جدل

حين صرخ الرجال: كلنا متحرشون لولا ستر الله علينا!

سؤال يطرحه بعض الرجال في براءة شديدة: ماذا أفعل كي لا أوصم بالتحرش.. الإجابة: لا تتحرش، سهلة أهي!
30.6.19
كلنا متحرشون

pixabay

في كل قضايا التحرش التي كانت تطرح سابقًا، خاصة التحرش الإلكتروني، كان هناك تساؤل يطرح: هو كل واحدة تقول فلان اتحرش بيا نصدقها؟ مش لازم تجيب دليل؟. الحقيقة أن هذه معضلة كبيرة، بالفعل، لا يمكن لأحد أن يتهم أحدًا ويشهر به دون تقديم الدليل، هذا من حيث المبدأ؛ إلا أن جرائم التحرش على الأخص عادة ما يغيب عنها الدليل، إذ أن المتحرش يختار توقيتًا ومكانًا لا يمكن لأحد أن يراه فيه، اللهم إلا المتحرشين الكلاسيكيين الذين يقومون بفعلتهم في الطريق العام، أما تحرش الزميل أو المدير أو الجار أو القريب أو الصديق، فعادة ما يصعب إثباته، لإن هناك عدة عوامل، منها أن المتحرش ينتظر حتى يختلي بضحيته. أحيانًا يقول: "ما كنتش أقصد.. أنا طبطبت على إيدها عشان كانت بتعيط، هي فهمت غلط"؛ لذلك فمن الصعب إثبات التحرش، وإذا تم إثباته، فمن الصعب الدخول في مناقشة مجهدة: "لا كان يقصد.. لا ما أقصدش".

إعلان

هذا بخلاف الاتهامات المجتمعية: وما الذي أوجد الضحية في مكان مغلق/ معزول/ ناء مع الجاني؟ ماذا كانت ترتدي؟ هل أرسلت رسائل خاطئة فهم منها أنها ترغب في إقامة علاقة مع هذا الرجل؟ أين الدليل؟ أين الشهود؟ لماذا لم تصوره بالموبايل؟ لماذا لم تصرخ لتلفت انتباه المحيطين؟ لماذا لم تركض سريعًا صارخة حتى تستدعي الشهود؟.. ثم طرح سيناريوهات بديلة: أليس من الممكن أنهما كانا على علاقة وحين تركها قررت الانتقام منه؟ ربما كانت تحبه وهو رفضها، ربما هي راغبة شهرة، ربما تنشد لفت الانتباه، ربما تريد "ركوب التريند"!

كما نرى، باقة من أمتع وأجمل الاتهامات والتشكيك ولوم الضحية تطرح في شكل تساؤلات "بريئة"، أو افتراضات "عقلانية"، أو "التزام بالموضوعية"، أو "باتكلم.. يعني ما اتكلمش؟"، كلها تصب في صالح المتحرش، وتمنع ضحايا كثر من الحديث عما مررن به، وهو المطلوب إثباته.

لا أحد يرغب من ضحية التحرش أن تتكلم، لأسباب عديدة، وفي منطقة التحرش بالتحديد، هناك خط فاصل ما بين السلوك الذكوري المدافع عن التحرش، والسلوك النسائي الذي ينحاز للمتحرش. وسنشرحه لاحقًا.

كل ما سبق ذكره يضع الجميع في حيرة حقيقية غير مدعية، هناك أناس بالفعل لا يرغبون في دعم المتحرش، لكنهم لا يملكون أداة يساندون بها الضحية لإن الضحية ذاتها ليس لديها هذه الأداة، ليس لديها سوى روايتها، والمنطق العام يقول بأنك لا يمكن أن تصدق رواية بمجرد سماعها. لكن المنطق أيضًا يقول بإن ضحية التحرش الأنثى، وخاصة التي تعيش في مجتمعات شرقية، من الصعب أن تضع نفسها في مرمى الاتهامات والانتهاكات اللفظية داخل مجتمع يصدق الرجل ابتداء لتروي رواية كاذبة، ثم إنها لا تملك دليلاً. كما أنها أحيانًا تروي رواية تحمل أحاسيس، ولا تحمل أفعالًا واضحة، يعني مثلاً:

إعلان

"حسس على دراعي"، فيجيب: لا.. أنا طبطبت على دراعها؛ فيقول الناس: طب يعني طبطب على دراعك ما جراش حاجة.. هو اغتصبك؟

أو وأنا داخلة الشغل قال لي إيه الحلاوة دي؟ - طب كفرت يعني؟!

