تخيل يا رعاك الله لو كان لدينا وزارة للسعادة في مصر

وطن ضائع كيف له أن يَسعد بدون الفهلوة واللعب بالبيضة والحجر
18.7.19
مصر

مريم علي العميرة

خلال الأيام الماضية تداولت مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي تصريحًا لموظف حكومي مصري حول إنشاء وزارة للسعادة في البلاد. جاء الخبر في سياق حديث المذيع حمدي رزق مع ضيفه الدكتور طارق الرفاعي، مدير منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة عن كيفية رفع كفاءة الخدمات في الدولة لنيل ثقة المواطن، ثم أسهب المذيع وعلى وجهه علامات الأمل قائلًا "خليني أحلم بإن يكون عندنا وزارة سعادة في مصر؟" فيرد المسؤول الحكومي " هيحصل إن شاء الله.. قريباً.. في مصر."

لم تستمر هذه الحالة من النشوة كثيرًا، فبعد انتشار الحوار بساعات نفت مصادر حكومية الأمر مؤكدة أنه غير حقيقي ولا أساس له من الصحة. نفي الخبر أصابني، وأظن كثيرين مثلي كذلك، بإحباط شديد، فوزارة السعادة في مصر مطلب أساسي خلال السنوات الماضية. فكل مصري ومصرية يتساءلون ما الفارق بيننا وبين الإمارات حتى لا ننشئ وزارة سعادة مثلهم. وتذكرت في هذه اللحظة الملحمية المليئة بالصدمة والحزن مقطع من أغنية فولكلورية يقول "تدوني الشايب ليه أنا وحشة ولا أيه؟؟" إحنا ما نستاهلش السعادة ولا أيه؟ وبرغم الصدمة والألم نبتت بذور الأمل والحلم، فتخيلتُ وزارة للسعادة في مصر تتكون من أقسام متنوعة هدفها الأساسي بث السعادة في نفوس المصريين والمصريات الأحياء منهم والأموات. فاسمحوا لي أن أتجول معكم داخل وزارة السعادة المُتخيلة لنتعرف سوياً على أقسامها. ومن هنا أدعو السادة المسؤولين لإنشاء هذه الوزارة المفصلية في مصر مع أول تشكيل حكومي قادم.

قسم مش هنبقى سوريا والعراق
"مش أحسن ما نبقى سوريا والعراق؟" عبارة ترددت كثيرًا في مصر خلال السنوات الماضية على لسان شخصيات رسمية في الدولة. ولا شك أن مصر لن تكون أبدًا مثل سوريا والعراق، فمصر أم الدنيا وذكرتها الكتب السماوية جمعاء. بل إن تقرير السعادة الدولي وضع العراق في المرتبة رقم 117 في حين وقعت مصر في المرتبة 122 من بين 156 دولة في العالم، أترون السعادة؟ هذا التقرير يُبنى على أساس مجموعة من العوامل التي تحدد مستوى سعادة هذه الدولة وشعور مواطنيها بها. هذه العوامل من بينها: مستوى الدخل السنوي، الدعم الاجتماعي، مستوى الصحة، حرية الاختيار في الحياة، ومستوى إدراك الفساد. الحكومة في مصر بالتأكيد تضع المواطنين في عيونها ولا تريد لهم الانجرار في أتون حرب أهلية أو احتلال خارجي أو مؤامرة كونية، بل تريد لهم أن يحظون بسعادة غامرة.

