ترفيه

مقابلة مع صاحب الحساب الكوميدي "معرّب" للدبلجة

"العملية كلها تتم من غرفة نومي برفقة مايك ولابتوب"
19.10.21
السعودية

معرب/ف

عادة ما نهرب من سوداوية واقعنا بالبحث عن فيديوهات مضحكة على الإنترنت لكسر إيقاع التراجيديا المسيطرة على حياتنا والتي تزداد يوماً بعد الآخر، ومن حسن حظّنا أن هناك من يكرّس وقته لعلاجنا بالضحك كي نستطيع مواجهة دراما الحياة المجنونة. يعتبر حساب معرّب mo3rab للدوبلاج من أشهر الحسابات الكوميدية الفريدة بمحتواها على انستغرام والتي لا يمكنك تمالك نفسك من الضحك عند متابعتها، يقوم الحساب بدبلجة كوميدية لفيديوهات أجنبية وعربية باللهجة السعودية.

إعلان

 بدأ الحساب نشاطه في 2015، وكل ما نعرفه عن مالكه هو اسم حسابه فقط. قدّم "معرّب" حتى الآن أكثر من 300 فيديو كوميدي، ولديه 1.8 مليون متابع على انستغرام، بعدد مشاهدات لا يمكن حصرها على كافة منصّات السوشيال ميديا. السؤال الذي يكرره الجمهور حتى اليوم، "مين المبدع اللي جالس يسوي هالفيديوهات؟" كشفت السرّ في مقابلة خفيفة الظل مع العقل المدبّر الذي يدير هذا الحساب. لنتعرف عليه.

VICE عربية: أهلاً أهلاً، الكثير من الغموض حولك، عرّفني عنّك وكيف بدأت كل القصة معك؟
محمد:
اسمي محمد، ولسه بالعشرينات ما شيّبت، درست الهندسة وأعمل بها. نحن عائلة فنية، في طفولتي كنت أقوم بتأليف الأغاني، والدتي كانت تشارك بالمسرحيات وأخواتي كُنّ يقمن عروض مسرحية بالمنزل، فاكتسبت موهبة الأداء والتمثيل منهنّ. تضارب الهوايات عندي جعلني أنشئ حوالي ٨ حسابات على انستغرام لعرض مختلف مهاراتي، أنا طبّاخ ممتاز وأجيد الرسم أيضاً، ولكن بما أنني من برج الجوزاء فأنا ملول و"أطفش" بسرعة، بين فترة وأخرى أغلق حساب وأفتح آخر وهكذا.

في السنة الجامعية الأولى جمعني صديقي بمجموعة تعمل بدبلجة مسلسلات الأنمي بالعربية الفصحى، التقينا عبر السكايب وقالوا لي بأول مرّة: صوتك مميّز جداً ومناسب لأداء الشخصيات، "تردّدت شوي وحسيت أنه مين يتابع أنمي بالفصحى الحين؟" بس انضممت لهم للتسلية وملء فراغي، اكتسبت خبرة كبيرة بالمجال من الفريق المحترف الذي توسّع وأصبح يعمل على دبلجة أفلام سينمائية ضخمة. ولكن انتقل الفريق لخارج السعودية وأصبح استمراري معهم صعب لظروف السفر والدراسة. في 2015، قادني الملل لتجربة شيء جديد من باب المتعة، كنت أشاهد أغنية Problem  لأريانا غراندي ومسكت المايك وبدأت أرتجل بالعاميّة نص من مخيلتي وسجلّت الدبلجة. أنشأت حساب جديد على انستغرام، ونشرت المقطع وانهالت عليّ التعليقات بشكل غير متوقّع، اتصل عليّ صديقي يخبرني بأن الفيديو مضحك جداً، وطلب منّي حذفه لأنه انتشر بشكل كبير ولا يوجد ما يُثبت أحقيتي بملكيته. ترددت بحذفه لأنه حقق مشاهدات عالية، بس حذفته وأعدت نشره مع حقوقي، واستمر معي الموضوع حتى اليوم. 

إعلان

العديد من المتابعين يعتقد بأنك امرأة لأنك تجيد تقمّص شخصياتهن؟
(
يضحك) صحيح، اقرأ دائماً من يكتبن لي "أنت كيف تعرف سوالفنا أكثر منّنا؟ الفضل يعود لعلاقتي القوية مع أخواتي، فأنا قريب منهنّ وأجلس معهنّ كثيراً واستمع لأحاديثهن، وأصبح لديّ ثقافة واسعة عن جو النساء وخبير بكل تفاصيل الأعراس والسهرات، وما يدور بالمدارس وجلساتهنَ المغلقة.

