صحة نفسية

المتلازمة الغامضة التي تحوّل الناس إلى تماثيل

يبدو المرضى الذين يعانون من متلازمة التخشب متجمدين من الخارج، لكنهم يشعرون بالارتباك والخوف والقلق في داخلهم
2020 أبريل 29, 10:07am
1582136754045-The-Misunderstood-Condition-that-Turns-People-Into-Statues_LK-1
LIA KANTROWITZ

نُشر هذا المقال في الأصل على VICE US

لقد غادرت مريضة باتريشيا روزبوش. قبل ساعة كانت المرأة مستلقية في السرير بلا حراك ولا تقدر على الكلام أو الأكل أو الشرب أو الاستجابة للأوامر. عندما رأتها روزبوش لأول مرة، قالت في نفسها: "هل هي تتنفس؟" "لقد أصابني الذهول" تقول روزبوش وهي تتذكر لقاءها بتلك السيدة في عام 1986 في وحدة الطب النفسي الداخلي في جامعة ماك ماستر في كندا. كانت روزبوش، وهي طبيبة نفسية وعصبية، قد عالجت عن غير قصد أول مريض مصاب بمتلازمة التخشب أو الجمود العضلي (catatonia) وهو اضطراب غريب يصبح من يُصاب به فجأة كالتمثال ويفقد القدرة على الحركة أو الكلام. بناءً على تقارير عن هذه الحالة، قررت روزبوش إعطاء المرأة حقنة من عقار لورازيبام (الذي يُستخدم لعلاج القلق وأشياء أخرى)، ولم تتوقع أن المرأة ستتمكن من الحركة ومغادرة السرير.

الأعراض الأكثر شيوعاً للتخشب هي الجمود والتحديق وعدم القدرة على الكلام والانسحاب ورفض تناول الطعام، كما أن له عرضاَ آخر يسمى التموضع – أي عندما يصبح المريض أشبه بثمال عرض أزياء حي، ويأخذ وضعيات غير اعتيادية، وقد تصبح أطرافه أشبه بالشمع. وصفت إحدى الفرضيات هذا المرض على أنه اضطراب حركي، أو "شلل الإرادة" أو متلازمة الخوف، أو نتيجة خلل في الجهاز المناعي. يقوم العلماء حالياً بدراسة أدمغة الأشخاص المتخشبين في محاولة لفهم الأسباب التي تجعل الشخص يتجمد؛ غير أن الجواب لا يزال مجهولاً.

تقول روزبوش أنها عالجت مئات المرضى ممن عانوا من هذا المرض، حيث يعاني ما بين 7 إلى 10 في المئة من المرضى منه، وتصل النسبة في بعض التقديرات إلى 25 في المئة. رغم مدى شيوعه، إلا أنه غالباً ما يجري تشخيصه بشكل خاطئ أو يجري تجاهله تماماً لأنه اعتبر طيلة مئة عام تقريباً نوعاً من أنواع الفصام — وليس متلازمة بحد ذاتها.

على عكس العديد من الاضطرابات التي لا نفهمها، يُعتبر التخشب مثالاً صارخاً على أحد الأمراض التي يمكن علاجها بسهولة. في نسبة كبيرة من مرضى التخشب، يمكن لجرعة من البنزوديازيبين، مثل اللورازيبام، أن تجعل المريض بحال أفضل بسرعة - خلال ساعات قليلة - تماماً مثلما حدث مع أول مريضة عالجتها روزبوش. لكن بالنسبة للمصاب بالتخشب والذي يتناول العلاج الخاطئ، لن يستغرق الأمر كثيراً حتى يؤدي الجمود التام إلى مشاكل طبية كتجلط الأوردة العميقة والإنصمام الرئوي والجفاف والعدوى، وغيرها. يبلغ معدل الوفيات لدى المصابين بالتخشب نحو 35٪.

إيتحسن نحو 70 إلى 80 في المئة من الأشخاص الذين يعانون من بداية سريعة من التخشب بتناول عقار البِنزوديازيبين (benzodiazepines)، في بعض الأحيان في غضون بضع ساعات. كتبت روزبوش عام 2010: "أولئك الذين تجمدوا بلا حراك، يخرجون كلياً من حالتهم المجمدة بعد تناول البِنزوديازيبين."