قسم ينفع التعليم في أيه في وطن ضايع
الحديث عن وزارة السعادة يتزامن مع إعلان نتيجة الثانوية العامة في مصر، التي كانت ومازالت كابوسًا يؤرق كل بيت مصري. وهنا يجب أن تضطلع وزارة السعادة بدور كبير في جلب السعادة للمواطنين والفهم الحقيقي لـ ماهية التعليم ومبتغاه في وطن ضائع وفق قول الرئيس عبد الفتاح السيسي. "ماذا سيجلب التعليم للطالب في النهاية؟ لا شيء" مثل هذه العبارات يجب أن نراها على أبواب المدارس وجدرانها، بدلًا من جمل واهية لا تسمن أو تغني من جوع مثل "التعليم الذي يبني الأمم" أو "العلم نور." يجب أن نستبدل هذه العبارات الرومانسية بعبارات واقعية حتى تأتينا السعادة من كل حدب وصوب مثل: "العلم في الراس مش في الكراس" و"اللي تكسب به إلعب به." وطن ضائع كيف له أن يسعد بدون الفهلوة واللعب بالبيضة والحجر.

قسم الأشياء التي تُشترى عادي
"أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى". ربما لم يعلم الشاعر الراحل أمل دنقل، أن الجوهرتين أهم من العيون الآن، بل إن هناك أشياء أقل قيمة من الجوهرتين بكثير. فمشروع القانون الخاص بحق منح الجنسية للأجانب المقيمين في مصر بقيمة 350 ألف دولار أمريكي، أسعد خبر سمعته مؤخرًا. تخيلوا كم الإقبال للحصول على الجنسية من قِبل الأجانب العاشقين لمصر وترابها. تخيلوا كمية التنوع الثقافي الذي ستصبح عليه مصر بعد ذلك. تخيلوا حجم الانتعاشة الاقتصادية التي سنشعر بها بعد ضخ كل هذه الأموال. على وزارة السعادة أن تجعل هذا القسم أساسًا في الوزارة.. أشياء يمكن شراؤها من أجل جلب السعادة للمصريين، فإلى جانب الجنسية، يمكن للأجانب شراء مواطنين مصريين (أسرة بالكامل مثلًا) في مزادات علنية قانونية من قِبل الدولة، أو شراء أجزاء مختلفة من مياه النيل ويشترط على المشتري أن يحافظ على نقاء النيل دون أن يلوثه كما يفعل بعض المصريين، فالنيل أمن قومي لا عبث فيه.

قسم العنصرية السعيدة
أن تكون عنصرياً، فهذا شيء بشع، لكن أن تكون عنصريًا بشكل مضحك فهذا شيء مبهج. فالمصريون معروف عنهم منذ أنهم أخف دم على سطح مجرة درب التبانة، وهي معلومة يعتقد فيها المصريون فقط، لا يوجد عيب مطلقاً أن تضيف على عنصريتك تجاه من يعيشون داخل مصر أو العالم الخارجي بعض التعليقات العنصرية خفيفة الظل التي تُضحك حتى من تُوجه لهم العنصرية. هنا يأتي دور وزارة السعادة، عليها أن تجعل هذه العنصرية المبهجة أم دم خفيف مقننة، وليس من حق من يواجه العنصرية الاعتراض، فهذا ميراث ثقافي مصري عريق، يجب علينا أن نسعد به ونحتفظ بحقوقه الحصرية.

قسم إحنا وطنيين بزيادة
كثير ما ترفع الوطنية نسبة الأدرينالين في أجسامنا. وبما أن المصريين يحبون وطنهم جدًا.. حب وصفه الفنان محمد الحلو في أغنيته "يا بوي يا بوي يا مصر أما الواحد بيحبك حب.. أنا مصري من ساسي لراسي قلبي ارتوى من إخلاصي." تخيلوا أن يتحول كل هذا الحب لهرمون السيروتونين فيزداد الانتماء للبلد والثقة بالذات والبعد عن الاكتئاب. أو يتحول الأدرينالين لهرمون الأندروفين الذي يجعل أجسادنا كالخيول الثائرة من شد النشوة. تخيلوا أن تكون نشوتنا في حب الوطن. ياله من أورجازم. لذا أطالب وزارة السعادة أن تنشئ قسمًا بعنوان إحنا وطنيين بزيادة، يقوم عليه خيرة علماء الكيمياء والأحياء في مصر حتى نستطيع تحويل كل شعور وطني داخل أجساد المصريين إلى هرمونات سعادة، نستمتع بها ثم نصدرها للعالم علامة مسجلة بعنوان (المصريين أهما، حيوية وعزم وهمة).

