iraq's4
صحافة

لماذا يتم استهداف الصحفيين والناشطين في العراق؟

"تبدو الحكومة عاجزة تمامًا عن حماية أي أحد"
22.1.20

في 10 يناير، أمسى العراقيون على خبر مقتل الصحفيين أحمد عبد الصمد، 39 عامًا، مراسل قناة دجلة العراقية، ومصوره صفاء غالي، 37 عامًا. الحادثة حصلت بعد إن أنهى أحمد وصفاء التغطية المباشرة اليومية وتوجهوا إلى سيارتهم المتوقفة أمام مقر قيادة شرطة البصرة، فجأة اوقفتهم سيارتين نوع بيك آب دفع رباعي بدون لوحات، فتحوا النار عليهم ولاذوا بالفرار.

وكان عبد الصمد قبل مقتله قد نشر فيديو عبر صحفته الرسمية على الفيسبوك ينتقد فيه الجهات الأمنية في اعتقال المتظاهرين، متحدثاً عن الطرف الثالث الذي يقتل المحتجين وقد أنهى الفيديو بجملة، هي آخر جملة يتحدث بها عبدالصمد قبل مقتله قائلاً: "قضيتنا قضية وطن، يلي ماعدكم وطن." لا دليل فيما إذا كان الفيديو له علاقة بمقتله ولكن بعد أن نشرَ الفيديو بساعات قليلة، تم إغتياله، وبحسب مصادر تحدثت إلينا، كان عبد الصمد يتلقى عدد من التهديدات المستمرة مجهولة المصدر. وقناة دجلة هي ممولة من رئيس الحزب الحل العراقي، جمال الكربولي، وهو سياسي ورجل أعمال عراقي.

إعلان

"كان خبر مقتلهما صدمة كبيرة بالنسبة لي،" يقول أحمد رياض، 31 عاماً، خلال مقابلة عبر الهاتف، وهو صديق كل من عبد الصمد وغالي: "كان عبد الصمد ينتقد كل الأطراف في تقاريره التلفزيونية، إما صفاء فهو بعيد عن مواضيع السياسة، وما إن تتحدث معه في السياسة حتى يغير مسار الحديث لأنه يكره السياسة، فقط يحب كاميرته وعمله." ويضيف: "لا نعلم من هي الجهة التي قتلت أحمد وصفاء، ولكني متأكد بأنه سيتم الكشف عنهم يوما ما."

تعرض الصحفييون إلى الضرب بالعصي الكهربائية والهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب أثناء تغطية الاحتجاجات والتظاهرات السلمية

مقتل عبد الصمد وغالي هو واحد من ضمن عدد من الاغتيالات التي طالت صحافيين وناشطين مشاركين في تغطية التظاهرات التي تشهدها عدة مدن في العراق منذ انطلاقها في مطلع تشرين الأول الماضي. وبحسب الأرقام التي كشف عنها عمر الفرحان، مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب في مقابلة مع VICE عربية ؛فقد تم اغتيال 37 ناشطاً، وتم خطف 41 آخرون. أما الإعلاميين، فقد تعرض 73 إعلامي للقتل والتهديد والاعتداء، وتم خطف واعتقال تسعة منهم، منذ مطلع أكتوبر الأول ولغاية 20 من شهر يناير الجاري." ويضيف الفرحان أن "السلطات الأمنية أصدرت 130 أمر إعتقال بحق الناشطين والصحفيين الذين يقومون بتغطية التظاهرات، مما أضطر 50 منهم إلى ترك عمله ومغادرة بغداد."

وفي تقريرها السنوي الرصدي، وثقت النقابة الوطنية للصحفيين في العراق 188 إنتهاكاً طال الصحفيين والإعلاميين خلال تغطيتهم للتظاهرات في محافظات العراق. وذكر التقرير أن الصحفيين يواجهون خطراً كبيراً خلال تغطية الاحتجاجات والتظاهرات السلمية تعرض من خلالها الصحفيين إلى الضرب بالعصي الكهربائية والهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب، والإختناق بسبب انفلاق قنابل الغازات المسيلة للدموع بالقرب منهم، فيما وتعرض آخرون إلى التهديد بالتصفية الجسدية.

