رأي

تميم يونس.. والنكتة الغبية

الأغنية التي يزعم تميم سخريتها من الرجال، تحتفي بهم، وتضع لهم جُمل إبداعية يستخدمونها في التسفيه من الرفض ومن عواقبه علينا كنساء
6.1.20
مصر

يُحكى أن في ليلة من ليالي شتاء 2020، اشتعل التايم لاين –كالعادة- بجدالات مطوّلة عن القبول وعلاقته بالعنف ضد النساء. ظننت أن الحديث على واقعة التحرش الجنسي الجماعي بمدينة المنصورة والتي انتشر لها مقطع فيديو في أول يوم للسنة الجديدة. لكن لا، كان هناك شيء آخر، وذِكر لاسم المخرج تميم يونس. ولمن لا يعرفون تميم، هو مخرج إعلانات شاب، واشتهر بسلسلة فيديوهات ساخرة بعنوان "رسّيني." يُعرف تميم بين أوساط الشباب أنه شاب ساخر ومبدع، وما يُميز سخريته هو إضفاء طابع الجديّة على النكتة. دخلت حسابه الشخصي فوجدت فيديو لأغنية سالمونيلا "عشان تبقي تقولي لأ". "أوف! إيه العنوان ده. يارب ميكونش اللي في بالي." فتحتها، وشاهدت أول جملة مع أداء تميم الهزلي والجاد. تحكي الأغنية قصة شاب أراد التقرب من شابة، فيتتبعها ويُلاحقها، ويتخيل حياتهما معًا. ثم يُهددها إن رفضته. بين التهديد والوعيد، يُكرر تميم جملته: "عشان تبقي تقولي لأ" كتذكير للشابة أن ما سيلحق بها من أذى هو بسبب رفضها. والأفضل لها أن توافق. يزعم تميم أن الأغنية هزلية، وأنه يسخر من رجال لا يتقبلون الرفض. لكنه في نفس الوقت يستخدم تعبيراتهم وتهديدهم على إيقاع موسيقى إلكترونية وحركات جنسية. تحولت ابتسامتي إلى تجهّم مع استمرار المشاهدة، وأدركت أن تلك النكتة، غبية.

متى تكون النكتة غبية؟
بينما أراد تميم السخرية من الرجل النحنوح العنيف، تغنّى بكلمات تُقلل من النساء، وتُسفّه من الرفض. عندما لا تُدرك النكتة سياقها أو وقعها؛ عندما تفشل في الوصول للمتلقين أو شريحة معينة منهم/ن؛ عندما لا تُدرك النكتة أنها نكتة، حينها تكون غبية. ما هو سياق نكتة تميم يونس؟ كنساء نعيش في مجتمعاتنا ونكبر على الطاعة وأن القرار الأول للأسرة، وأن كلمة "لا" عيب، تكون للكلمة عواقب.

هناك نساء تتعرض للاغتصاب إن رفضن ممارسة الجنس مع أزواجهن، ولا يعترف القانون بهذا الفعل كاغتصاب إلا في حالة كان الاغتصاب شرجيًا، وحينها لا يُصنفه القانون اغتصابًا، بل "هتك عرض." وهناك نساء تم تخديرهنّ من أزواجهن واغتصابهنّ؛ لأنهن مثليات الجنس. أخريات تعرضن إلى رش مواد كيماوية على وجوههن كعقاب، لأنهن حررّن محاضر تحرش. أخريات تعرضن للضرب في الشارع وحررنّ محاضر رسمية، وحرر المتحرش محضر كيدي ليجبرهن على التنازل بعد تهديد وضغط على عائلات الشاكيات.