قسم يا بشمهندس طارق زود ماتقلقش البحر يحب زيادة، مثل شعبي دارج، والزيادة في الأشياء تجلب السعادة في أحيان كثيرة. فزيادة أسعار المحروقات والكهرباء تزيد من حرارة الأجواء في البلاد، ورغم هذه الزيادة في الحرارة لا تجد المصريين يشعرون بالغضب أو الضجر، بل يشاركون في تجربة ارتفاع الأسعار لقياس مدى تحملهم وصبرهم. والصبر مفتاح الفرج، والفرج مفتاح السعادة. فكيف لا ننشئ قسماً لزيادة كل شيء في مصر، زيادة معدلات التضخم، زيادة الضرائب، زيادة الضغط والأمراض المزمنة، بشرط أن تكون هذه الزيادات معروفة مسبقـًا ومجدولة، حتى لا يصاب المواطنون بجرعة مفرطة من السعادة، فخير الأمور أوسطها.

قسم المتحرشين المشاهير
لأن التحرش في مصر مرض عضال، الشفاء منه يبدو مستحيلًا. فالوزارة يجب أن تضع فئات مختلفة للمتحرشين تنقسم لفئات A وB وC. الفئة الأولى الأكثر تميزًا لأنها فئة المتحرشين المشاهير، أصحاب السلطة والنفوذ والمال، الذين إن تحرشوا بالنساء كُوفئوا، وإن اعترض المواطنون صار المتحرش بطلًا قومياً ترفع صوره في الشوارع. هذه الفئة يجب أن تكون ضمن أولويات الوزارة لأنها جالبة للسعادة، وباعثة للتفاؤل. أما الفئتان الأخريان، فلا داعي لإدراجهما الآن؛ لأن المتحرشين المنتمين لهما لا يملكون صورة جيدة لتمثيل الوطن، فتحرشهم "بلدي وبيئة وبتاع شوارع." نحن نريد متحرشين أرستقراطيين، يعتذرون عن تحرشهم عبر انستغرام وفيسبوك ثم يتلقون الدعم من شخصيات عالمية تتحدث عن التسامح.. أليس التسامح أهم مبادئ السعادة؟

قسم الحمد لله على حال
"إحنا هنا عايشين بكونسبت الحمد لله" جملة قالها الممثل الراحل يوسف داوود في فيلم "عسل أسود" لأحمد حلمي. قسم مثل هذا ضروري جدًا في الوزارة لأنه يجعل السعادة دائمة بين أيدينا، وأن لم نراها، سنقول في النهاية الحمد لله. فمثلًا رغم انخفاض مستوى الدخول في مصر بشكل غير إنساني، يتعجب المرء كيف لرب أسرة أن يعيش كل شهر بما يقل عن ثلاثة آلاف جنيه (أقل من 200 دولار أمريكي)! ستجد الإجابة من هذا الشخص: الحمد لله على كل حال. وكأن عدم قبول مثل هذا الدخل المتدني يشكل كفرًا بالخالق أو اعتراضاً على حكمته. وهنا يجب أن تصدر وزارة السعادة هذه الفكرة للعالم كله وليس في مصر فقط، لأنها موجودة بالفعل. يجب على العالم أن يحذو حذو مصر في الحمد لله على كل شيء، حيث تنظم وزارة السياحة أفواج طوال السنة من أجل زيارة بيوتنا المصرية التي يقوم بنيانها على الحمد لله على كل حال دون وجود مُرتب (معاش) في المنزل حتى نهاية الشهر.

إذا كان لديكم/ن أي مقترحات أو شكاوى بخصوص الوزارة الجديدة يمكنكم التواصل مع وزير السعادة الجديد في الحكومة السعيدة القادمة. أسعد الله يومكم/ن.