إعلان
حريات

مؤسسة القوس: بيان الشّرطة الفلسطينية صيد ثمين جداً لإسرائيل

تشكّل سياسات الغسيل الوردي استكمالًا لسياسات العنف الممنهج ضدّنا كفلسطينيين

إعداد عبير أيوب
2019 08 25, 8:10am

الصورة مقدمة من مؤسسة القوس

"نحن - مؤسسة القوس- مؤسسة فلسطينيّة مكوّنة من مجموعة من النشطاء المِثْليّات/ين، وثنائيّي الميول الجنسيّة، ومتحوّلي النوع الاجتماعيّ، والمتسائلات/ين، وغيرها من التجارب المتعددة، وأصدقائهم وحلفائهم، ونعمل في فلسطين منذ عام 2001،" هكذا عرف جول إلياس، عضو في مؤسسة القوس التي ظهر اسمها على السطح مؤخراً بعد أن أعلنت المؤسسة عن بدء التسجيل لمخيم كويري سيجري نهاية الشهر الحالي، قالت الشرطة الفلسطينية أنها ستقوم بمنعه. هذا البيان الذي اعتبره البعض "تحريضي" فتح الباب على مصراعيه لكثير من الأسئلة حول وضع مجتمع الميم في فلسطين وسلامتهم، وحول الكثير من القضايا المتعلقة بالجندرية والجنسية من ناحية، والإحتلال الإسرائيلي من ناحية أخرى مثل قضية الغسيل الوردي. تحدثت مع الياس، 25 عامًا، ناشط سياسي واجتماعي من مدينة حيفا، وجزء من طاقم القوس حول عمل المؤسسة والتحديات التي تواجهها على أكثر من صعيد.

VICE عربية: شهد الشهر الأخير أحداث كثيرة، قبل وبعد بيان الشرطة الفلسطينية الذي تحدث عن منع أنشطتكم.
جول الياس: في بداية هذا الشهر، وصلنا للأسف الشديد خبر طعن فتى من بلدة في شمال فلسطين على يد أخيه بسبب ميوله الجنسية أو هويته الجندرية، لمّ يمرّ الحدث مرور الكرام بل نظّمنا- بالشراكة مع مؤسسات فلسطينية أخرى- وقفة احتاجيّة في مدينة حيفا حول الموضوع. أما الأسبوع الماضي، فقد شهدنا موجة غضب وعنف غير مسبوقة بسبب الإعلان عن عقد فعالية في مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، في بداية الشهر، وعن نيّتنا عقد مخيم شبابي كويري في نهاية الشهر (لم نعلن مكانه). كلل موجة العنف هذه بيان من جهاز الشرطة الفلسطينية يعلن فيه عن منع فعالياتنا وملاحقتنا، بل والدعوة للتبليغ عنا.

من خلال الحدثين، ُفتح موضوع التعددية الجنسية والجندرية في المجتمع بشكل واسع، وطفى النقاش على السّطح حتّى غدا قضيّة رأي عام. نحن في مؤسسة القوس نقوم بمشاريع عدّة هدفها توفير مساحة للأشخاص الكويريين لفهم وصقل تجاربهنّ/م لكي يقودوا عمليّة التغيير المجتمعي، وفتح حوار مسؤول حول أنظمة القمع المختلفة التي تسيطر على أجسادنا، وعلى التوجّهات والممارسات والهُويّات الجنسيّة والجندريّة المختلفة والمتنوّعة؛ طبعًا ذلك كلّه من صلب فهمنا للمجتمع الفلسطيني وديناميكيّاته، وليس من خارجه.

كيف استغلّت إسرائيل هذه الحوادث الأخيرة؟
طبعًا كانت بيان الشّرطة الفلسطينية صيد ثمين جدًا للاستعمار الإسرائيلي من أجل أولًا تعزيز تصوّراته مع نفسه عن المجتمع الفلسطيني، وثانيًا من أجل استخدام الحدث كدعاية خارجيّة ليقول للناس "انظروا، بينما الفلسطينيين يقمعوا مثلييهم، نحن نحتضنهم بل وندخلهم في الجيش." وهذا اقتباس حرفي من الكثير من المؤسسات أو الجهات المختصّة بالدعاية لإسرائيل مثل المنظّمة العالمية الشهيرة StandWithUs. شعرت هذه المنظّمات الإسرائيليّة بالانتصار، خاصّة أن الموضوع يتعلّق بمؤسسة القوس التي أنهكته في السنوات الأخيرة في حملات المقاطعة وفي إظهار صورته الحقيقيّة عالميًا. مرّة أخرى، لا نريد الوقوع في جدالات فارغة حول "من متحرر أكثر نحن أم هم؟" بعض الأجهزة الفلسطينيّة تقمع الجهود التقدّمية لإحداث تغيير في المجتمع؛ إلا أن ذلك لا يعني أن الاستعمار الإسرائيلي هو من سيحرّرنا، أو أننا ننتظر الدعم والتأييد منه.

