سعادة
فليكر
رأي

توقف عن طلب السعادة!

لديهم جواب على أي حجة قد تلقيها في وجههم. إذا قلت لهم، ولكن لا مال لدي للاشتراك في الجيم، يقولون لك إركض في الشارع
29.8.18

منذ فترة طويلة بعض الشيء، شاهدنا موجة من الحديث عن الإيمان بالنفس، والتفكير بإيجابية، والسعي لتحقيق السعادة الشخصية، ودعوات للتغيير تبدو من الخارج مدهشة وممكنة ولكنها في الواقع فارغة. دعوات من قبيل استقل من العمل الذي لا تحبه وابدأ مشروعك الخاص، اعترف للشخص الذي تحبه بذلك حتى لو لم يكن يبادلك نفس المشاعر، انضم الى نادٍ وابدأ بتغيير نظامك الصحي. أين ما أدرت وجهك ستشاهد أو تقرأ مقابلة مع أحد الأشخاص "المؤثرين" و"الناجحين" يتحدثون عن أن نجاحهم كان بسبب إيمانهم بأنفسهم، سيقولون لك إن المشكلة فيك، وأنك إذا عَملت أكثر، ساعات أطول (براتب لا يناسب 3 ساعات عمل)، اذا خففت من وزنك (أو زدته)، إذا صرفت أموالك على السفر بدل مشاهدة التلفزيون (وكأن الحصول على الفيزا بتلك السهولة)، إذا وضعت ماكياج أكثر (أو أقل)، ستتحسن أمورك وتتغير حياتك. طبعاً، لديهم جواب على أية حجة قد تلقيها في وجههم. إذا قلت لهم، لا مال لدي للاشتراك في الجيم، يقولون لك اركض في الشارع (شارع ايه يا ام شارع، في الشارع متحرشين وكلاب تايهة، وخنقة سيارات، شارع ايه؟). اذا قلت لهم أنني لا أعمل أصلاً كي أستقيل من عمل لا أحبه، يقولون لك أن بطالتك هي فرصة كي تكتشف شغفك الداخلي. وإذا أجبتهم أنك شخص بلا شغف، وكل ما تريده هو راتب آخر الشهر، يلومونك على كونك بلا طموح.

عدم حصولك على وظيفة، هو ليس لأنك لم تبحث جيداً، بل له علاقة بعدم نجاح الحكومة ( وأيضاً القطاع الخاص) في توفير الوظائف أو عدم وجود واسطة

هذا الكلام "الايجابي/التحفيزي" كله bullshit إسمحوا لي بالقول، وطبعاً هذا رأي شخصي، للتوضيح قبل أن ترفعوا حواجبكم/ن رفضاً. الأمور لن تتحسن إذا حَسنت من نفسك (بالضرورة)، هدف هذا الكلام هو رمي المسؤولية كاملة على المواطن، بدلاً من الحكومة المسؤولة عن توفير حياة جيدة لمواطنيها، من تعليم وصحة وعمل وشوارع وطعام. خسارتك 5 أو عشرة كيلو لا تعني أنك ستحصل على وظيفة الحلم في بلد يعاني من البطالة والحروب. أن تستيقظ بابتسامة على وجهك بالصباح لا يعني أن يومك سيكون رائعاً، وأن مديرك في العمل سيتوقف عن التقليل منك أو التحرش بك. الإيمان بالنفس وتوقع الأفضل وغيرها من الكلمات التحفيزية هدفها بطريقة غير مباشرة أن تقول أن المشكلة فيك، فينا، وليس مشكلة أنظمة ديكتاتورية وسياسات اقتصادية فاشلة وقوانين قديمة وغير منصفة. عدم حصولك على وظيفة، هو ليس لأنك لم تبحث جيداً، بل له علاقة بعدم نجاح الحكومة ( وأيضاً القطاع الخاص) في توفير الوظائف أو عدم وجود واسطة. الوزن الذي لا تستطيع انقاصه، قد يكون له علاقة بأكلك بيتزا في آخر الليل، وبدرجة أكبر عدم وجود خيارات صحية رخيصة في السوق. عدم تمكنك من الزواج أو شراء بيت أو سيارة، لا يعني أنك شخص فاشل، لكنه مرتبط بالتضخم والضرائب المرتفعة وغلاء الأسعار. أنت كشخص، نحن كشعب، لسنا المشكلة. الحكومات هي المشكلة. التركيز على التفكير الأيجابي وكل تلك الأقوال المأثورة التي تضعها على التايم لاين خاصتك، لن يحل مشاكل الكون، ولن يوصلك الى السعادة.

