ترفيه

رحلة رقم ١ عدن- برلين: سردية "المرهقون" مع المخرج عمرو جمال

يعتبر معظم طاقم التمثيل من المواهب الصاعدة الذين لعبوا أدوارًا صغيرة في السابق وخضعوا لبروفات مكثفة لمدة ٣ أشهر
0083806

صورة من فيلم "المرهقون."

شهدت السينما اليمنية مؤخرًا نجاحًا للعديد من الأفلام المحلية على منصات دولية مهمة، حيث اخترق مخرجون ومخرجات يمنيون فضاءات ومهرجانات جديدة لم تعرض أفلامًا أو قصصًا يمنية من قبل. يحزم المخرج عمرو جمال أمتعته استعدادًا لرحلة طويلة من عدن الى برلين٬ ويحمل معه أول فيلم يمني بعنوان "المرهقون" The Burdened ليعرض خلال مهرجان برلين السينمائي. 

في قاعات السينما في برلين اجتمعت قصص اليمنيون "المرهقون" واليمنيون المغتربون. وعلى الرغم من تفاوت المسافات والأحوال بين قصص الداخل والخارج، إلا أن الآمال التي يحملها اليمنيون جميعًا موحدة الجوهر: أن تفنى الحرب حالًا وإلى الأبد. يحمل عمرو في طريق العودة جائزة منظمة العفو الدولية في المهرجان والذي توسم بها القصة الأكثر تأثيرًا على المستوى الإنساني وايضًا المركز الثاني للفيلم الاكثر تفضيلًا من خلال تصويت الجمهور. قد يرى البعض أن القصة تقدم سردية عن الوضع الإنساني والأمني في اليمن، تحديدًا في مدينة عدن، لكنها في الواقع تتعمق في تجارب الشباب، والأمهات، والآباء، واليمنيين/ات بشكل عام، وتستكشف العوامل المجتمعية، والبيئية، والسياسية التي تؤثر على حياتهم. 

إعلان

يستوحي الفيلم أحداثه عن قصة واقعية مقتبسة من حياة زوجين، أحمد وإسراء، وهما أب وأم لثلاثة أطفال. يتتبع الفيلم مسيرة بحثهما عن طريقة لإجهاض الطفل الرابع الذي لم يكن بالحسبان. لم يبدو قرار الإنجاب صائبًا في ظل الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها العائلة ولكن خوضه لم يكن بتلك السهولة. تواجه المرأة اليمنية صعوبة كبيرة في إجراء الإجهاض بسبب الرفض المجتمعي والديني، مما يخلق أزمة أخلاقية تجعلها عالقة بين الخوف من المجتمع والخوف من المستقبل. إسراء مرتبكة ومتضاربة بشأن قرارها، بينما يتعامل أحمد ببراغماتية وصرامة الأب اليمني لحل العبء المالي الذي سيجلبه وصول الجنين لأسرته.

0117807.jpg

لقطة من الفيلم.

من السهل إسقاط قصة إسراء وأحمد على الواقع، فهذا هو الحال كذلك مع الكثير من عوائل الطبقة الكادحة أو ذوي الدخل المتوسط وهي طبقة شديدة الهشاشة، فقد انهارت سرعان ما عصفت بها رياح الحرب. ويقول المخرج عمرو جمال أن إجهاض الطفل في الفيلم هو رمزية يقتبسها من الأدب العربي٬ حيث يشبه الأدباء الجنين بالأحلام والطموحات الشابة والتي يتم إجهاضها من قبل الساسة. ركز المخرج في أعماله السابقة - في السينما والمسرح- على الديناميكيات الأسرية، والاجتماعية، والصراعات اليومية التي يمر بها المواطن العادي في سبيل النجاة ويتم طرحها بطريقة كوميدية وساخرة. أما في "المرهقون"، فقد تبدلت الكوميديا بحوارات جدية ربما برؤية تجعل منه مادة قوية للمشاهدة.

