تصوير: جيمس سيليسنيك / فليكر
تتذكر مريم محمد (29) عاماً، ممرضة تعمل في مستشفى إبن الأثير بمدينة الموصل العراقية، كيف كانت تستقبل الجرحى من الأطفال وكبار السن أثناء العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة لتحريرها من تنظيم "داعش." تعود بها الذاكرة لتتحدث عن طفل جريح كان يطلب منها أن تمسك بيده وتقول: "عندما مسكت يده وهو يتألم من الإصابات التي في جسمه، بكى كثيراً، وقال لي لا تتركينني أنت مثل أمي." مريم هي واحدة من الكثير من الممرضات والممرضين العراقيين الذين كان عليهم التعامل مع جثث وإصابات وحالات صعبة جداً نتيجة للتفجيرات التي كان يقوم بها التنظيم الارهابي من جهة، والغارات التي كانت تقوم بها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى. كل هذا، بالاضافة الى التعامل مع عدم وجود أدوية كافية. اليوم بعد تحرير الموصل من التنظيم، نتحدث إلى عدد من الممرضات والممرضين في مستشفى إبن الاثير، الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ أعوام، عن أصعب الحالات التي مرت عليهم وكيف تعاملوا معها.
مريم محمد، 29
Vice عربية: كيف عشتم وعالجتم المرضى أثناء الحرب ووجود تنظيم داعش من حولكم؟
مريم: عشت مثل غيري من الممرضين الذين يتواجدون في مناطق الحرب والنزاع، لكنني لم أكن أتوقع أن أغلب الذين سأٌعالجهم من الأطفال. بعضهم كانوا غير قادرين حتى على البُكاء نتيجة الآلام التي تعرضوا لها.
ما أصعب المشاهد التي تتذكرينها؟
مشاهد الجثث كانت مأساوية. لم أكن أتحمل رؤية الجثث التي كانت تصلنا، لكننا تعاملنا مع الجرحى الذين تعرضوا لإصابات خطرة، بعضهم للأسف فارق الحياة أمامنا.

هل كُنتم قادرين على مساعدة المرضى في ظل النقص بالأدوية؟
كانت الأدوية غير متوفرة بشكل كامل أثناء الحرب، ولم يكن في المشفى سوى أنواع قليلة من الأدوية التي لا تتجاوز نسبتها الـ15% من الحاجة الفعلية لمساعدة المرضى والجرحى. ولكننا تَمكنا بطريقة ما من مساعدتهم، كان ألله يقف معنا لمساعدة هؤلاء المغلوب على أمرهم من ضحايا للحرب.
محمد علي حسين، 30
كممرض يعمل في الموصل، لا شك أنك تعاملت مع الكثير من الحالات الصعبة، ما أصعب موقف مر عليك؟
أصعب موقف كان التعامل مع المصابين الذين يصلون للمشفى أثناء القتال ولكننا نعجز عن مساعدتهم بسبب نفاذ الدواء. داعش كان أيضاً يُضايقنا ويمنعنا من مساعدة جرحى الحرب، لكننا كُنا نُساعدهم بطريقة أو بأخرى بكل ما نقدر عليه. كما أن واحدة من الأشياء الصعبة، بل المأساوية، هي عندما تحمل جثة بلا روح، أو انك تكون شاهداً على اللحظات الاخيرة لحياة إنسان قُتل بسبب الحرب. كان المشفى يكتظ بالجثث وبعضها تم نقلها إلى أماكن غير مناسبة لها، مثل الحدائق والساحات العامة، وفي النهاية تفسخت.
هل الأمور أفضل الآن بالنسبة لكم؟
أنا وبقية زملائي لم نتقاض أي أجور على عملنا منذ عامين. نحن نضطر للعمل بعد الدوام الرسمي في مهن أخرى. بعضنا يعمل في بيع المواد الغذائية وبعض آخر في البناء، وهكذا.
هل فكرت بترك مهنة التمريض التي لم تدر عليك أي دخل مادي منذ عامين؟
عملنا إنساني، وأنا على إستعداد تام للعمل بلا أجور أو أي راتب، لأن هذا العمل إنساني بحت ومن لا يُفكر به من هذه الزاوية فعليه أن لا يُمارسه.
أحمد عبد الله فتحي، 37
كُنتم تستقبلون الجرحى بشكل مستمر، وبعضهم بُترت أطرافهم، كيف أثر ذلك عليك؟
كان شعور موجع لا يمكن وصفه وخاصة عند استقبال أولئك الذين فُقدت أطراف من أجسادهم أو حتى الذين تعرضوا للحرق بسبب القصف أو بسبب العبوات الناسفة التي كان يزرعها تنظيم داعش. لا أستطيع أن أصف ذلك، عليك أن تتخيل أنك يجب أن تُساعد العشرات الذين ينزفون دماً وأشلاء مُقطعة. كل الأيام التي عشتها أثناء الحرب كانت صعبة، لكن مشاهد الجرحى والقتلى والجثث ذات الأشلاء المتطايرة، كانت تُفقدني أعصابي، لكن في ذلك الوقت كل ما كنت أركز عليه هو الاستمرار بمساعدة الناس.
زينب محمد، 28
ما هي المشاهد التي تعاملت معها ولا تستطيعين المرور عنها؟
لا زلت أتذكر صوت الطائرات وهي تقصف ونحن في المشفى نُعالج الجرحى. لم نسمع سوى أصوات المعارك وبُكاء الجرحى وذويهم والدماء التي تسيل على الأرض. هذه المشاهد مازلت أتذكرها يومياً رغم مرور أشهر على انتهاء الحرب. أحياناً لم استطع تمالك نفسي، كنت أبكي مع الجرحى، فقد كنت أشعر بآلامهم.
هل فكرت بترك هذه المهنة؟
في يوم ما قررت وزملائي عدم الإستمرار في العمل، لكننا غيرنا رأينا في اليوم الثاني. حتى أثناء المعارك التي دارت في الموصل كُنت وزملائي نصل بصعوبة إلى مكان عملنا، ولكننا كنا نصر على الذهاب الى المشفى، مع أنني كُنت حامل، لكنني فضلت مساعدة الناس على كل شيء.
أحمد فاضل، 30
تعاملت مع الكثير من الأطفال المصابين؟
صحيح، كان الأطفال من أكثر المتضررين في الحرب. كانت جثثهم الصغيرة وأصواتهم تملأ المكان. كان من الصعب بالنسبة لي التعامل مع الأطفال المصابين، فهم لا يستطيعون تحمل أي ألم قد ينتج عن العلاج. أكثر ما يؤلمني هم هؤلاء الاطفال، فهم بلا حول ولا قوة، ووجودهم في المشفى بسبب الحرب جريمة كبيرة. لا أستطيع تذكر كل شيء، لكن صور الأطفال الذين كانوا يأتون للعلاج وبعضهم بُترت أطرافهم، كان مؤلماً جداً.