وهذه معضلة حقيقية، لأن السيدة تضايقت بالفعل، وطالما أن السلوك أشعرها بعدم الارتياح فأنت لا تملك أن تجبرها على أن ترتاح لهذا المسلك، لكن المعضلة تكمن في أن المتهم قد يكون متحرش بالفعل، وأن ترتبيتته على ذراعها أو عبارة "إيه الحلاوة دي؟" كانت تحمل معان استشعرتها وأزعجتها لكنها لا تملك إثباتها. هناك احتمال آخر بأنه حقيقة لم يقصد أي اساءة، وأن ما قام به حركة عفوية لا تحمل في طياتها أي نوايا أخرى. وقتها، حين يطالب البعض بإن يتقدم الرجل باعتذار، ولو حتى عن توصيل رسالة لم يقصدها، يهب المجتمع دفاعًا عن كرامة الرجل: وهو كان عمل لها إيه عشان يعتذر لها؟ هي اللي مخها شمال.

كل ما سبق يمكن أن نطلق عليه "معضلة جريمة التحرش"، والتي تضع الضحية والمساندين لها في مأزق حقيقي، إذ يبدو كلام المتهم ومن يسانده - عادة ما يسانده غالبية المجتمع - منطقيًا إلى حد بعيد. فالتحرش ليس اغتصابًا يمكن إثباته بالطب الشرعي.

هل الأسباب التي يطرحها المجتمع لمساندة المتهم بالتحرش حقيقية؟

إذا كنا نتحدث عن المجتمعات العربية فالإجابة، وبكل ثقة ويقين، قولًا واحدًا: لا.. من أين أتيت بهذا اليقين؟ من التطورات والتواليات لقضية لاعب الكرة المصري عمرو وردة.

في البداية، شكت إحدى السيدات أن وردة يتحرش بها، ويرسل لها رسائل على الخاص يفرض فيها نفسه عليها ويهددها ويخبرها بإنه ليس هذا النوع من الرجال الذي يقبل الرفض. جاءت الاستجابات المجتمعية في أغلبها تشكك في كلام السيدة، وتفترض أنها على علاقة سابقة باللاعب وتحاول تدمير مستقبله لأنه هجرها، أو أنها راغبة في الشهرة، لإن الكلام ليس فيه شيء، ثم ما هو الدليل الذي يقطع بأن الرسائل التي نشرتها ليست مزورة؟

إعلان

ولأن اللاعب شخصية عامة، شهيرة، ومحبوبة، فقد تطوع عدد لا بأس به من المواطنين الشرفاء في شن حملة ممنهجة على السيدة، والسخرية من مظهرها، واتهامها في عرضها وشرفها، واستخدام أقذع الأساليب لتدميرها. هذا بخلاف تساؤلات "بريئة" حول: هو فين التحرش ده؟ هو غلط أن الواحد يحاول يتعرف على واحدة أون لاين؟ هو ده تحرش؟ ما لو مش عاجبها ما ترفض وخلاص.

بعدها، توالت حكايات الفتيات، وصور من الرسائل التي كان يرسلها إليهن اللاعب. فبدأ الناس في الحديث عن مؤامرة إخوانية ضد منتخب مصر لتشويه لاعبيه. وأخيرا، قامت سيدة مكسيكية بنشر تسجيل مصور خادش للحياء كان أرسله اللاعب للسيدة المكسيكية دون رغبتها ومع رفضها الذي بدا في الرسائل المتبادلة بينهما؛ أي أن كل ما كان يطالب به الجمهور، الذي دومًا ما يدافع عن المتهم بالتحرش انطلاقًا من غياب الأدلة، من إثباتات قد توفر في هذه القضية تحديدًا. فاللاعب يواجه الاتهامات بالتحرش والاعتداءات ممهورة بشهادات الشهود، وتحقيقات سابقة لأندية لعب فيها وتم إيقافه من قبل إداراتها بسبب سلوكياته، وصور لمحادثات، بل وتسجيل مصور… فيديو أهو.. أهو.. لا مجال هنا للإنكار.

