رأي

كذبة نيسان لا تعني لي شيئاً، وهذه ليست كذبة

في هذا اليوم، ستحاول أمي أن تقنعني أنّها حضرت لي أكلتي المفضلة لتخدعني بطبخة "بامية"
غوى أبي حيدر
Beirut, LB
1.4.19
كذبة نيسان

شترستوك/أمير ضو

أتلقى اتصالاً من صديقٍ لي يعمل في مجال الدعايات والسوشيال ميديا: "أريد فكرة جديدة غريبة ومضحكة لكذبة نيسان." تباً، لقد حان موعد الكذب السنوي. بالنسبة لي، أرى كذبة نيسان كيوم مصغر ومبسط من فيلم The Purge؟ أعلم تماماً ماذا سيحدث خلال اليوم، كل ما سيحدث هذا اليوم. أولاً، سنقرأ مقالات عديدة عن تاريخ هذا اليوم، ومن هو أول من فكّر أننا بحاجة ليوم للخداع أو الكذب؟

ثانياً، علينا أن نتحمل منشورات صديقنا الذي يزعم أنّه يتمتع بحس فكاهة أعلى من غيره على فيسبوك وهو يحاول أن يخدعنا بكذبة جيدة. سيضحك البعض بينما يستغل الآخر الفرصة لتذكيره لم هو تافه لا أكثر.

إعلان

ثالثاً، ستحاول أمي أن تقنعني أنّها حضرت لي أكلتي المفضلة لتخدعني بطبخة "بامية."

رابعاً، ستحاول الكثير من الشركات أن تستغل هذا اليوم بتعزيز تواجدها الالكتروني من خلال نكات مكررة لا قيمة لها.

خامساً، سيكون هناك من يذكرنا أنّه ضد مبدأ كذبة نيسان "عأساس الصدق دابحهن طول السنة."

في هذا العصر الذي نعيش فيه، الذي أصبح الكذب فيه عادياً ومتوقعاً، هل فعلاً لدينا الوقت لنخطط لكذبة قوية سيقع بها جيل الـ Up-to-date؟ الشخص الوحيد الذي قد يصدق كذبتنا هي جدتنا، وسنخاف من أن نكذب عليها كي لا تموت من صدمة الواقع.

قبل اتصال صديقي، كل ما كنت أفكر به هو متى سأتلقى راتبي الشهري لأنّ حظي الجميل جعل هذا الشهر ينتهي في "الويكند." كما كنت أحاول أن أتخلص من الطاقة التي جلبتها حركة "عطارد" لبرج الجدي، ظناً منّي أنّ مأساتي سببها الكواكب لا قراراتي الفاشلة. بعد الاتصال، أصبح محط تفكيري كذبة نيسان/ كذبة أبريل. أحاول أن أساعد صديقي بالتوصل لفكرة غير بالية لهذا اليوم، حتى أنصحه أن يضخ أموال المنشور على أمور أهم، لأنّنا فعلاً لا نكترث لكذبة نيسان، والضجة الالكترونية التي قد يسببها هذا المنشور الفارغ لن تؤثر على حياة أي شاب أو شابة من جيل الألفية. ردّ صديقي على الفور "هذه المناسبات ليست موجودة للأشخاص السلبيين مثلك." ردّي بطبيعة الحال كان "أتمنى أن تتصل عندما يصبح الواقع أفضل."

اليوم نشعر أننا أهم من كذبة أبريل. إن وقعنا في الفخ، يكون كبريائنا أقوى من أن يجعلنا نضحك ونعترف أننا وقعنا، سننكر ما يجري ونتهم الشخص الذي أوقعنا بالتفاهة

أظن أنّ هذا جيل الألفية لا يضحك، أو لا يجد أي شيء مضحك. نحن اليوم أمام الكثير من المحتوى، فلم تعد الكوميديا حكراً، هي في كل مكان. الجميع "مهضوم" حتى أنّ أكثر ما نتابعه اليوم هو صفحات "memes" (بعد الأبراج طبعاً)، كل يوم هناك الآلاف من منشورات الكوميك، إنها ما نلجأ إليه في "بريك" العمل كي نتنفس قليلاً. وطبعاً، هناك الـPranks، أي نحن أمام محتوى الخداع هذا طوال السنة. فنحن نستمتع عندما نشاهدها لأننا سيكولوجياً نحب أن نرى الإذلال الذي يتعرض له غيرنا، لكن في الوقت عينه، لا نملك الطاقة لنجعل هذه الخدع من واقعنا ولذلك، نكتفي بالمشاهدة. نحن اليوم نحول كل قضية وكل مشكلة إلى كوميديا وهذا يلهينا عن إيجاد حل، نحن نلجأ للكوميديا هرباً وفي الوقت عينه نستمع للنكتة من دون أن نتأثر بالقضية.

