ILLUSTRATION
مقابلة

حانوتي يتحدث عن عمله في المقابر خلال جائحة فيروس كورونا

حدثت مواقف كثيرة يعتقد فيها البعض بأن هناك أصواتًا تصدر من المقابر، وأن الأموات بداخلها هم أحياء
17.12.20

جميعنا نخشى الموت، ولكن هناك من ترتبط حياته ارتباطًا وثيقًا بالموت مثل مهنة "الحانوتي" أو متعهد تكفين الموتى ودفنهم. تختلف تفاصيل ومهام هذه المهنة من بلد لآخر ومن عصر لآخر، ففي السنوات الأخيرة أصبح تغسيل وتكفين الميت مهنة منفردة يقوم بها "المغسل" أما الحانوتي فهو الذي يتعهد بالدفن وكل ما هو داخل المقبرة، مثل تولي أمور حفر قبول جديدة وردم القبر بعد دفن الميت، وتولي مسؤولية مفاتيح المقابر، كما يعتني بالأشجار داخل المقبرة وغيرها من التفاصيل. 

إعلان

بشكل عام لا أحد يعطي الحانوتي حقه المعنوي على الأقل، فمجرد ذكره فأل سيء، كسوء ذكر الموت تمامًا، بالإضافة إلى ارتباطه دائمًا بانعدام المشاعر سواء في السينما التي صورت ذلك أو الثقافة الموروثة. في الوقت الذي قربتنا هذه السنة من الموت بشكل أكبر مع تفشي فيروس كورونا، أردت التعرف أكثر على عالمه، وكيف تأثرت مهنته بهذه الجائحة. إلتقيت بالعم عبد العظيم محمد، حانوتي في أحد مدافن "جبانات" صعيد مصر. 

VICE عربية: أخبرني بداية لماذا اخترت أن تعمل في هذه المهنة؟
عبد العظيم محمد: لم أختر هذه المهنة، ولدت في عائلة كلها حانوتية، أبي وأخواتي وأجدادي كلهم كانوا يعملون في بها وبالتالي لم أخترها، بل وُلدت ومستقبلي محدد، فهذه مهنة العائلة. بعد أن توفي والدي وأنا طفل، رباني أعمامي وكبرت معهم داخل كواليس هذه المهنة، حتى بدأت بالعمل بها رسميًا في عشريناتي. هذه هي مهنة الأجداد، وعلى الرغم من أن جميع أبنائي متعلمين، إلا أنني أصريت على تعليمهم هذه المهنة، فهي يمكن أن تكون بديلًا جيداً في وقت الأزمات. 

 ما هي التحديات التي تواجهك في هذه المهنة؟
هي مهنة كأي مهنة، التحديات تكمن في الدخل الذي لا يمكن تحديده أو في الأشياء التي يمكن أن أجدها في المقابر مثل العقارب أو الثعابين، فيما عدى ذلك الأمور عادية. ليس هناك أجر محدد لتكفين الموتى، ما يعطيني أياه أهل الميت أخذه ولا أتكلم، قد تكون عائلة غنية وقد تكون عائلة فقيرة، قد يأتي وقت يوجد فيه أموات كُثر وقد لا يكون هناك أموات لأسابيع طويلة، ولهذا الأمر نسبي. عندما كنت شابًا كنت أعمل في مهن أخرى بالإضافة إلى عملي كحانوتي، كي أضمن قوت يومي، لكن بعد أن كبرت أصبح مصدر رزقي الوحيد هو هذا العمل.

إعلان

 كيف تأثرت بفيروس كورونا ودفن الأموات، والخوف من العدوى، كيف تتعامل مع هذا الأمر؟ 
بشكل شخصي لا أخشى من العدوى كثيرًا، ولكني أخذ احتياطاتي عندما يأتي ميت وأعلم أنه تُوفى بفيروس كورونا، حينها تقتصر مهمتي على فتح المقبرة وتركها لهم، أهل الميت هم من يقومون بإنزال المتوفي للقبر، دون أن ألمسه بنفسي، وعادةً ما يكون أهل الميت محتاطون بارتداء الكمامات والقفازات، ويخالطهم الحذر مع الحزن. الأمر لم يقتصر على الموتى بفيروس كورونا وحسب بل حتى الأموات العاديين، فقد قل عدد مرافقين الميت وقلت الزيارات على المقابر، وفي فترة الحظر كانت المقابر ممنوعة الزيارة إلا للدفن فقط، فكان يدخل عدد أفراد قليل للدفن والرحيل بعدها، ولكن الآن بدأت الأمور تعود لطبيعها والزحام عاد تدريجيًا.  

