مرأة
مرأة

ملاحظات حول تأنيث الدولة وقومنة أجسام النساء في مصر وفلسطين

"البلد في 2011 كشفت ضهرها وعرّت كتفها، فأي حاجة تتعمل بقى." هذه العبارة التي قالها الرئيس المصري تنتزع حرية تصرف النساء في أجسامهن وتروّج لثقافة الاغتصاب
20.10.19

كم مرة قرأنا تشبيهات مؤنثة عن بلداننا؟ قد لا يكون هناك أكثر من هذه المجازات لوصف علاقتنا بدولنا، بالانتماء المرسوم بالحدود الجغرافية. نراها يوميًا على صفحات الصحف في الكاريكاتير. نسمعها يوميًا كأغانٍ في الراديو. نراها أحيانًا على شاشات التليفزيون في أوقات الاحتفالات بالنصر، أو بالهزيمة. متشبعون/ات بها. مُحاطون/ات بها، ومترسخة في وعينا الجمعي: البلد/الدولة، هي الأم، الحبيبة، الابنة. كم مرة أُشير إليها كرجُل؟ وكم ألف مرة كامرأة؟

إعلان

لهذه التشبيهات جذور اجتماعية، متأصلة في علاقة الرجال بالنساء، وما ترمز له أجسامهن. هكذا يُنتج ويُعاد إنتاج خطاب أبوي وذكوري عن الدولة وعن أجسام النساء، في وقت تنتفض فيه النساء في المنطقة العربية. في هذا المقال، أحلل من منظور نسوي بعض التشبيهات المستخدمة في وصف الدولة كامرأة، والمقتبسة من الحياة اليومية للنساء في مصر وفلسطين منذ عقود، والمُسقطة على الواقع السياسي الحافل الذي تشهده المنطقة.

"البلد في 2011 كشفت ضهرها وعرّت كتفها، فأي حاجة تتعمل بقى،" قالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نصًا أثناء احتفالات أكتوبر العسكرية. في العبارة التي استهجنها الكثيرات/ون، ينتزع الرئيس المصري حرية تصرف النساء في أجسامهن. فالمرأة التي لا تُغطي جسمها مسؤولة بالكامل عن أي انتهاك يُرتكب ضدها. يكمن نقد العبارة في كونها تروّج لثقافة الاغتصاب والتي تشمل مجموعة تصرفات وأفعال وخطابات تبرر العنف الجنسي، وتلوم النساء على تعرضهن له. ما قاله الرئيس يُسيء إلى النساء، ويفرض نموذج واحد منهن: المرأة تتحمل مسؤولية العنف الواقع عليها إن لم تُغطي جسدها. الرئيس يرى الاغتصاب مسؤولية النساء في منعه أولًا، وفي تحمل تبعات وقوعه ثانيًا. ويتجاهل أن السبب الوحيد للاعتداء هو المعتدون ونظام العدالة الذي يسمح لهم بالإفلات من العقاب.

تتناقض استعارة السيسي مع استعارة مؤيديه في أغنية أطلقت أثناء صعود نجمه عام 2013 والتي بدأت بجملة: "اللي صان العرض يسلم" والتي تشبَّه فيها مصر كامرأة صان السيسي "عرضها." الهزلي في هذا التناقض هو أن المؤيدين يرون السيسي حاميًا للنساء، بينما يرى السيسي أن النساء تتحمل مسؤولية حمايتهن بأنفسهن، ويلومهن على أي اعتداء قد يتعرضن له، لقيامهن بتعرية وكشف أجسامهن. لكن مطلع الأغنية –وعجبًا- اتفق مع شعار أطلقه مُعارضي السيسي عام 2016 بعد أزمة جزيرتي تيران وصنافير، حيث استخدموا شعار: "الأرض هي العرض،" للتدليل على أهمية التمسك بالحدود الجغرافية. تأتي هذه الاستعارات عن النساء والشرف من الفضاء الاجتماعي للفضاء السياسي، لتؤكد تقاطعهما.