هنا أفصح المجتمع المساند للمتهم بالتحرش عن حقيقة نواياه صارخًا "كلنا عمر وردة لولا ستر الله علينا"!

آآآآآه، قولوا كده بقى. كده تمام والله.

1561884772792-Screen-Shot-2019-06-30-at-125110-PM

أنتم في المرات السابقة لم تتحلوا بالموضوعية، ولم ترغبوا في التحقق من صدق رواية الضحية، أو المدعية على أقل التقديرات. لم تكن تساؤلاتكم "البريئة"، ونقاشاتكم "الموضوعية"، وافتراضاتكم "العقلانية"، سوى محاولة للتستر على جريمة، لأنكم بالأساس لا ترونها جريمة، فكلكم يقترفها، وكلكم لا يرى غضاضة فيها.

تصدقوا باللي خلق الخلق.. أنا اتصدمت. أي والله، لن أخجل من إعلان سذاجتي وغبائي حين صدقتكم وأنتم تدعون محاولة تحري الصدق والموضوعية، كنت أرى أولئك الذين يقولون: دي محاولة لتهريب الجاني، أناس مخاليل، يفترضون سوء النية في الناس، والناس تطرح أسئلة موضوعية، ولا بأس من محاولة مساندة الضحية بالبحث عما يرضيهم من أدلة.

إعلان

شكرًا عمرو وردة على كل هذا الابتذال والتدني والغرور الذي دفع به لعدم الحرص ولو حتى على تجنب إظهار وجهه في التسجيل المصور الذي يقوم فيه بالتحرش والاعتداء والانتهاك ضد سيدة ليس لها جريمة سوى أنها "خواجاية" وانتهاكها حلال.

حلال كما انتهاك غير المحجبة.

حلال كما انتهاك الفتاة اللطيفة التي قد تبتسم لك، أو تتلطف معك حلال.

مستباحة كما كل امرأة، لأنها امرأة.

شكرا أيها اللاعب المصري الذي لم يحقق إنجازًا كرويًا يذكر، لكنه حقق لي إنجازًا شخصيًا بان خلصني من سذاجتي وغبائي.

التحرش هو اقتحام المرأة بكل أشكاله. محاولة اقتحامها جسديًا بأن تمد يدك نحو جسدها دون استئذان. اقتحامها لفظيًا، بأن تتحدث معها بما لا تسمح شكل علاقتكما به؛ فالتحرش اللفظي لا يقف عند اقتحام المرأة بالألفاظ البذيئة وذكر بعض أعضاء جسدها بشكل فج، كل التعبيرات المتجاوزة لطبيعة علاقتكما غير محبذة، وغير مسموح بها.

ماذا أفعل كي لا أوصم بالتحرش؟

سؤال يطرحه بعض الرجال في "براءة" شديدة: يمكن أن أفهم بشكل خاطئ، ماذا أفعل كي لا أوصم بالتحرش. الإجابة: لا تتحرش. سهلة أهي!.

سهلة لكن صعبة، علينا أن نعرف في البداية ما هو التحرش، وكيف نفرقه عن التلطف، أو محاولة التقرب للأنثى؟

التحرش هو اقتحام المرأة بكل أشكاله. محاولة اقتحامها جسديًا بأن تمد يدك نحو جسدها دون استئذان. اقتحامها لفظيًا، بأن تتحدث معها بما لا تسمح شكل علاقتكما به؛ فالتحرش اللفظي لا يقف عند اقتحام المرأة بالألفاظ البذيئة وذكر بعض أعضاء جسدها بشكل فج، كل التعبيرات المتجاوزة لطبيعة علاقتكما غير محبذة، وغير مسموح بها.