إعلان

أما عن الجهات التي وراء هذه الاستهدافات، فيقول إبراهيم السراج، رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الصحفيين: "هناك جهات كثيرة تستهدف الصحفيين، وأعتقد أن المتضرر من حرية الصحافة وحرية التعبير يلجأ إلى إغتيال الصحفي، ربما رداً على سياسة المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها الصحفي المستهدف."

1579692550341-iraqs1

من المظاهرات في ساحة التحرير، بغداد.

عدد من الناشطين الذين التقتهم VICE عربية قالوا أن هناك ميليشيات "موالية لإيران" تقف وراء عمليات استهداف الناشطين والصحفيين، بينما التصريحات الحكومية تكتفي بتسميتهم جهات مجهولة أو من "الطرف الثالث." بحسب الناشطين الذين تحدثت معهم، ورفضوا الكشف عن اسمائهم، فإن هذه المليشيات تقوم باستهداف الأشخاص الذين يقومون بانتقادها سواء عبر الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي أو في التظاهرات.

وفي حين يطالب المتظاهرين العراقيين بإصلاحات تشمل رحيل الطبقة السياسية والقضاء على الفساد وتحسين الخدمات العامة، كان هناك أيضاً دعوات لرفض التدخل الإيراني في السياسة الداخلية للعراق، وقد تم استهداف وإحراق مقرات حزبية تابعة لأحزاب موالية لها. لا يوجد الكثير من المعلومات عن أعداد هذه المليشيات والجهات التي تتبعها، ولكن بعض الميليشيات لها أعضاء في مجلس النواب العراقي ولديها مصالح في إبقاء الوضع كما هو.

كان من المفترض أن تتولى الجهات الرسمية الإشارة إلى الجهة المتورطة بقتل الصحفيين، لكنها تكتفي بتقييد الجريمة ضد مجهول، وهو بحد ذاته فشل كبير

"كان من المفترض أن تتولى الجهات الرسمية الإشارة إلى الجهة المتورطة بقتل الصحفيين، لكنها تكتفي بتقييد الجريمة ضد مجهول، وهو بحد ذاته فشل كبير سيؤدي إلى المزيد من الجرائم ضدهم،" يضيف السراج: "فتح تحقيق شفاف في تلك الجرائم قد يعد خطوة أولى لمنع وإيقاف العنف ضد الصحفيين لكن مسلسل الاستهداف لازال مستمراً، مما أثر سلبًا على واقع حرية الصحافة، وجعل الصحفيين في دائرة الخطر." ويشير السراج إلى أن فشل المؤسسات التي يعمل فيها الصحفيين في المطالبة بحقوقهم ويقول: "معظم هذه المؤسسات الإعلامية اكتفت بإصدار بيانات الشجب والتنديد كتعبير عن حالة الفشل والتخبط في حماية الصحفيين."

ويحتل العراق في المرتبة 156 من بين 180 في حرية الصحافة، حسب تقرير منظمة صحفيون بلا حدود للعام 2019. وينص قانون حماية الصحفيين، الذي صدر سنة 2011، إلى تعزيز حقوق الصحفيين وتوفير الحماية لهم كما له الحق في الحصول على المعلومات من مصادرها المختلفة، كما يعاقب كل من يعتدي على صحفي أثناء تأدية مهنته، ولكن هذا القانون غير معمول فيه في مؤسسات الدولة، ويطالب الصحفيين بتفعيله.

وفي حديث مع خالد المهنا، الناطق باسم وزارة الداخلية، استنكر حادثة اغتيال الاعلاميين أحمد عبد الصمد وصفاء غالي، وأكد أن وزير الداخلية العراقي "قد وجه الاجهزة المختصة في الوزارة بسرعة إنجاز التحقيق في هذه الحادثة، وتقديم الجناة للعدالة بأسرع وقت ممكن." طلبنا منه تفاصيل أكثر نتائج التحقيقات الأولية، لكن قال "الجهات التحقيقية عادة لا تكشف ما بحيازتها من معلومات إلا بعد الوصول للجناة."

