويت على الثقة في الحكومة) لعدم الوقوع في إحراج وكأنه هو السبب الرئيس في إقالة الحكومة ورئيسها، السبسي لا يريد أن يظهر وكأن الصراع شخصي عائلي في ظل الاتهامات المتبادلة، الدفع بالشاهد نحو البرلمان هو للتخلص منه بطريقة جماعية خارج إطار حكم الرئيس وإكراهات "العائلة" والذي إن حدث سيفهم على أساس أنه قرار صدر لتصفية حسابات ضيقة.

هل فعلا بات مسار الانتقال الديمقراطي مهدداً في تونس وهل أن المخاوف التي طرحتها منظمات مدنية لمراقبة الانتخابات من عدم بلوغ الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في 2019 جدية؟
نعم المسار الديمقراطي في تونس بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى في ظل فشل منظومة الحكم الحالية، كما سبق وبيّنت أن أزمة تونس متعددة ومتشابكة، ما الفائدة من إجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية في 2019 إن كان ذلك سينتج نفس منوال الحكم ونفس المشاكل؟ بمعنى، سنحاول إحداث تغيير على مستوى الشكل لا على مستوى الأصل وهو البحث في تغيير نظام الحكم الذي أثبت فشله عوض الإصرار على مواصلة الحكم وفق منظومة متخلّفة ومتهالكة ستؤدي بنا إلى الإفلاس والانهيار.