هل تخاف من الموت؟ أم أن اعتياده يجعل الأمر سهلًا؟
عرفت هذه المهنة منذ بداية حياتي ولكن قبل العمل بها كنت أقف مع أعمامي وأقاربي وهم يمارسون المهنة، لم أتعلم في المدرسة وكانت أغلب طفولتي وحياتي داخل المقابر، ولهذا فقد أعتدت على رؤية الموتى ودفنهم. في طفولتي كنت أشعر بالخوف من المقابر والموتى، ولكن مع اعتياد السنوات أصبح الأمر عاديًا. هذه المهنة لا تجعل قلبك ميتاً، ولكنها تضيف لك العبرة طوال الوقت. لهذا أنا لا أخاف من الموت، لكن المقابر تذكرني طوال الوقت بأن النهاية آتية لا محالة.  

كيف يتعامل معك الناس من حولك، هل يخافون منك؟ 
سمعة الحانوتي بشكل عام ليست سمعة جيدة بسبب طبيعة العمل المرتبطة بالموت، فهناك من يتشائم مني وهناك من يخاف الاقتراب مني لاعتقاده أن هذا فأل سيء، وربما لأن هناك كثيرين لا يحبون زيارة المقابر وبالتالي لا يحبوني لاعتباري جزءًا منها، وهذه أفكار من الصعب تغييرها. وأنا طفل كنت أتعرض للتنمر، أثناء لعبي مع الأطفال في الشارع وفي المدرسة كان ينفر مني البعض لأن أبي حانوتي، ولظنهم أنها مهنة "تعِر" أو يظن البعض أنه من الممكن أن يِصيبه مسَ أو جن بسببي. لكن بعدما كبرت تعودت على كل هذه الأفكار ولم تعد تهمني. أنا أقضي أغلب يومي في المقابر، ولذلك أصبح تعاملي مع فئة محدودة تعودت على وجودي وتتقبله بدون أي مغالاة في التعبير.

هل استيقظ شخص ما بعد موته أو دفن حيًا؟ خلال تاريخك الطويل؟
ذات مرة كان هناك فتاة توفيت بعد صراع مع المرض، تم نقلها من المستشفى إلى المقبرة وبعد يومين زارتها إحدى صديقاتها وقالت أنها سمعت صوتًا من القبر واعتقدت أنها حية، طلبت منها إحضار التصريحات الحكومية المتعلقة بذلك الأمر، وبعدها فتحنا المقبرة ولكنها كانت ميتة. حدثت مواقف مشابهة كثيرًا يعتقد فيها البعض بأن هناك أصواتًا تصدر من المقابر، وأن الأموات بداخلها هم أحياء، ولكن لم يحدث أن وجدنا أحداً على قيد الحياة في أي مرة. 

سمعت أن هناك عن تراتبية في عمل الحانوتي؟ 
نعم، هناك خمسة آخرين يعملون معي، ولكني أنا الحانوتي الرئيسي بالإضافة إلى أنني من أمتلك مفاتيح المقابر، ولهذا إن غاب أحدنا يمكن الإعتماد على الآخر لكن بعد التواصل معي لأخذ المفاتيح. أريد أن أشير إلى شيء مهم في طبيعة المهنة، وهي أنه دائماً هناك حانوتي رئيسي وهناك مساعدين له، هم حانوتية أيضًا ولكنهم أقل درجة، الحانوتي الأكبر هو من يأمر ويُشرف على كل شيء، مثلي أنا، بينما الآخرين هم من يقومون بالعمل الفعلي، مثل حفر قبر جديد أو غلقه، وهذا المساعد يترقى تدريجيًا بعدما يكبر أو يعتزل أو يموت رئيسه (الحانوتي الأكبر). 

هل حدثت سرقة جثث أو حاول أحدهم طلب مساعدتك في ذلك؟ 
لا لم يحدث أو يفكر أحد بذلك، وإن عرض علي ذلك يومًا ما لن أفعله ولو عُرض على ملايين.