أنت تشير هنا إلى ما يسمى سياسة الغسيل الوردي؟
صحيح، سياسات الغسيل الورديّ pinkwashing ببساطة هي السياسات التي تنتهجها أنظمة ودول بتوظيف واستغلال قضايا التعددية الجنسيّة والجندريّة، والأهمّ من ذلك استغلال الأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب من مثليات/ين ومتحولات/ين وغيرها من التجارب، في العملية السياسيّة، مثل التغطية على جرائمها أو طبيعتها اللاشرعيّة أو ديكتاتوريّتها. تُمارس الغسيل الورديّ كياناتٌ استعماريّةٌ وإمبرياليّةٌ وقمعيّةٌ مُختلفة منها إسرائيل، التي تسعى بشكل دائم إلى تحسين صورتها أمام العالم، وتستخدم أوراق عدّة أبرزها "حقوق المثليين." أمّا فيما يتعلّق بالفلسطينيين، تشكّل سياسات الغسيل الوردي استكمالًا لسياسات العنف الممنهج ضدّنا، فهي سياسة تستخدمها من أجل تعزيز الشعور في العزلة والإقصاء للأشخاص الكويريين في المجتمع الفلسطيني، من خلال تسويق نفسها على أنها الحامي والملجأ الوحيد لهم. تعيد هذه المساعي إنتاج شعور الكويريين الفلسطينيين بأنهم ليسوا جزءًا من مجتمعهم، وتعيد تصوّر المجتمع حولهم بأنهم خارجين عن المجتمع أيضًا.

انطلقنا من نقطة أن عملنا في جوهره هو محاربة للذكوريّة والأبويّة، مؤسسة الاستعمار هي الأكثر ذكوريّة وأبويّة، وقائمة جوهريًا على قمع أجسادنا والسيطرة عليها

ما هي علاقة القضايا الكويريّة بالاستعمار؟
كما قلت في تعريفنا عن نفسنا، نحن لا ننظر إلى القضايا الكويريّة كمسألة "مين بنام مع مين بالتخت" بل كمسألة سياسيّة مرتبطة بأنظمة قمع تسيطر على أجسادنا ورغباتنا، وهذه الأنظمة مرتبطة بالضرورة ببعضها البعض، كأدوات القمع الجنسي والجندري والاستعماري والرأسمالي. لقد انطلقنا من نقطة أن عملنا في جوهره هو محاربة للذكوريّة والأبويّة، فمؤسسة الاستعمار هي الأكثر ذكوريّة وأبويّة، وقائمة جوهريًا على قمع أجسادنا والسيطرة عليها، وهي من عززت وتعزز أنظمة الغيريّة البحتة والمعايير الجندرية الصارمة. الاستعمار الإسرائيلي يسعى للقضاء على الحيّز والوجود الفلسطيني، وبالتالي يحاول القضاء على أي إمكانية لنا بالتحرر والتقدّم، ككويريين وكفلسطينيين بشكل عام.

ما هي جهود مؤسسة القوس في محاربة سياسات الغسيل الوردي؟
في البداية نرى أن وجودنا بحدّ ذاته هو فعل مناهض للاستعمار، لأنه يساهم في خلق إمكانات حياة في المجتمع الفلسطيني لأشخاص قد يكونوا على هامشه أو في حالة إقصاء منه، كما يعطي الفرصة والأمل لأشخاص كويريين بأن يعيشوا بين عائلاتهم وأصدقائهم ويروا مستقبلًا وأفقًا. هذا بالطبع ما لا يريده الاستعمار، حيث يريدنا مجتمع مفكك ومفتت وناقم على بعضه، حتى يغدو هو المخلّص أو المنقذ في النهاية، وذلك ليس فقط فيما يتعلق بالكويريين، بل بفئات أخرى في المجتمع مثل النساء أو الطوائف الدينية. أما فيما يتعلق بالنشاط السياسي، مؤسسة القوس منخرطة في حملات دولية منظّمة من أجل مقاطعة الكيان الصهيوني وبالتحديد السياحة المثلية فيه. يتم ذلك من خلال مجموعة pinkwatching Israel التي تتكون من نشطاء من مؤسستنا ونشطاء من حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمار منها BDS.

هل هناك تقدّم في المجتمع الفلسطيني بالقضايا الكويريّة؟
طبعًا! على الرّغم من العنف الكبير الذي شهدناه مع الأحداث الاخيرة من شتم وإتّهامات باطلة وإساءة، إلا أننا ذُهلنا من الوقفة الجادّة والدّعم الكبير من جهات عدّة؛ وما كان ذلك ليحدث قبل عشر سنوات. خرجت في الأسبوع الأخير بيانات رسميّة من 18 مؤسسة أهليّة في منطقة الضفّة الغربيّة، أضافة إلى تغيّر ملحوظ في طريقة تعاطي الإعلام مع الأمور، وبالطبّع -وهو الأهمّ- الدّعم الشعبي الكبير الذي لاقيناه من أصدقائنا وحلفائنا. نحن كمؤسسة نستمدّ قوتنا من الأمل، الأمل بمجتمع فلسطيني أفضل وأكثر عدلًا.

يمكنكم متابعة مؤسسة القوس على تويتر