قلت سابقاً أنك ستكشف عن هويتك للمتابعين لكنك تراجعت، لماذا تفضّل أن تبقى مجهولاً؟
بصراحة تردّدت، أنا شوي خجول، الموضوع كان سرّ حتى عن أهلي، وصارحتهم عندما وصل عدد المتابعين إلى 100 ألف، انصدموا وزعلوا شوي، بعدها ذاعت أمي الخبر طبعاً بين كل الأقارب وانتشرت القصة. فكرّت حينها بالظهور الرسمي وأخبرت المتابعين بأنني سأكشف عن هويتي عند وصولي لمليون متابع.
بعد فترة قصيرة وصلت للمليون فعلاً وصار الوضع جدّي. في تلك الفترة كنت بمرحلة البحث عن وظيفة، وفكرت بضريبة الشهرة التي قد أدفعها بحال معرفة ربّ العمل بأني فنان كوميدي مشهور، فقد يشكك بقدراتي المهنية بسبب نوعية محتواي الساخر، أو يرفضني لاعتقاده بأنني غير جدّي. الحصول على وظيفة ليس سهلاً لصنّاع المحتوى، والسوشل ميديا ليست مصدر دخل ثابت. فكرت طويلاً واخترت وظيفتي. ما أقدّمه يعتمد على صوتي بشكل أساسي ولن يؤثّر ظهوري، ممكن أكشف هويتي إذا وصلت لمليونين متابع "يقول مازحًا."

هل تتعارض صناعة الفيديوهات مع حياتك اليومية؟
في البدايات كان كل شيء طبيعي، بعد الوظيفة اختلف الوضع. الحياة تمشي بسرعة ويادوب نلحق. الدبلجة أخذت مني وقتي مع أهلي وأصحابي، بالذات في أيام المناسبات الخاصة كالأعياد والعطل التي أقضيها بتجهيز فيديوهات تخصّ المناسبة لنشرها بنفس الموعد دون تأخير. كما أنني أدير جميع المنصّات وأعمل على المحتوى لوحدي، المعادلة ليست سهلة، ولكن أحاول التنسيق قدر الإمكان بين العمل وحياتي الخاصّة.  

من هو جمهورك المُستهدف؟ 
المراهقين، الكبار والمهتمين بالثقافة الأجنبية، يتابعني 80% من دول الخليج على انستغرام معظمهم إناث، ويتابعني جمهور كبير من بلاد الشام على فيسبوك. المدهش أنهم يفهمون جميع المصطلحات السعودية بالفيديوهات. لكن استقبال الجمهور للنكتة يختلف بين المنصتين، ما يُضحك المتابعين في انستغرام يختلف تماماً عمّا يضحك متابعي فيسبوك. التفاعل على فيسبوك كبير جداً، بعد توسّع الجمهور دبلجت بعض المقاطع باللبناني والمصري والسوري لكنّهم أحبوا اللهجة السعودية أكثر.

إعلان

ما معايير اختيارك للفيديوهات، وما هي المراحل التي يمر بها الفيديو؟
العملية كلها تتم من غرفة نومي برفقة مايك، لابتوب وأصوات صراخي العالي وضحكي الهستيري الذي يصل للجيران، يرسل لي المتابعين الكثير من الفيديوهات لدبلجتها، ولكن الموضوع صعب. ليست جميع الفيديوهات مناسبة للدبلجة، ويجب أن أشعر بارتباط بيني وبين الفيديو أولاً. 

 فقرة البحث عن الفيديو هي الأصعب والأكثر ارهاقاً، يستغرق مني البحث ثلاثة أيام وأكثر لانتقاء شيء مناسب. يجب أن تكون الشخصيات بالفيديو متفاعلة وحركيّة ولديها لغة جسدية عالية وتعابير وجه واضحة وملامح متغيرة، وأن يكون كامل تركيز الكاميرا على الوجه، هناك شخصيات أكرر استخدامها بشكل دوري لأن طبيعة حركات وجوههن ويديهن هي الأفضل؛ كايلي جينر وعائلة كارداشيان يفوزون دائماً. في معظم الأحيان تنقذني مسلسلات Reality show المليئة بالأكشن والمشاجرات، أو فيديوهات تحدّيات اليوتيوب، استعراض محتويات الحقيبة، وضع مساحيق التجميل، ومقتطفات من أفلام أو أغاني أجنبية. 