إن كانت زميلتك في العمل أو مرؤوستك أو حتى رئيستك، فأنت لا يحق لك أن تتجاوز ذلك. ربما بالفعل أنت لا تقصد الإساءة، ربما أردت إذابة الجليد بينكما لأي سبب من الأسباب، لكن الاقتحام مرفوض.

أنت لا تتحدث أو تتصرف أو تمد يدك بما هو حميمي مع زميلتك، أو مرؤوستك، أو طالبتك، أو أي امرأة لا تمنحك هذه المساحة؛ فهذا أمر مقلق ومزعج ويبعث الخوف والحرج في نفوس الكثير من النساء خاصة لو أنك في مركز أقوى. وفي مجتمعاتنا العربية، أنت دومًا في مركز أقوى، لأنك رجل.

إعلان

في إطار العلاقة الأكثر قربًا، كأن تكون صديقة مثلاً، أو حتى حبيبة، فأنت لا تتجاوز القواعد أيضًا، ليس لأنها صديقتك المقربة فأنت مسموح لك بتحسس جسدها دون استئذانها. ليس لأنها حبيبتك، فأنت مسموح لك بأن تحدثها عن الجنس، أو ترسل لها صورًا أو فيديوهات مصورة متجاوزة أو مشينة. باختصار: خلي عندك كرامة وبطل هزاءة يا مهزأ. لا تفرض نفسك أيا كانت طبيعة العلاقة بينك وبين الأنثى. لا تضع نفسك في محل ترفض فيه أو تخيف فيه الأنثى وتربكها.

- أمال لما أحب أتعرف على واحدة عاجباني أتعرف إزاي؟ هو كل ما حد ييجي يتعرف عليكم تقولوا متحرش؟

- الإجابة: اتعرف زي ما الناس بتتعرف. سهلة أهي.

كيف تعرفت على صديقك؟ هل من المتوقع أن ترسل إلى رجل، بدون سابق معرفة البتة، رسالة على الخاص نصها: هاي.. ممكن نتعرف؟

هل وطدت علاقتك بزميل العمل حتى أصبح صديقًا مقربًا عن طريق تحسس جسده أو دعوته المباغتة وغير الممهد لها إلى المنزل أو اقتحام حياته الشخصية دون أن يفسح لك المجال كالحديث مثلًا عن زوجته، أو والدته، أو ملابسه، أو إلقاء نكات بذيئة أمامه؟

هل اعتدت أن تتحدث مع صديقك المقرب أو حتى شقيقك عن أجزاء من جسده مثلًا؟ أو ترسل إليه صورك وأنت متجرد من ملابسك؟

لماذا تراعي اللياقة في التعرف على أقرانك من الذكور ولا تراعيها في التعرف على الأناث؟ لماذا لا تضع نفسك في موقف قد يحرجك فيه زميل أو متابع على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى صديق قديم، ولا تأبه بأن تحرجك امرأة؟

فااااا… حضرتك بتستعبط. وأنا سايرتك في الاستعباط وشرحت لك بشكل مفصل أهو.

لماذا يقوم البعض بالتحرش؟

هذا ما حير العلماء. هناك أنواع مختلفة من المتحرشين، تبدأ بـ"البريء" الذي كان لا يقصد - حقيقة بعضهم لا يقصد بالفعل لكنه لم يتدرب على احترام المرأة - وتنتهي بالنموذج الفج المرضي الذي نواجهه مع لاعب الكرة الشهير، فهو يمثل الحد الأقصى لمرض التحرش قد وصل به إلى الهوس. ومن المفزع حقًا أن يصرح كل هذا العدد من الرجال بأن "كلهم عمرو وردة" لأن هذا يعني أن هناك نسبة كبيرة جدًا من الذكور في المجتمعات العربية يعانون من مرض نفسي عضال، وأن كل هذا العدد في حاجة عاجلة لعلاج نفسي متخصص.

