سوريا

طفل سوري يستنشق الشعلة على أحد الأرصفة بالعاصمة دمشق

تحقيقات

"أطفال الشعلة".. كرب ما بعد الصدمة يؤدي لـ "إدمان مُدمر" في سوريا

يتسبب إدمان استنشاقها في تلف خلايا عصب الدماغ
25.4.19

على ضفة نهر بردى وسط العاصمة السورية دمشق، استلقت طفلة لم تتجاوز عامها الثامن بعد، وبدأت باستنشاق كيس بلاستيكي ثم راحت تنفخه مجدداً كالبالون، قبل أن تعيد دس أنفها لتستنشق ما بداخله من هواء، في آلية أشبه بعملية التنفس الاصطناعي. هذه الطفلة ليست الوحيدة في شوارع العاصمة وإنما واحدة من بين عشرات الأطفال المدمنين على شم هذا النوع المسمى بـ"الشعلة" حيث باتت هذه الظاهرة تنتشر وبشدة عند المراهقين أو الأطفال وخاصة من بات مشردًا بعدما فقدت عائلته في ظل غياب أي جهود لوضع حد لها، أو حتى معالجة الأطفال المدمنين.

إعلان

أصبح مشهد الأطفال وهم يقومون بشم الشعلة شبه معتاد في حدائق العاصمة دمشق أو شوارعها الرئيسية. يوسف، طفل في العاشرة من عمره ينحدر من مدينة دوما في الغوطة الشرقية بريف دمشق، لجأ يوسف لشم الشعلة بعدما فقد عائله خلال الحرب السورية وبات يعيش وحيداً في شوارع العاصمة. لا يدرك الطفل الصغير خطورة عملية الشم، بيد أن جل ما يتمناه هو أن يشعر بالسعادة ولو للحظات حيث يقول: "استنشاق الشعلة يجعلني أشعر بالدفء، ويعطيني نوع من السعادة والزهو الذي أريده لكي أنسى ما حصل سابقاً. لقد فقدت عائلتي وليس لدي اليوم بيت أو مكان أتجه إليه، هذا الكيس وما بداخله يجعلني أنسى كل شيء."

1555833087611-IMG_2527JPG

عبوات الشعلة

الشعلة، عبارة عن مادة كيميائية سامة تُعرف كذلك باسم "الغراء" وتستخدم لأغراض اللصق. ويحدث تأثير عملية الشم عبر الاستنشاق مباشرة للمادة الكيماوية، حيث تمنح المتعاطي شعورًا بالنشوة والنشاط لمدة نصف ساعة، ما يدفع الطفل لتكرار العملية، ومن ثم الإدمان. وهي مادة لاصقة وسمية ذات رائحة نفاذة، وكيميائيًا هي مادة كيميائية تنتمى الى مجموعة المذيبات العضوية الطيارة، ويستخدم الغراء في عمليات اللصق. ويعد شمّها بديلاً رخيصاً عن تعاطي المخدرات وحبوب المهدئات العصبية، إذ إن سعر العلبة 130 غراماً 350 ليرة سورية (الدولار يعادل 488 ليرة)، إلا أنها مادة سمّية، ويندرج الإدمان عليها ضمن الإدمان على المواد الكيماوية. وتفيد معلومات طبية بأن الإدمان على شم المذيبات الطيارة والمواد اللاصقة مثل الشعلة له تأثيرات خطيرة جداً، فقد تؤدي مع مرور الوقت إلى إحداث ضرر دماغي وتلف خلايا عصبية.

الخبيرة في علم الاجتماع سها برقدار، تعتبر أن إدمان "شم الشعلة" عند الأطفال سلوك شديد الخطورة يتمثل في الرغبة الشديدة في مواصلة الشم وصولاً إلى حد الإدمان، ويؤثر على الصحة النفسية والجسدية للمدمن. وتضيف: "لقد لاحظت وجود جروح وتشطيب على أجساد البعض منهم، حيث قالوا إنهم خلال الشم وكي يصلوا للنشوة يجرحون أنفسهم، كي يساعدهم ذلك في الوصول إلى مستوى أعلى من النشوة، وهذه الأمور تعلموها من الأطفال الأكبر سناً." ويعد "شم الشعلة" بحسب مختصين، بديلًا عن تعاطي المخدرات والحبوب أو المهدئات العصبية، لا سيما أن سعر مادتها ليس مرتفعًا، حيث تباع العلبة الواحدة والمقدرة بحوالي 100 جرامًا بأقل من دولار.

على أحد الأرصفة وقرب قلعة دمشق يقف مجموعة من الأطفال وكل منهم يحمل كيساً يستنشق منه الشعلة، ويبدأو بعد لحظات بالصراخ والضجيج، ومن بينهم أيمن وهو طفل في العاشرة من عمره. جاء الطفل من مدينة ريف دير الزور شرقي سوريا بعدما تمكن من الخروج من المدينة مع والدته عقب مقتل والده خلال المواجهات التي شهدتها المدينة في وقت سابق بين فصائل الجيش السوري الحر وقوات النظام السوري نهاية 2013.