حيواتنا ليست نكتة. الأثمان التي ندفعها يوميًا من سلامتنا الجسدية والنفسية ليست نكتة. ربطتنا الأغنية بواقع يومي نحسب له مليون حساب قبل أن نتجرأ ونقول لا

هذا الضغط مرتبط بأن إجراءات التقاضي في قضايا العنف الجنسي لا تأخذ في اعتبارها حساسية تلك القضايا، وبسبب تسريب أقسام الشرطة معلومات الشاكيات لأهل المتحرش. هناك نساء لا يلجأن للمحاضر الرسمية لإيقانهن أنها غير ذات جدوى، قد يصورّن المتحرش والمُتتبع، ستوكر، فيديو وينشرونه على فيسبوك، ثم يتعرضنّ للتشهير بهنّ كعقاب، ويفقدن وظائفهن جرّاءه. نساء تتعرض للابتزاز الجنسي، والتهديد بنشر صورهن الخاصة على الإنترنت، لأنهن يرفضن ممارسة الجنس. فتيات صغيرات تعرضن للاغتصاب، ونتج عنه حمل، وخاطرن بحيواتهن أثناء الإجهاض؛ لأن القانون المصري يُجرمه حتى لو كان الحمل ناتجًا عن اغتصاب. لا يقتصر ذلك على العلاقات العاطفية والجنسية، فعندما تقول بنت لا للأب، إما يضربها، أو يُعاقبها بحبس منزلي أو قطع المصروف. هذا هو سياق كلمة "لأ" في مجتمعاتنا، ومجتمعات أخرى بالمناسبة.

الأغنية التي يزعم تميم سخريتها من الرجال، تحتفي بهم، وتضع لهم جُمل إبداعية يستخدمونها في التسفيه من الرفض ومن عواقبه علينا كنساء. أغنية تُذكرنا جميعًا بأن العنف هو نهاية المطاف، حتى في السخرية، وحتى في أعمال إبداعية يُقال عنها نكتة خفيفة. حيواتنا ليست نكتة. الأثمان التي ندفعها يوميًا من سلامتنا الجسدية والنفسية ليست نكتة. ربطتنا الأغنية بكل الوقائع السابق ذكرها، وبواقع يومي نحسب له مليون حساب قبل أن نتجرأ ونقول لا. هذا هو سياق النكتة الذي لم تُدركه، أو لم يبذل مُنتجيها مجهود كافٍ لإدراكه.

وجودي كامرأة لا يعني موافقتي على إقامة أي علاقة إذا لم أعبر عن رفضي صراحةً. بمعنى آخر: السكوت لا يعني الرضا. وعبء إثبات الرفض يضعنا في خانة الأشياء

هنا تصبح النكتة غبية، وكسولة أيضًا. ففي عالم الإعلانات الذي يأتي منه تميم يونس بثقة، الإبداع ليس فكرة تأتي في بال شخص، فتتحول لإعلان وتسويق لمنتج. هي أيضًا المجهود الذي يبذله صاحب الفكرة والقائمين/ات عليها في فهم طبيعة السوق والمستهلك، وفي دراسة الشركات المنافسة وإعلاناتها الحالية والسابقة. لتكون الفكرة إبداعية، يجب أن تكون جديدة، أن تربط بين المستهلك والمنتج. أما الأغنية، فلم تأتِ بجديد، بل جعلت من القديم والحالي نكتة سخيفة، نرى أنفسنا فيها ونحنُ ساخطات على كل عقاب تلقيناه بسبب كلمة لا. شعرنا بالتسفيه، لأنها لم تعتبرنا حتى مستهلك لمنتج. بالنسبة إليها وإلى تميم يونس نفسه، نحنُ أقل من ذلك. أقل من أن يُبذل مجهود لفهم الجدل الدائر لسنوات عن القبول والرضائية، وعن العنف. بالنسبة إليهم، نحن موضوع لنكتة، أو احتمالية جيدة لكسب جماهير جديدة لتميم يونس وفريقه، ستؤثر عليهم إيجابًا في عالم بزنس الإعلانات ولعبة الإنفلونسرز.

لماذا يلجأ الرجال للعنف بعد الرفض؟
لنفهم كيف يعمل الرجال، على غرار تفكيك الأطفال للدُمى، يجب أن نفهم كيف ينعكس الرفض على علاقاتهم بأنفسهم. يتربى الرجال على الاستحقاق، وبأن الوصول للأشياء الراغبين فيها، مُتاح ومُمكن. يكبر الرجال على فرضية أن النساء ملكياتهم، داخل العائلة وخارجها، وبأن لهم سلطة ما على أي امرأة، لأنهم رجالًا. وتكون علاقة الرجل بنفسه مرتبطة بمدى هيمنته وسيطرته على النساء من حوله، وبمدى قدرته على الوصول لنساء لا يتواجدن عادة في محيطه الاجتماعي. يتغذى تخيله عن رجولته على علاقته بالنساء في العموم.