أعترف أن هذا اليوم كان له معنى سابقاً. أتذكر جيداً أنني كنت أستيقظ أيّام المدرسة وفي بالي أمر واحد "اليوم هو كذبة نيسان، أنت أقوى من أن تقعي بأي خدعة." وكنت حقاً أستمتع عندما كنت أفكر مع أمّي بطريقة لنخدع جدتي، وغالباً ما كانت الخدعة "مات أحمد ابن عمّي." وكان لا بدّ من أن نستمع لرد جدتي بعد كشفها الخدعة "لا تستخدمي الموت للخداع، حرام."

إعلان

اليوم، كل هذا لم يعد له معنى. كلنا لسبب ما تفتك بنا السلبية، فنشعر أنّ أي شخص يحاول أن يكون "كيوت" بخداعه هو في الواقع تافه. أصبحنا اليوم نشعر أننا أهم من كذبة نيسان. إن وقعنا في الفخ، يكون كبريائنا أقوى من أن يجعلنا نضحك ونعترف أننا وقعنا، سننكر ما يجري ونتهم الشخص الذي أوقعنا بالتفاهة. سنعود لمأساتنا ليلاً ليأتي 2 أبريل، وننسى كل ما جرى، لن نتذكر المنشورات، لن نكترث لصديقتنا السعيدة بردة فعل حبيبها عندما حاولت أن تخدعه بالانفصال عنه. لن نكترث لشيء سوى أنّنا ما زلنا بالدوامة نفسها وأنّ النظام الحالي أبشع من أن يشعرنا ببساطة هذا اليوم أو بظرافته.

أرجوكم، لا نريد منشورات عنصرية ومهينة في هذا اليوم، ولا نريد منشورات عن المرض أو الموت أو الحَمل أو الجنس أو الحرب. لا تُسخفوا هذه القضايا من أجل كذبة

اليوم لم يعد لكذبة أبريل قيمة، هي فقط هنا لتملأ محتوى للصفحات الإلكترونية وشركات الدعايات. هي منفس كل شاب يعمل في هذا المجال لأنّه ليوم واحد، لن تطارده فكرة أنّه لم يعد مبتكراً. أنتظر هذا العام منشورات المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي وكيف سينشرون فيديو للخدعة التي وقعوا بها، وكيف سيصدق من يمكنه أن يصدق. أنتظر النكات التي ستتفن بها تلك الشركات، لن أضحك، لكنني سأسعد لأنني سأعلم أنّ شاب ما يعمل في المجال سعيد بأنّه ابتكر منشوراً "مهضوماً." كما أنّني أنتظر تفاهة الخدع هذا العام، أنا متأكدة أنّ هناك من سيعلن أنّه "مِثلي" ظناً منه أنّ الميول الجنسية هي أداة للضحك. أرجوكم، لا نريد منشورات عنصرية ومهينة في هذا اليوم لأنّ ذلك قد يجعل الأمر أسوأ بالنسبة للجميع، ولا نريد منشورات عن المرض أو الموت أو الحَمل أو الجنس أو الحرب. لا تُسخفوا هذه القضايا من أجل كذبة.

أتمنى لو بقى الحال كما هو، أو لو كنت أسعد بالتفاهة والبساطة. أتمنى لو يمكنني فعلاً أن أجد فكرة لصديقي من دون أن أفكر بتداعيات كل تفصيل والجانب المظلم من كل شيء. لكن بطبيعة الحال، لقد علقت في دوامة المحتوى، وجزء مني هو ذاك الشاب الذي يبحث عن فكرة جديدة. أنا من بين اللذين يستغلون وجود أبريل كي أجد ما أكتب عنه أيضاً. ولكني لن أخدع أحد ولن أسمح لأحدٍ أن يخدعني.