في ظل هذا الوضع، قرر الصحفيون الإعتماد على أنفسهم لإيجاد حل، وقد تم إطلاق هاشتاغ #أنا_القادم في البصرة وبقية مدن العراق بعد مقتل أحمد وصفاء، وأعلنوا عن مقاطعة تغطية أي نشاط أمني تدعو إليه السلطات الأمنية في المحافظة. "تم دعوتنا إلى مؤتمر صحفي من قبل مديرية شرطة البصرة والذي يبحث الوضع الأمني في المحافظة ولكن قاطعنا هذا المؤتمر أنا وكل الصحفيين لحين الكشف عن الجناة،" يقول ماهر الهاشمي، 25 عاماً، صحفي من البصرة: "لا تزال القوات الأمنية تقول أن الجناة غير معروفين ولم تستطع الكشف عنهم. في الواقع، أخشى على نفسي، اليوم أحمد وصفاء وغداً قد أكون أنا."

لقد فقدنا جزء من صوتنا. ولكن لن تؤثر هذه الاغتيالات على زخم الثورة، على العكس إنها مستمرة وفي وتيرة متصاعدة

وعن مدى تأثير هذه الأحداث على العمل الصحفي في العراق، يقول ليث ناطق، وهو صحفي من بغداد، أن الجميع في خطر: "لقد خرجنا في وقفة ارتجالية غير مخطط للتنديد باستهداف الصحفيين، لأن نقابة الصحفيين العراقيين لم تدعو إلى أي وقفة تضامنية. يبدو أن نقيب الصحفيين منشغل في التخادم مع الحكومة، أكثر من إنشغاله على حماية الصحفيين." حاولنا التواصل مع نقيب الصحفيين ولكننا لم نتلقى أي رد.

1579692835126-iraqs3

متظاهر يحمل الماء والقطن وعدد مت الإسعافات الأولية استعداداً للتظاهر، فقد قتلت القوات الأمنية 669 عراقي منذ أكتوبر.

التهديدات التي طالت الصحفيين في العراق ليست جديدة، وقد دفعت البعض منهم لمغادرة العراق بحثاً عن الأمان. أحد هؤلاء الصحفي نور العطّار، 21 عامًا: "خرجت من العراق عام 2017 بعد أن تعرضت للعديد من التهديدات والإعتداء الجسدي بسبب نشاطي في الإعلام وعلى منصات التواصل الإجتماعي. أعيش اليوم في هولندا حيث أشعر بالحرية الصحفية والأمان الذي كنت أفتقده في العراق، ولكنني أقوم بمتابعة أخبار العراق ونشر أحداث التظاهرات. يحزنني جداً مشاهدة عمليات الإغتيال والقتل المتظاهرين والناشطين والإعلاميين، في الوقت الذي تبدو الحكومة عاجزة تمامًا عن حماية أي أحد."

المظاهرات التي تشهدها المحافظات العراقية منذ مطلع أكتوبر والتي قتل فيها 669 متظاهر سلمي، لا يبدو أنها تأثرت بشكل مباشر بهذه الاستهدافات بل على العكس، يبدو أنها كانت سبباً للاستمرار ضمن هدف واحد لتحقيق العدالة للجميع. ولكن يعترف بعض المتظاهرون أن التغطيات الإعلامية من داخل ساحات التظاهرات قلت بشكل ملحوظ بسبب إستهداف الصحفيين المستمر.

"كان أحمد وصفاء صوتنا الوحيد في الوقت الذي امتنع الاعلام الحكومي أو الأحزاب عن تغطية التظاهرات،" يقول المتظاهر عباس حسون، 22 عامًا: "برحيلهما فقدنا جزءً من صوتنا. ولكن لن تؤثر هذه الاغتيالات على زخم الثورة، على العكس إنها مستمرة وفي وتيرة متصاعدة."