اعتمد القوميون على استخدام استعارات "الشرف والعِرض" وتشبيه مصر بامرأة، في الشعارات السياسية، والمقالات، والأعمال الفنية مثل الكاريكاتير والنحت

لم تكُن تلك المرة الأولى – أو الأخيرة- المُشار فيها إلى مصر كامرأة، ففي أثناء الصراع ضد الاحتلال البريطاني لمصر في أوائل القرن العشرين، اعتمد القوميون على استخدام استعارات "الشرف والعِرض" وتشبيه مصر بامرأة، في الشعارات السياسية، والمقالات، والأعمال الفنية مثل الكاريكاتير والنحت، كما تقول الكاتبة بيث بارون في كتابها "مصر كامرأة." لعل أبرز مثال على ذلك هو تمثال "نهضة مصر" للنحّات المصري محمود مختار، الذي تظهر مصر فيه فلاحة بجلباب تقف بجانب تمثال أبو الهول. ظهرت مصر كامرأة في الكاريكاتير، فهي مُمسكة بشْعلة تُنير طريق سعد زغلول رمز ثورة 1919 وهي التي تُنجب أجيالًا جدد.

1571565879145-image2-1
1571565898761-image3

تمثيل النساء في الخطاب السياسي الاجتماعي
تعتبر محاولات قومنة أجسام النساء عابرة الحدود، ومتجددة، وتأتي في أكثر من سياق وشكل. كما في مصر، يتم الإشارة إلى فلسطين بوصفها امرأة، وإلى الإحتلال الإسرائيلي بوصفه رجل مغتصب. كما أشار إعلان الإستقلال 1988 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى إلى النساء "كحارسات بقاء وحياة." أما القيادة الموحدة للانتفاضة فأشارت في بيانها الخامس إلى النساء "كأمهات، وأخوات، وبنات، ومنابع رجولة." وفي أقل الإشارات حدّة، تكون فلسطين أم أو حبيبة، أو امرأة يوجّه إليها الحديث، حيث يقول الشاعر محمود درويش في واحدة من قصائده:
آه يا جُرحي المكابر
وطني ليس حقيبهْ
وأنا لست مسافر
إنني العاشق، والأرض حبيبة.

في الفن بشكل عام، يتم دائماً تصوير فلسطين كإمرأة، وقد يظهر ذلك بشكل خاص في رسومات فنان الكاريكاتير الشهير ناجي العلي والذي قد تجيب أعماله عن سؤال: كيف تُرى أجسام النساء في السياقات السياسية. في هذه الرسمة مثلاً يظهر "حنظلة" الطفل الفلسطيني الأشهر في عالم الكاريكاتير، يقذف حجارة تناولها له امرأة تبدو أنها أمه وهي مُثبتة في الأرض بجذور شجرة قديمة، وبجانبها فتاة صغيرة بعمر "حنظلة" لكنها مقيدة في الأرض أيضًا بجذور الشجرة، وتحاول رمي الحجارة من مكانها. بينما "حنظلة" حرّ، طليق، تتحرك قدميه للأمام والخلف ليُصيب هدفه بحجارته.

1571565942666-image1-1

تظهر النساء كأمهات، كمُنجبات، إما مُثبتات في الأرض كالشجر القديم، أو مُستلقيات على ظهورهن في الأسرّة بعد مهمة الإنجاب. أما الرجال، فمنطلقون، أحرار، متحركون، يبنون مستقبل أو دولة

تقول الباحثة مها إبراهيم في مقال لها عن تمثيل جسد المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى: "أن تشبيه الدول بالنساء هو مقتبس من الوعي الجمعي الذي يُقدّر النساء لأدوارهن الإنجابية، بالأخص في سياقات طمس الهوية أو إعادة بنائها ضد مستعمر." وتضيف مها أن "مستودع الرموز والاستعارات في الخطاب الوطني مُشبع بمصطلحات أنثوية، إيروتيكيّة، بالحبّ والرغبة المُوجّهة عادةً نحو النساء. هذه الرغبة اتجاه الأرض تُبنى عمليًا كرغبة ذكوريّة: الرغبة في امتلاكها، الدفاع عنها، المحاربة والموت من أجلها، فعمليّة تأنيث (feminization) الأرض تشير إلى سياسة حماية ذكورية قوية تجاه النساء التي تتمثل بعبارة أرضي عِرضي."