السعادة ليست أهم من أي مشاعر أخرى كالحب، والتعاطف، والرغبة بالانتقام

شو أهمية السعادة؟ هنا نضع يدنا على المشكلة الأساسية، برأيي أن هناك توجه لإقناعنا، نحن "المعترين" أن السعادة هي هدف يجب أن تعمل وتطمح للوصول إليه، وأن السعادة تنبع من الداخل وليس من الخارج. انو جد؟ من الذي قرر فصل الداخل عن الخارج؟ أي شخص يقول لك أن سعادتك أو تعاستك تنبع من الداخل، اشطبه من حياتك، فوراً. لا شيء ولا أحد مفصول عن الواقع، سواء الأزمة في الشارع في طريقك للعمل، أو صوت فيروز من محل مناقيش قريب، كلها عوامل تحدد كيف ستشعر ذلك النهار، أهلك، بيئتك، لون عينيك، طريقتك بالكلام، فشل دولتك في إدارة أمورها، كلها عوامل تحدد مصيرك وخياراتك (أو عدمها). قد يرى أحدهم أن الوضع الاقتصادي الصعب مثلاً فرصة لكي لا يفعل شيئاً، ليتوقف عن المحاولة، وقد يرى آخر فيه تحدٍ للمحاولة بشكل أكبر. هذه في النهاية خيارات وشخصيات، ولكنها لا تغير من وجود مشاكل اقتصادية مثلاً. أما الحديث عن البحث عن السعادة، فهذا كما يقال "ترهات." السعادة هي مجرد إحساس مثلها مثل أي إحساس آخر، مجرد "مشاعر" على رأي شيرين. وهي ليست أهم من أي مشاعر أخرى كالحب، والتعاطف، والرغبة بالانتقام. جميعها مشاعر مهمة بنفس الدرجة. ولكن تم وضعها في مرتبة أعلى بعد اكتشاف النظام الرأسمالي والإعلاني أنه من الممكن الربط بين الاستهلاك ومدى شعورك بالسعادة، وتم إقناعنا (بالوعي واللاوعي) بأن شراء واستهلاك المزيد -من الملابس، السيارات، المجوهرات،.. سيجعلك سعيداً.

السعي نحو السعادة، ربط كل شيء بالتفكير الإيجابي، والمحاولة مرة بعد أخرى، ولوم نفسك مرة بعد أخرى، ليست طريقة للحياة. كيف تعيش حياتك؟ لا أستطيع مساعدتك، ولكن ما أستطيع تقديمه هو بعض الدراسات التي قد تجيب على أسئلتك الفلسفية في الحياة. لنبدأ اولاً بالأهم: لا تستمع لأي من أصدقائك الذين يلقون اقتباسات ملهمة لكُتاب معروفين خلال حديثهم، أو يملؤون التايم لاين على فيسبوك أو تويتر بتلك motivational quotes والتي تأتي عادة بالانجليزية مع صورة لفتاة تقفز في الهواء (لماذا يجب أن تكون فتاة أصلاً، ولكن هذا موضوع آخر). تعلم ما أعني، تلك الاقتباسات من نوع "آمن بنفسك حتى عندما لا يؤمن بك أحد" (وكأن هذا سيحل أي مشكلة). أو إليك اقتباس آخر "أمور رائعة ستأتي في نهاية الطريق، كل ما عليك فعله هو عدم التوقف." ماشي، قد يكون هدف هذا الاقتباس هو الدعوة للأمل، وأن هناك ضوء في نهاية النفق، ولكن كم واحد رأى هذا الضوء، ها؟ وعن أي نفق نتحدث وهل هو نفق واحد؟ نفق العمل، أم المال، أم الحب؟ إذا كانت بداية الطريق لا تبشر بالخير، يمكن أحسن تعرف متى تتوقف وتغير الطريق. المهم، أولئك الأشخاص الذين "يدوشونك" بالاقتباسات الملهمة ليسوا بذلك الذكاء، آسفة لإخباركم بهذا، وهذا ليس رأيي (ولكن لا أدعي أنني استغربت) فقد اكتشفته دراسة كندية من جامعة واترلو أشارت إلى أن الأشخاص المشهورين بنشر اقتباسات ربما يكونون "أغبياء،" فكما تَدعي الدراسة هناك علاقة متبادلة بين الذكاء المتدني وبين التأثر بسهولة بما يبدو وكأنه اقتباس عميق.

نأسف للازعاج، ولكن نشر هذه الإقتباسات لا يفيدك، ما يفيدك حقيقة هو "النميمة" gossip. هذه العادة ليست جميلة فقط ولكن مفيدة أيضاً، وهناك دراسة تؤكد ذلك (انو جد من يقوم بهذه الدراسات؟)، فقد اكتشف علماء من جامعة بافيا في إيطاليا أن الدماغ يطلق نسبًا كبيرة من هرمون الأوكسيتوسين (هرمون المتعة) عندما نقوم بالنميمة مقارنة مع أي شكل آخر من المحادثة." اذن، على عكس كل الصور السلبية عن النميمة، تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، ناتاسكيا بروندينو، أن النميمة تخدم وظيفة اجتماعية مفيدة (قلت لكم): "هي تقريب الناس من بعضهم البعض بشكل أكبر، ويمكن أن تساعدنا في معرفة من يجب أن نثق به، لأننا نستطيع سماع معلومات عن أشخاص لا نعرفهم من مصادر موثوقة." لست متأكدة من كوننا نحن "النمامين" "مصادر موثوقة" ولكن وصلت الفكرة.

الدراسة الأخيرة التي أود مشاركتها معكم تقول أن السعي إلى السعادة يمكن أن يكون سلبياً، وأن أولئك الأشخاص الذين يقيسون كل شيء بمدى شعورهم بالسعادة ينتهون عادة بالشعور like crap وأنه "كلما قدر الناس السعادة أكثر، كلما زاد احتمال شعورهم بالإحباط." الحل ليس الاكتئاب طبعاً، ولكن كما كانت تقول جدتي: "الزائد أخو الناقص" وهي تعني محاولة موازنة الأمور، شوي من كل شي، شوية سعادة وشوية حزن، وشوية نميمة، وشوية محاولات لتصحيح هذا العالم. التغيير لن يحصل اذا غيرت من نفسك فقط، لا تقسو على نفسك. هناك الكثير الكثير من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجغرافية المرتبطة بك وبما يمكنك أن تكون. قصص النجاح التي تسمعها لا تقول كل الحقيقة. نصيحتي في النهاية هي -لا تستمع لنصيحة أحد. يوم سعيد.

Tagged:سعادة