وحول التأثيرات الصحية على المدى البعيد لشم الشعلة، يؤكد طبيب الأطفال السوري محمد خطيب والمقيم في مدينة غازي عينتاب التركية: "من أهم التأثيرات التي تحدث تعتمد على كمية ومدة الإدمان والإستنشاق وهي تأثيرات لا شك خطيرة جداً، وذلك ﻷن هذه اللواصق من المواد الكيميائية شديدة السمية، إذ تسبب مع مع مرور الوقت ضرر دماغي وتلف خلايا عصبية، وتظهر تأثيراتها بشكل أساسي بأعراض مثل ضعف التركيز والمشية المترنحة والرعاش، وتنتهي الإصابة العصبية الناجمة عن تكرار هذه العملية بغياب الوعي وحتى أيضًا بحدوث الجلطات الدماغية بسبب نقص كمية الأكسجين وانقباض الأوعية الدموية بسبب زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون. ناهيك عن الأذيات التي تحدث في الجهاز التنفسي مثل الالتهابات وتخرب النسيج الرئوي و القصبات، كما تحدث إصابة كبدية أو هضمية مستقبلية قد تنتهي بالسرطان." ويضيف الخطيب: "تعالج هذه الحالات كما تعالج حالات الإدمان على المخدرات وتتطلب رعاية فائقة وتوعية شديدة بالإضافة إلى رقابة من قبل الأهل على الأطفال والمراهقين."

إعلان

تقول والدة أيمن والتي تعيش في غرفة صغيرة قرب شارع الثورة بدمشق: "يخرج كل يوم ولا يعود إلا في ساعات الليل المتأخرة، حاولت كثيرًا اقناعه بعدم شم هذه المادة الخطيرة دون جدوى، لقد أصيب بجروح في يده نتيجة استنشاقه هذه السموم. ليس طفلي هو الوحيد بل هو ورفاقه يتناوبون على استنشاق ما بداخل الكيس واحدًا تلو الآخر، منذ أسبوع سقط أحد هؤلاء الأطفال مغمى عليه، بينما بقي الآخرون يتناوبون على استنشاق الكيس وما بداخله من بقايا رائحة الشعلة، لا أدري ما الذي أفعله خاصة وأن ثمن علبة الشعلة ليس بالكبير ويمكن شراؤه من أي مكان هنا من قبل طفلي أو غيره."

1555833131160-1

مجموعة أطفال يستنشقون الشعلة قرب أسوار قلعة دمشق

ولمعرفة تأثيرات العملية تواصلنا مع الطبيب يحيى ترميني، وهو متخصص في علاج إدمان المخدرات ويقيم في مدينة دمشق، حيث أكد لنا أن استمرار الاستنشاق يؤدي إلى إدمان شديد والذي بدوره يحدث ضرر دماغي وتلف في خلايا عصب الدماغ وبالتالي التسبب في حدوث جلطات دماغية جراء نقص الأكسجين وانقباض الأوعية الدموية، إضافة لاحتمال إحداث إصابة كبدية أو هضمية مستقبلية تنتهي بالسرطان.

في منطقة البرامكة قرب حي الفحامة بدمشق، يقف طفلين من أطفال مخيم اليرموك عاريا الصدر، لا يكترث الطفلان لأي من المارة أو لدوريات الشرطة والحواجز العسكرية التي تنتشر في كل طرق العاصمة السورية دمشق، حيث يستنشقان مادة الشعلة السامة. يقول أحد الأطفال إنه من مخيم اليرموك وعائلته قتلت. وعند سؤال الطفلين عن أسباب شمّ مادة الشعلة قال أحدهما أنه لم يعد يستطع ترك هذا العادة، فيما أبدى الطفل الآخر موافقته للذهاب إلى المشفى للعلاج وتنظيف جسده من السموم. ويضيف أكبرهم: "أريد أن أشعر بالسعادة، ليس لدي حل ثاني سوى هذه الطريقة."

إعلان

الاختصاصي في علم نفس الأطفال سامر الشيحة، يقيم في مدينة إدلب شمالي سوريا، يرى أن انتشار تلك الظاهرة ليس أمرًا عابرًا، بل هي مشكلة كبيرة وتتفاقم بشكل يومي ويضيف: "معظم هؤلاء الأطفال دون أهل بعدما فقدوا عائلاتهم نتيجة القصف أو الاعتقال أو عمليات التهجير والنزوح التي حصلت في سوريا، وحقيقة تم استغلال الكثير من هؤلاء الأطفال في طرق غير مشروعة من إساءة أو عنف جسدي وجنسي ما عرضهم لصدمات نفسية كبيرة، ودفعهم إلى إدمان الشعلة في محاولة للهرب من ضغوط الصدمة أو للتكيف مع الظروف الجديدة."

وأكدت خبيرة اجتماعية تعيش في العاصمة دمشق، فضلت عدم الكشف عن اسمها لأسباب أمنية، على الرأي السابق، وعزت السبب الرئيس لهذا الإدمان الجديد على سوريا إلى اضطراب كرب ما بعد الصدمة، الذي يعاني منه كثير من السوريين بعد الحرب. وتضيف: "هذه الظاهرة نتيجة الاضطرابات النفسية التى تعرض لها الطفل في وقت سابق إما بالحصار الذي تعرض له أو قصف المناطق التي عاش بها أو نتيجة فقدان والديه أو اعتقالهم أو مقتلهم وهو ما خلق لديه صدمة كبيرة يريد الخروج منها والانتقال لعالم ثاني وهو ما وجده في عملية الشم".