ما يزال العلماء يحاولون كشف أسرار مرض التخشب، غير أن الأمر الأكثر أهمية هو تعليم الأطباء السريريين كيفية اكتشافه لكي يتمكنوا من محاولة علاج المصابين به - يُشار إلى المصابين بالعادة بـ "مرضى لازاروس" نسبةً للقديس الذي نهض من بين الأموات. وقد كتَبَ إدوارد شورتر وماكس فينك في كتابهما "جنون الخوف: تاريخ التخشب" أنه عندما يستيقظ المصابون بالتخشب، فإن الأمر لا يشبه الاستيقاظ من غيبوبة، فكثير منهم يكونون بكامل وعيهم وقالوا بأن خوفاً شديداً تملكهم أو ظنوا أنهم قد ماتوا.

إن عدم القدرة على الحركة أو الكلام هو نوع واحد من أنواع التخشب، بما في ذلك عدم القدرة على الشرب أو تناول الطعام. ويمكن أن يعاني مصابون آخرون بالتخشب من مشكلة معاكسة، أي ازدياد الرغبة في الحركة، وقد يصفقون باستمرار ويرقصون بدون موسيقى، وتظهر لدى البعض الآخر أعراض تسمى السلبية حيث يقومون بعكس ما يُطلب منهم القيام به.

يقول سيباستيان فالتر، وهو طبيب نفسي في مستشفى الطب النفسي الجامعي في برن في سويسرا؛ وقد سبق له أن عالج الكثير من مرضى التخشب: "على سبيل المثال، إن اقتربت من شخص وهممتُ بمصافحته والسلام عليه، فسوف يستدير إلى الحائط. أو عندما تطلب منهم الجلوس فإنهم يقفون."

تستذكر روزبوش الفترة الي كانت فيها طبيبة مقيمة في المستشفى وتقول إنها ربما رأت مرضى مصابين بالتخشب طوال الوقت، مرضى لم يكونوا يأكلون، وكانوا بلا حراك ولم يتكلموا أو كانت تصرفاتهم غريبة. قد يبدأ التخشب عندما تتباطأ حركة الشخص، أو تتخذ أجسادهم وضعياتٍ غريبة ويبقون على هذه الحال لعدة دقائق. يقول من أصابهم هذا العرض أنهم شعروا بأنهم كما لو كانوا مكبلين وغير قادرين على التحرك لفترة معينة من الوقت، ثم يصبح بمقدورهم التحرك مرة أخرى.

وصَفَ كتاب مدرسي ألماني سنة 1913 مريضاً مصاباً بالتخشب كما يلي: "يبدو أحياناً كما لو كان المريض كاميرا ميتة: يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، ويفهم كل شيء، لكنه غير قادر على أي رد فعل، أو فعل ما هو مؤثر، أو القيام بأي فعل. إنه مشلول عقلياً رغم أنه بكامل وعيه."

في عام 1874، وصف كارل لودفيج كالباوم الأعراض المختلفة للحركة التي رآها لدى 26 مريضاً مصاباً بأمراض عقلية، وأوجد كلمة catatonia في دراسة ألفها بعنوان Die Katatonie. لقد كان كالباوم أول من أطلق أسماً على هذا المرض رغم أن وصفاً لأعراض شبيهة بأعراض التخشب قد وُصفت قبل ذلك بوقت طويل.

كان على أحد مرضى كالباوم، وهو رجل يبلغ من العمر 27 عاماً يدعى بنيامين، لم يكن يستجب لأي شيء، ولا حتى لوخز الإبر. كتب كالباوم في دراسته: "كان يجلس أو يقف في مكان واحد ... نظراته حادة... يبدو كما لو كان واحداً من تلك التماثيل المصرية الضخمة، كان يُبقي جذع جسده العلوي في وضع مستقيم لساعات وأيام، وساعداه على فخذيه، ويحدق للأمام بحدة، وتعابير وجهه فارغة وباردة." شعر كالباوم أن التخشب هو اضطراب بحد ذاته، وليس مرتبطاً بأي مرض محدد، غير أن إميل كريبيلين، وهو أستاذ في الطب النفسي في هايدلبرغ، ويوجين بلولر، أستاذ الطب النفسي في زيوريخ، ربطا التخشب بالفصام. يقول فالتر: "وهذا ما ظلّ عليه الحال لنحو مئة عام."