نعم، نموذج اللاعب هو النموذج الأمثل للشخص المصاب بالهوس، وتعقيدات نفسية أخرى، وهو، وكل من يردد أنه مثله "لولا ستر ربنا"، يشكلون تهديدا صارخًا على النساء، ولابد من التعامل معهم وعزلهم وعلاجهم. لكن بعيًدا عن هذه الحالة المتطرفة، والتي يبدو أنها منتشرة جدا في المجتمع، وبعيدًا عن "الأبرياء" الذين ليس لديهم مشكلة سوى أن السيدة الوالدة والسيد الوالد لم يبذلوا 10 سعرات حرارية في محاولة تربيتهم، وتعليمهم اللياقة والكرامة والذوق واحترام المرأة واحترام الذات، لذلك فهم يتصرفون "ببراءة" وقلة أدب حتى يتحولوا إلى متحرشين.

فلنتحدث عن المتحرش المتوسط، وهو الذي يتحرش بوعي، وعن قصد، لكنه بالأخير لا يعاني من هوس. هو يختار ضحاياه بعناية، لن يتهور ويرسل فيديو مصور يظهر وجهه، لن يلجأ إلى أساليب وأقوال وأفعال قد تستخدم ضده، لن يقترف هذه الحماقة مع امرأة تبدو قوية، وصوتها عال، ولسانها مثل المبرد.

يختار الصغيرات، الضعيفات، الخائفات، المرتبكات، في مكان معزول، لا يمكن أن يراه فيه أحد، ويشرع في تنفيذ جريمته، وهو يدرس رد فعله جيدًا، غالبًا ما يتوقع من الضحية الخوف لكن أحيانًا ما تبدي الضحية اعتراضها، هو عندئذ لا يعتذر أو يتراجع، لكنه قد ينهرها، وربما يتهمها بالتخلف وسوء النية: "جرا إيه أنا باتعامل معاك زي بنتي… أنت فهمتي إيه؟".. وربما يلجأ إلى العنف والإجبار أو التهديد بقطع الأرزاق أو بإبلاغ الأهل أو بالتشهير.

إعلان

لماذا يقوم هؤلاء البشر بفعل هذا؟ منهم الكثير من الرجال الأثرياء، أو من ذوي المناصب، أو من يتمتعون بوسامة ملحوظة، ومنهم مشاهير ولديهم معجبات كثر. أي أنه ليس في حاجة إلى فرض نفسه على الأناث، هناك نساء قد يرغبن في إقامة علاقة رضائية معه.

هو تحديدًا لا يرغب في العلاقة الرضائية لإنها بشكل أو بآخر متكافئة، وهو لا يريد ذلك. هو يرغب في الشعور بالسطوة والقوة والقدرة على إجبار الطرف الآخر على الإتيان بما يكره، أو الخوف منه وعدم البوح، هو يشعر بالانتصار لأنه اقتحم امرأة "ضعيفة" وهزمها وأخافها وقهرها وهي لم تقو على المقاومة، أو كانت تقاوم وهي ضعيفة، وهو الأقوى، ولم تستطع التحدث، بل ربما شعرت بالخوف، أو الذنب. هذه مشاعر ترضيه وتثيره.

لماذا يرغب في ذلك؟.. هذا أمر شرحه يطول، لكن الشخص الذي يرغب في قهر من يظنهم أضعف يعاني من ثغرات نفسية وشعور بالنقص وازدراء الذات، وربما مر بأشكال متعددة من القهر النفسي والبدني في فترة الطفولة وقت أن كان ضعيفًا ولم يكن يقوى على المقاومة. هو يشعر بالضعف الداخلي، ولا يثق في قدرته النفسية والبدنية بل والجنسية بالشكل الذي يرضيه، ولا يجد وسيلة لكسب الثقة إلا عن طريق قهر النساء. وهذه عقد داخلية نفسية ليس لها أي علاقة بالمستوى الاجتماعي أو التعليمي أو المركز الوظيفي.

لماذا تدافع المجتمعات المحافظة عن التحرش؟

هناك فريقان يدافعان عن المتحرش: فريق الرجال، وفريق النساء. بالنسبة لفريق الرجال، فالإجابة سهلة وبسيطة: رجل يدافع عن المتحرش لأنه هو نفسه متحرش، وهو لا يشعر بالخجل من كونه متحرش، بل يشعر بإنه حق من حقوقه، وسلطة من سلطاته، وهو لا يرغب في التخلي عن هذه السلطة. هو ليس نادم، ولا اعتذاري، ولا يفعل الفعلة وينشد "ستر ربنا" كما قال المتحرشون الذين أعلنوا أن كلهم عمرو وردة لولا ستر ربنا!