عندما يستشعر الرجال الرفض أو يسمعون كلمة "لا" يحدث خللًا في علاقتهم بأنفسهم، وبرجولتهم التي يعتقدون أنها تتمثل في "الحصول" على النساء، أو السيطرة عليهن. في عالم الرجال، يوُصم الشخص الذي لا يحصل على مراده، أنه "ليس رجلًا حقيقيًا" أي أنه فقد ركن أساسي من أركان رجولته. والرجال –كما نعرف- لا يتحملون نزع صفة الرجولة عنهم؛ لأن الصفقة المُبرمة بينهم وبين المنظومة الأبوية، بما في ذلك القانون، تجعل لهم اليد العُليا على النساء. فيؤمنون أن النساء في المطلق أقل منهم. النساء أشياء، والأشياء لا تتكلم. الأشياء لا ترفض. الأشياء لا تقول لا.

مهما كان الوصم بأننا "دمنا تقيل" ولا نفهم النكتة، سُنعبّر أن النكتة غبيّة، وأن غباءها الصافي يجعل العنف عاديًا ومقبولًا. وقبل أن تتهموننا بأننا لا نفهم السخرية، عليكم إدراك مأساويته أولًا

حينما نقول "لا"، يرتبك الرجال ويشعرون أن هناك شيء خاطئ. يصبّون غضبهم على النساء بالعنف، بدلًا من المنظومة، وبدلًا من التفكير فيها. هذه هي ذاتهم الرجولية التي يتم زعزعتها. يشعرون بتهديد بقاءهم ووجودهم، وتعريفهم لأنفسهم، كرجال. هم لا يتخيلون أنفسهم إلا رجالًا- بالمعنى المرتبط بالهيمنة وبالعنف.

في العلاقات بين الرجال والنساء، يعتبر الرجال أن النساء مُتاحات، فقط لكونهنّ نساء. وهنا يدور جدل عن الرفض كمفهوم قابل للتفكيك. وجوب تصريح النساء بالرفض ونطق كلمة لا، يتضمن تصوُّر أن النساء في الأصل مُتاحات/موافقات، ويضع عليهن عبء "إثبات" العكس. وجودي كامرأة لا يعني موافقتي على إقامة أي علاقة إذا لم أعبر عن رفضي صراحةً. بمعنى آخر: السكوت لا يعني الرضا. وعبء إثبات الرفض يضعنا في خانة الأشياء، وينزع عنّا حقّنا في الوجود كأشخاص عادية غير معروضة للطلب، أو كما تقول الأكاديمية لمى أبو عودة: نعم تعني نعم.

يقول الأديب المصري ألبير قصيري في روايته "العنف والسخرية": العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال….. لا يجب أن نأخذ الأمر على محمل الجد؛ لأن هذا هو ما يرغبون فيه." وأُضيف عليها أن العكس بالعكس. إن أرادت عصبة الأنذال ألا نأخذ الأمور بجديّة، فسنأخذها بجديّة. لأن التسفيه منها يخدم هؤلاء الأنذال على حسابنا نحنُ. فمهما كان الوصم بأننا "دمنا تقيل" ولا نفهم النكتة، سُنعبّر أن النكتة غبيّة، وأن غباءها الصافي يجعل العنف عاديًا ومقبولًا. إن كان واقعنا مأساوي لهذه الدرجة، فقبل أن تتهموننا بأننا لا نفهم السخرية، عليكم إدراك مأساويته أولًا. عليكم اختبار صعوبته أولًا. عليكم المخاطرة بحيواتكم/ن يوميًا مثلنا. وقتها، يُمكن أن نسخر منه جميعًا؛ لأنه أصبح ثقيلًا على الجميع. يُمكننا أن نلجأ للسخرية كأداة مقاومة، كما صاغها قصيري. إما إن كنتُم لا تُدركون واقعنا، ولا تعيشونه، فليس لديكم أي حق في السخرية منه.