وتضيف: " للأسف الشديد لا يوجد إي مراكز مخصصة يستطيع من خلالها الأطفال العيش وتخطي الصدمة التي عاشها في وقت سابق لذا يلجاً لشم الشعلة وهو ما يفاقم الأزمة النفسية لديهم".

وتغيب الأرقام الرسمية حول عدد الأطفال المتعاطين للشعلة في سوريا، إلا أن تبعات الحرب خلفت أرقامًا مرعبة عدا عن المتسربين من المدارس داخل سوريا ويقدر عددهم بمليون طفل، بالإضافة إلى نزوح ما لا يقل عن 3.5 مليون طفل سوري من منازلهم.

1555833216431-IMG_2561JPG-1

المادة الكيماوية داخل عبوات الشعلة

وعن الأضرار التي يسببها هذا النوع من الإدمان، توضح كنانة دبس، المتخصصة في توعية الأطفال المتأثرين من الحرب السورية بالقول: "إن أبرز الأضرار هو التشويش البصري، وعدم الاتزان، بالإضافة لثقل اللسان وبطء الحركة والرعشة والنشوة، وقد يسبب تعاطي هذه المواد لفترة طويلة ضمور المخ. إن المشكلة الكبرى أن المادة رخيصة ومتوفرة في أي مكتبة أو محل، ولا يوجد مانع لشرائها، بالتالي من الضروري العمل على نشر التوعية في المجتمع وعدم بيعها في الأكشاك والمكتبات، وأن يخضع من يبيعها للرقابة."

مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ميساء ميداني، في تصريح سابق أكدت أنه فرق لديها تبحث عن الأطفال في العاصمة، وأضافت: "يتم البحث عن الأطفال وإحضارهم إلى المراكز المتخصصة وبعد إحضار الطفل إلى المركز يتم توصيف حالته جسدياً ونفسياً، وفي حال وجود إدمان يتحول إلى طبيب مختص لمعالجة حالته". بيد أن فريق عمل التحقيق ومن خلال عدة جولات ميدانية رصد استمرار الظاهرة في العاصمة وبشكل كبير دون وجود إي فرق لمساعدة هؤلاء الأطفال أو تقديم التوعية لهم.

إعلان

ويبقى علاج ظاهرة شم الشعلة أمرًا غير ملموس حتى اللحظة، مع غياب الضوابط والرقابة، حيث أن علاج هذا النوع من الإدمان وبحسب مختصين يتم على ثلاث مراحل، أبرزها التعامل مع السبب الذي أوصل الأطفال إلى تلك المرحلة، والثاني من خلاله توعية الأطفال إلى خطورة الأمر، ومن ثم العلاج الدوائي من خلال إعطاء الأطفال أدوية مهدئة، تعمل على تهدئة أعصاب المدمنين عند غياب المادة عنهم، ويتم إيقاف الأدوية بشكل تدريجي لحين تخلصهم من الإدمان.

1555833241834-1

أدوات استنشاق الشعلة كما وجدناها مع أحد الأطفال في وسط دمشق

في تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" حمل عنوان الأزمة السورية: ما تحتاج إلى معرفته، قالت فيه: "لقد تأثر كل طفل سوري بالعنف والتشرد وانقطاع الروابط الأسرية ونقص إمكانية الحصول على الخدمات الحيوية. وقد ترك كل ذلك تأثيراً نفسياً هائلاً على الأطفال. إن حجم الدمار المادي في سوريا هائل، وقد لحق الدمار بالمدارس والمستشفيات ومرافق معالجة المياه. ولا يزال 2.6 مليون طفل مشردين داخلياً في سوريا حسب التقديرات، إضافة إلى 2.5 مليون طفل آخرين يعيشون كلاجئين في البلدان المجاورة."

وتؤكد المنظمة: "فقد كانت سنة 2018 هي السنة الأشد فتكاً بالأطفال منذ بداية الحرب. وتتواصل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال على أشدها، بما في ذلك تجنيد الأطفال واختطافهم وقتلهم وإصابتهم. وتشكل الذخائر غير المنفجرة تهديداً فتاكاً لملايين الأطفال السوريين، وفي الوقت نفسه ما زال أكثر من 5.5 ملايين طفل بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، بمن فيهم حوالي نصف مليون طفل في أماكن يصعب الوصول إليها."

ويرى مختصون بالأمراض النفسية ضرورة توفير مناخ عام يعزز وجود شبكات الحماية والأمان للأطفال ومتابعة أوضاعهم بجميع تفاصيلها، فعند تخلي الدولة عن مسؤولياتها، سنشهد أزمات متراكمة ومتعددة على جميع الصعد، وهنا؛ لا بد من أن تنهض المنظمات المعنية بدورها، وخاصة في رعاية الطفولة.