بعد اختيار الفيديو، أحدد المشاهد المناسبة لاستخدامها وأبدأ بقصّها وترتيبها على برنامج Adobe Premiere أو Sony Vegas، ثم ارتجل نصّ يتناسب مع حركات الشفتين وابدأ بالتسجيل، تستغرق الدبلجة والمونتاج ساعة كحد أقصى لفيديو مدته دقيقة إلى دقيقة ونصف. تأخذ المقاطع التي تحتوي على شخصيات كثيرة وقتاً أطول، مثل فيديو حفل Met Gala المكوّن من سبع فيديوهات مدمجة. 

إعلان

حدّثني عن أكثر الفيديوهات انتشاراً.
هناك أكثر من فيديو حقق وصول كبير للناس، فيديو لو كانت الدعايات واقعية مثلاً، هذه الدعاية أضحكتني عند مشاهدتها لأول مرة، وتخيلت سيناريو واقعي مختلف ودبلجتها سريعاً، انتشر الفيديو بشكل كبير فقررت عمل سلسلة بنفس الاسم تُنشر كل فترة. هناك أيضاً سلسلة حفل Met Gala الذي انشره سنوياً.

هل تقرأ جميع التعليقات التي تصلك؟ 
أكيد، تهمّني ردود الناس وأقرؤها بشكل دوري. تفيدني التعليقات بتطوير المحتوى، نظرة الناس للفيديوهات تختلف تماماً عن نظرتي لها، ما يضحكني ليس شرطاً أن يضحكهم، اكتشفت ذلك من التعليقات، أحياناً أتوقّع أن يضحك الناس على جملة معينة بالفيديو، لكن يحدث العكس، ألاحظ أن الناس تركت النكتة الأساسية وضحكت على تفاصيل صغيرة لم أتوقعها مضحكة، فأعيد استخدامها بشكل آخر بفيديوهات جديدة.

في بداياتي تلقّيت الكثير من الشتائم والتهجمات الشخصية لأنني رجل يقوم بتقليد أصوات نسائية. كما تحصل الكثير من الملابسات بسبب نوعية المحتوى الكوميدي، مع الوقت أصبحت أكثر وعياً وحرصاً على تقديم مادّة مضحكة وبعيدة عن السخرية أو الاستهزاء من أيّ طرف. كما تصلني تعليقات غريبة مثل: ليش استخدمت اسمي بهالشخصية؟ ليش قلت هالمصطلح؟ ليش غلطت في نطق لهجة معينة؟ ولكن أصبح لديّ حصانة ضد مثل هذه التعليقات. اكتسبت المناعة من رسائل المتابعين المؤثرة، وصلتني مرّة رسالة من فتاة مصابة بالسرطان تخبرني بأن حسابي هو الشيء الوحيد الذي يضحكها، وهناك من أخبرني بأنه يعاني من الاكتئاب وحسابي ساعده على تعديل مزاجه، فرحتي العظيمة بتلك الرسائل تعطيني الطاقة لصنع المزيد من الفيديوهات.

ما الخلطة السحرية للاستمرار بصناعة محتوى جذاب؟
التنويع والتغيير أساسي لكسر الملل، أجب تجربة أشياء جديدة مثل تأليف فيديوهات غنائية، وتقديم الفيديوهات الإعلانية بشكل مختلف يحبّه الجمهور، كما أنشأت مؤخراً حساب خاص لدبلجة فيديوهات الكي بوب الكوريّة كوني مُتابع ومحبّ للثقافة، وحساب لدبلجة فيديوهات الأنمي يستهدف المهتمين بها. 

سقف الحرية بالكوميديا عال جداً، كيف تستغله وهل هناك أُطر معيّنة للمحتوى؟ 
استغل المساحة بالحديث عن مواضيع جدّية وأحداث عالمية من خلال تحويلها لمادّة ساخرة، بحيث أكون جزء من الحدث العالمي بطريقتي الخاصّة، فهدفي الأساسي هو صناعة محتوى كوميدي يلمس واقعنا. تحدّثت عن قرار قيادة المرأة وعودة السينما بالسعودية. من أكثر الفيديوهات التي أحبّها الجمهور وانتشرت كثيراً هي ردّة فعل ميشيل أوباما بعد تسليم البيت الأبيض لميلانيا ترامب، خروج ترامب من البيت الأبيض، زواج الأمير هاري وميغان ومقابلتهم مع "أوبرا وينفري." أحاول قدر الإمكان جعل المحتوى لائق ومناسب لثقافة المجتمع العربي. توقّفت عن استخدام الألفاظ الجريئة بالفيديوهات لإيماني بأنها حيلة سهلة وسريعة لنجاح النكتة، وأفضّل تحدّي نفسي بإضحاك الجمهور بدون استخدامهم.