في الخطابات السياسية، رسوم الكاريكاتير، والفن بشكله الأوسع، تظهر النساء كأمهات، كمُنجبات، إما مُثبتات في الأرض كالشجر القديم، أو مُستلقيات على ظهورهن في الأسرّة بعد مهمة الإنجاب. أما الرجال، فمنطلقون، أحرار، متحركون، يبنون مستقبل أو دولة. يأتي هذا الخطاب الذي يقومِن أجسام النساء متصلًا باحتجاجات نسويّة دشنتها الفلسطينيات في خريف 2019 والمعروف باسم "طالعات" للتنديد بالعنف الواقع عليهن. فالخطاب السياسي الذي يروّج بأن القيمة الاجتماعية للنساء هي تعريفهن بالعائلة والأسرة، ساهم بشكل كبير في تكريس العنف الأسري الذي شهدته الفلسطينيات على مدار عقود، والذي وصل إلى حد القتل -كما في حالة الفتاة إسراء غريب.

أزمة بناء دولة رجولية هشّة
في الفرق بين الرجال والنساء في الخطابات السياسية، تحضر أجسام النساء بقوة في دعوات التعبئة والمناصرة، والتي تعتمد على تقسيم الأدوار والهويات الاجتماعية وتُعيد إنتاجها: النساء مكانهن المنزل، يجب حمايتهن، والسيطرة عليهن، والرجال مكانهم الحيز العام والذي يجب على الرجال السيطرة عليه كما يُسيطرون على أجسام ذويهم من النساء والتي إن حدث لها مكروهًا، انتفت عنهم الرجولة.

السيسي يستفز رجولة المواطنين، يُحرجها، ويُنفي عنها صفات يراها المجتمع ضرورية في تشكيل هوية الرجال: السيطرة على أجسام النساء

لذلك فالاستعارات والتشبيهات تأتي مُخاطبة الرجال، وتربط هويتهم الرجولية وبناء الدولة، بالهوية النسائية التي يجب أن تكون خاضعة لهم كرجال، مُقيدة، ومُتحكَّم فيها. تقول الكاتبة سينثيا إنلو في كتابها "النسوية الفضولية: "أن تشكيل الذات الرجولية في الخطاب السياسي، يلزمه تشكيل ذات نسائية خاضعة، لتتمكن الذات الرجولية من بناء نفسها في ثنائية المُهيمِن والمُهيمَن عليه."

لعل ذلك يُفسّر كلام الرئيس السيسي عن تحميل المسؤولية للنساء غير الخاضعات، كعقاب لهن على عدم الخضوع أي كشف الجسم. وعقابًا أيضًا للدولة –أي الرجال- الذين فشلوا في السيطرة عليها أثناء ثورة يناير 2011. في كلمات السيسي، مصر امرأة، وجسمها ملكية قومية. تصرُّف مصر في جسمها ليس شخصيًا، فهو يمسّ الدولة ومواطنيها الرجال، وفشلهم في التحكم في هذا الجسد.

السيسي يستفز رجولة المواطنين، يُحرجها، ويُنفي عنها صفات يراها المجتمع ضرورية في تشكيل هوية الرجال: السيطرة على أجسام النساء. المساس بأجسام النساء وفقًا لهذه الفرضية، هو مساس بالرجولة، هو نفيها، وهو العقاب الذي يستحقه كل رجل ترك امرأة تتصرف في جسمها كما تشاء دون عقاب رادع، سواء كان هذا العقاب هو فرض رأيه على ملابسها، أو اغتصابها.