يبدو أحياناً كما لو كان المريض كاميرا ميتة: يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، ويفهم كل شيء، لكنه غير قادر على أي رد فعل، أو فعل ما هو مؤثر، أو القيام بأي فعل. إنه مشلول عقلياً رغم أنه بكامل وعيه

في الواقع، عرّف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية التخشب بأنه أحد أنواع مرض انفصام الشخصية حتى عام 2013 عندما تم الإقرار بأن التخشب يَظهر جنباً إلى جنب مع العديد من الحالات، كالحالات النفسية والطبية والعصبية. قد يُصاب به مرضى الفصام، غير أنه يظهر مع أمراض عقلية أخرى، مثل الاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب، وكذلك المشكلات الطبية مثل الالتهابات أو اضطرابات المناعة الذاتية. قد يكون ذلك أحد الأسباب التي تجعلنا لا نعرف سوى القليل عن هذا المرض. يقول فالتر إن الاعتقاد بأن التخشب مرتبط بالفصام "أعاق التقدم في أبحاث التخشب لسنوات عديدة."

وقد أصبح الوضع أكثر تعقيداً عندما أصبحت الأدوية تستخدم على نطاق واسع، فيمكن أيضاً للأدوية المضادة للذهان، والتي تُعطى لمرضى انفصام الشخصية، أن تسبب اضطرابات في الحركة. لقد حجب ذلك قدرة الناس على ملاحظة التخشب لدرجة أن الباحثين في التسعينيات تساءلوا عما إذا كان التخشب قد اندثر كلياً. كتب والتر في مقال نشر عام 2019: "غالباً ما يسبب التخشب حيرة للأطباء السريريين، فيفسرون علاماته وأعراضه كشيء آخر، أو قد لا يلاحظونها أبداً."

في عام 1990، روى تقرير قصة السيدة H؛ وهي امرأة سوداء تبلغ من العمر 45 عاماً؛ أنها ظلت 24 عاماً لا تدري أنها مصابة بالتخشب، فقد أدخلت إلى مستشفى الأمراض النفسية 18 مرة منذ أن كانت في سن الحادية والعشرين، وكلما دخلت المستشفى، كانت ترفض أن تأكل أو تتبع الأوامر. قال التقرير إنها كانت امرأة محبوبة وودودة، لكنها حين كانت تدخل المستشفى "كانت تعابير وجهها تصبح متيقظة لكن فارغة؛ وتكون عيناها مفتوحة، لكن بدون أي اتصال بصري."

كانت السيدة تمكث في المستشفى بين ثلاثة أيام إلى أربعة أسابيع. لم يكن لديها أية أوهام أو هلوسة، ولم تساعد مضادات الذهان في معالجة الأعراض التي كانت تبدو عليها. وبدلاً من التعرف على التخشب، اعتقد أطبائها السابقون أنها مصابة بالذهان، ولم تتحسن حالتها إلا بعد أن وصف لها الأطباء دواء لورازيبام الذي يُستخدم لعلاج القلق.

أشار االبعض إلى أوجه التشابه بين التخشب و "الجمود التوتري" وهي استراتيجية دفاعية تلجأ إليها الحيوانات كرد فعل للخوف مثلما يحدث عندما يتظاهر حيوان الأبسوم بالموت. كما تقول إحدى النظريات بأن التخشب هو استجابة فطرية بدائية حيال الخوف

إن العقاقير المضادة للذهان هي أول خطوة لعلاج مرض انفصام الشخصية، غير أنها قد تفاقم التخشب. تساعد أدوية البنزوديازيبين (Benzodiazepines) في علاج التخشب المفاجئ والشديد، لكنها قد تفاقم الفصام. غالباً ما يمكن علاج حالات التخشب الأكثر حدة إما باللورازيبام أو بالعلاج بالصدمات الكهربائية، لكنها ليست علاجات يتلقاها المصابون بالفصام عادة.

في حياتها المهنية مع مرضى التخشب، ساعدت روزبوش في تطوير مقياس لتحديد ما إذا كان المريض مصاباً بالتخشب وذلك بالاستناد على وصف كالباوم الأصلي للمرضى في القرن التاسع عشر، وقد ساعدت في توجيه الأطباء السريريين لتشخيص المرض بشكل أفضل، غير أنها تفكر في ذلك باعتباره متلازمة وليست مرضاً وذلك أننا لا نزال لا نعرف أسبابه؛ وقالت: "كل ما فهمناه هو الشكل الذي يبدو عليه والدواء الذي ربما يستجيب له."