الله لا يستر عليهم لإنهم لا يقومون بما يستوجب الستر. هناك طرف آخر متضرر، وخائف، ومرتبك، ويشعر بالذنب، ويشعر بالأذى، وهذا الطرف يصمت للأسباب السابق ذكرها، فلا يعقل أن نفترض أن خوف الضحية وإشعارها بالذنب والأذى هو شكل من أشكال ستر الله، اللهم إلا إذا افترضنا أن الرجال المتحرشين هم جنود الله، وأن النساء الضحايا هم الذين كفروا، ولذلك فقد ألقى في قلوبهن الرعب! دي غزوة بقى مش تحرش.

إعلان

الواقع أن المتحرشين يتسترون على بعضهم البعض، والله لم ولن يستر عليهم. لا ستر مع اعتراف، وهم معترفون، ومتباهون، بل ويعتبرون أن ذلك من دلائل فحولتهم. وبالمناسبة، فالأبحاث العلمية التي درست نفسية المتحرش تقول أن المتحرش ليس فحلًا على الإطلاق، على العكس تمامًا، هو يعاني من انعدام الثقة في قدرته الجنسية، ولهذه الأسباب يدافع الذكر المتحرش عن المتحرش زميله، إما بالهجوم على الضحية، عبر تكذيبها، أو اتهامها بأنها أغرته، أو وصمها بالعهر، وإما باستنهاض التعاطف مع زميله في التحرش: "كلنا خطاؤون، لابد للمجتمع أن يتسامح معه، لا تذبحوه".. هو هنا يتحدث عن نفسه، ولا يشعر بإنه اقترف جريمة، هو كان بيتشاقى يعني.

التحرش مجرم في القوانين، يعاقب عليه بالسجن، وهو ليس شقاوة ولا إثبات للفحولة، وقد يدمر حياة إنسان ومستقبله، والمحيطين به؛ لذلك لابد له من عقاب، وبعد إنفاذ العقاب، لابد من التعامل مع شخصية المتحرش ودراستها، فإذا كان مصابًا بهوس، فلابد له من علاج، وبعدها يمكننا منحه "فرصة ثانية"، أما التسامح مع الجريمة دون عقاب أو اتخاذ إجراء ترخيص للمجرم كي يكرر جرائمه ويفلت دومًا من العقاب، لأن هناك دومًا "فرصة ثانية".

والواقع أن التحرش جريمة ليس خطأ ولا "شقاوة". جريمة مؤذية فيها طرف مجني عليه، ربما يقضي بقية حياته يعاني من عقد ومشاكل واهتزاز في الثقة وانعدام الشعور بالأمان والتوتر ونوبات القلق والشعور بالذنب واحتقار الذات، وقد يؤثر هذا الحادث - خاصة وإن كان متكررًا، ولابد أن يكون متكررًا طالما طلعتوا كلكم عمرو وردة - على علاقاتها المستقبلية كزوجة وكأم. أي أنها جريمة متعدية، لا تطال الضحية فقط، وإنما قد تطال رجلا مثلك، زوجًا مستقبليًا، قد يحيا حياة تعيسة، وهذا الرجل قد يكون زميل في التحرش، ينفع ترازي زميلك كده؟ وقد تطال أطفالا قد يعانون من توتر أمهاتهم وخوفهن الزائد على بناتهن.