أمّا أنتوني ديفيد، وهو طبيب نفساني ومدير معهد الصحة العقلية بجامعة كوليدج لندن، فيرى أن التخشب مشكلة في النظام الحركي للجسم، أي ما يوجه الحركة والسيطرة الطوعية، ويعتقد أن السبب قد يعود إلى اختلال في المواد الكيميائية الموجودة في الدماغ مثل الإغلاق المفاجئ لناقل عصبي يسمى الدوبامين (dopamine) في أجزاء معينة من الدماغ.

أشار آخرون إلى أوجه التشابه بين التخشب و "الجمود التوتري" وهي استراتيجية دفاعية تلجأ إليها الحيوانات كرد فعل للخوف مثلما يحدث عندما يتظاهر حيوان الأبسوم بالموت. كما تقول إحدى النظريات بأن التخشب هو استجابة فطرية بدائية حيال الخوف. تقول روزبوش إنها تجد أنه من المثير للاهتمام أن دواء البنزوديازيبين يساعد في علاج القلق، ويبدو أنه يساعد أيضاً في علاج التخشب.

التخشب هو حالة جسدية وعقلية في آن معاً. هل هو ناتج عن الخوف والقلق؟ أم أنه اضطراب في الحركة، أي اضطراب ميكانيكي بحت؟ هل الخوف موجود لشرح علم وظائف الأعضاء؟ من يجب أن يعالج التخشب؟ هل هو طبيب أعصاب؟ أم عالم نفس؟ أم أخصائي مناعة؟ حتى بعد عقود من دراسته، تعتقد روزبوش أن التساؤل عما إذا كان التخشب جسدياً أم عقلياً لا يجدي نفعاً، وتقول: "السؤال عما إذا كان الأمر جسدياً أم نفسياً يشبه القول هل اليوم الثلاثاء أم أنها تمطر؟"

في الوقت الحالي، وعلى عكس الأمراض الغامضة الأخرى الموصوفة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، تركز روزبوش على الكيفية التي يمكن من خلالها لجرعة منخفضة من عقار آمن أن تجعل المرضى بحال أفضل.

يقول فالتر ما يدهشني هو أن معظم الحالات لا يجري التعرف عليها." من المحتمل أن التخشب لا يزال بحاجة إلى تشخيص أفضل، وقد يكون مردّ ذلك تدني التعليم حوله، وقد لا يلاحظ العديد من الأطباء السريريين علامات هذا المرض أو يعزونها إلى شيء آخر. وجدت إحدى الدراسات أن الأطباء قاموا بتشخيص التخشب في 2 في المئة فقط من مجموعة تضم 139 مريضاً نفسياً، في حين أن فريقاً من الباحثين الذين يعرفون عنه أكثر قد شخصوا التخشب في 18 في المئة من المجموعة نفسها.

مرّ مريض قال فالتر أنه لن ينساه أبداً بنوبات متعددة من التخشب من قبل - لكن أطباءه لم يكتشفوه أبداً. وقال فالتر: "لم يكونوا على دراية بالتاريخ، وعندما بدأت قوى المريض تخور، ولم يعد يتحرك، أحالوه إلى وحدة العناية المركزة. كانوا يحاولون تحسين حالته ولم يدركوا أنها نوبة تخشب. توقف المريض عن الأكل، وأصيب بالتهاب رئوي لأنه لم يكن يبتلع بشكل صحيح، وحدثت جميع أنواع المضاعفات الأخرى لمجرد أن أحداً لم يعرف أن المريض كان يعاني من التخشب."

من قبيل الصدفة أن طُلب رأي كل من فالتر وزملائه، وخلال 10 أيام من العلاج، تمكن ذلك المريض من المشي والتحدث والأكل مرة أخرى. كان في السابق يمكث في وحدة العناية المركزة بين ستة وثمانية أسابيع.

تقول روزبوش: "إن ذلك مهم للغاية لأن مرضى المتلازمة يستجيبون للعلاج بشكل رائع. في غضون ساعات، يمكن للمرضى الانتقال ببساطة من التخشب وكأنهم ليسوا على قيد الحياة إلى الوقوف والتحدث، ويساعدهم التدخل السليم على التعافي تماماً."