وهذا ما ينقلنا إلى الفريق الثاني، فريق النساء المدافعات عن المتحرشين، لأنها هي ذاتها ضحية تحرش وانتهاكات كثيرة، وقد صمتت، صمتت لأنها خائفة، وشاعرة بالذنب، وتحتقر نفسها، لأنها هي "من جرأته على التحرش بها"، ولأنها طالما قد اتهمت نفسها، وطالما سارت في الطريق أو وقفت أمام مديرها أو زميلها أو صديقها أو صديق زوجها أو صديق أخيها أو ركبت المصعد مع رجل وقد ارتعدت فرائصها بسبب خيالاتها واحتمالات تصرفات الطرف الآخر غير المتوقعة، وهي تحيا حياتها تتوقع الأسوأ من كل رجل تقابله، هذا الضغط العصبي وهذه الصدمات المركبة، لا تقوم هي بعلاجها، أو اللجوء لمتخصص لمساعدتها على التنفيس عن غضبها والتخلص من كل هذه المشاعر السلبية، ذلك لأن المجتمع لا يرى أنها مرت بمشكلة، عادي، واحد "عاكسك".. ما تتكلميش بقى، حتقولي للناس إيه؟ هبشني من… لا عيب. اسكتي، وخلي بالك من لبسك، وما تطوليش في الكلام مع أي راجل، وخلي بالك من نظراتك، ما تطمعيهوش فيك.

إذن فهي شخص يعاني من صدمة عصبية ولم يتم علاجه، هي تلقي بهذه التجارب المرة في عقلها الباطن، وتحاول أن تنسى، وتكره ان تتذكر، تكره الضحية التي تذكرها بأنها كانت في يوم من الأيام في محلها، تكره أن تتعاطف معها لأنها لم تتعاطف مع نفسها بالأساس. تكره جرأة الضحية في الإفصاح عما مرت به والتي لا تتمتع هي بها، وتشعر بقليل من الارتياح أن غيرها قد مر بما مرت به، وأنها ليست وحدها من عانى من هذه التجربة، وتريد أن ترى معاناتها في غيرها. موضوع معقد كده.

وهي أيضًا تتصرف بتشكك مع زوجها، وإذا ما اكتشفت خيانته تدافع عنه ضد تلك التي "لافت عليه" أو "أغرته للتحرش بها"، وهي تقسو على ابنتها خوفًا عليها، وتضيق على الابنة، وهي تربي ابنها كي يكبر متحرشًا عظيما يقتص لها مما حدث فيها، ويسير بمبدأ "مافيش واحدة أحسن من أمي عشان ما تستحملش اللي أمي استحملته"، وتشعر بفخار حين تكتشف أن ابنها بدأ في التحرش مع سن البلوغ، لأول مرة هي في محل الجاني وليس الضحية، هي الآن في مركز القوة الذي منحه لها ابنها الذكر؛ فزي ما حررتك شايف كده، أنت تتحرش لتفك عقدك على الناس، والمجتمع كله يعاني أجيالا وراء أجيال.

عقوبة أم علاج؟

كما ذكرت آنفا، فالتحرش جريمة، هو انتهاك لشخص آخر وإرهاب له. وهو مجرم في القوانين، يعاقب عليه بالسجن، وهو ليس شقاوة، ولا إثبات للفحولة، في الواقع، هو إثبات لعكسها، وقد يدمر حياة إنسان ومستقبله، والمحيطين به؛ إذن، فالتحرش لابد له من عقاب، وبعد إنفاذ العقاب، لابد من التعامل مع الشخصية المتحرشة ودراستها، فإذا كان مصابًا بهوس مثل اللاعب ملهم هذا المقال، فلابد له من علاج. وبعد العلاج يمكننا منحه "فرصة ثانية". أما التسامح مع الجريمة دون عقاب أو اتخاذ إجراء فهو ترخيص للمجرم كي يكرر جرائمه ويفلت دوما من العقاب، لإن هناك دوما فرصة ثانية.

أما عن العبارات المملوءة باللطافة والخفافة والظرافة التي يكررها بعض الرجال: طب والله الستات بتتحرش بيا.. يوغتي!.. فلتستشعر معي أنك أمام رجل ذي عضلات، ومركز اجتماعي ومالي، ووجاهة، ودعم من محيطه، قام بالتحرش بك وأنت رجل برضه عادي ما قلبتش ست ولا حاجة. ستشعر وقتها أنك ضعيف. ستفكر: ما الذي فعلته كي يظن بي هذا الشخص أنه يمكن أن يفعل معي هذا؟ هل أبدو أقل رجولة؟ ماذا سأفعل الآن؟ كيف سأتحدث؟ الناس لن تصدقني، هو رجل ذو مصداقية، وأنا ضعيف.

استشعرت؟

شكرًا.