ورغم أن القصة اجتماعية وشخصية إلا أنها لا تخلو من تسليط الضوء على المظاهر العسكرية والأمنية سواء كانت نقاط التفتيش أو الدمار المادي أو غيرها من التفاصيل التي تم تطبيعها كجزء من الحياة اليومية خلال السنوات الماضية. وبالتالي، فإن الإرهاق حالة وجودية عامة تمر بها البلاد بمن يسكنها. ويضيف المخرج: "عدن مدينة مرهقة...سكانها مرهقون...وكذا شوراعها ومبانيها وتاريخها." 

إعلان

أكد المخرج أن التخطيط لتصوير "المرهقون"، الذي تم تصويره بالكامل في عدن، كان جزءًا مهمًا من عملية إنتاج الفيلم. تأخذك الكاميرا في جولة في شوارع المدينة وصراعاتها في اقرب صورة لما يعيشها السكان هناك. ويقول أن تصوير فيلم سينمائي بجودة عالية في عدن يعتبر شي نادر قد يتكرر بسهولة وقد لا يتكرر. وبالتالي، كان التقاط الجزء العمراني من المدينة أحد الأولويات القصوى لطاقم العمل. وحتى أنه تعمد إظهار العديد من اللقطات التي تظهر معظم المباني ذات القيمة الاجتماعية والتاريخية، وذلك بسبب خوفه الشخصي من إنداثر هذه المباني أمام تجار الحرب واصحاب العمران القبيح. وقد تم اختيار جميع المباني التي ظهرت في الفيلم بعناية حتى تظهر تنوع التصميم العمراني في المدينة، ليصبح الفيلم إلى جانب سرديته وسيلة لتوثيق حاضر المدينة.

بدأت رحلة كتابة القصة في نهاية عام ٢٠١٩ حيث تشارك المؤلف مازن رفعت والمخرج عمرو جمال كتابة النص التي يسرد قصة صديقهم المشترك. امتدت مرحلة الكتابة حتى عام ٢٠٢٠ خلال فترة الحجر الصحي وسط تفشي الوباء. والجدير بالذكر أن فيلم "المرهقون" حظي بدعم محلي من جهات حكومية على رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي ورجال أعمال محليين. ووفقًا للمخرج، فإن السبب في ذلك هو النجاح الذي حققته فرقة مسرح خليج عدن على مدار عقد من الزمان على المستوى المحلي. ولعل الدعم المحلي من السلطات يجعل عملية التصوير وإتمام العمل أكثر سهولة في ظل التضييقات التي يتعرض لها صناع الأفلام في اليمن من قبل السلطات في شمال وجنوب البلاد. طالت مدة التصوير٧٠ يومًا مرورًا بموجة شديدة من جائحة كوفيد-١٩، ومظاهرات مسلحة جراء الأوضاع الاقتصادية، وانهيار الريال اليمني، والتي أدت إلى إيقاف التصوير لمدة ٥ أيام لم يستطع فيها طاقم العمل مغادرة الفندق. 

باستثناء شخصية بطل القصة أحمد الذي يلعبها الممثل خالد حمدان، فإن معظم طاقم التمثيل يعتبر من المواهب الصاعدة الذين لعبوا أدوارًا صغيرة في السابق وخضعوا لبروفات مكثفة لمدة ٣ أشهر

. ويعود اختيار طاقم العمل من الوجوه الجديدة لمنح الفيلم لمسة جديدة عن ما يتم إنتاجه على الشاشة المحلية وكذلك تقديم مواهب جديدة بوسعها أن تشق طريقها في العمل التمثيلي في المستقبل. 

تم تصوير الفيلم بالتعاون مع خبراء في صناعة السينما، تتراوح بين الخبرات الإقليمية والدولية التي قدمت للعمل على فيلم "المرهقون" في عدن، منها مدير التصوير مرينال ديساي، ومهندس الصوت رواد حبيقة، والمخرج السوداني أمجد أبو العلا، والمونتيرة هبه عثمان، ومهندسة الصوت رنا عيد.  

بالحديث عن تطلعاته للسينما الناشئة، يقول عمرو جمال للمواهب الصاعدة: "نحن نعيش معكم في هذه المدينة ونصور مع الناس في الشارع كما ترون. فإذا استطاع عمرو ورفقاه أن ينتجوا فيلم ويسافروا به من عدن إلى برلين، ويحققوا نجاحات في المهرجانات وشباك التذاكر فجميع صناع الأفلام المبتدئين يستطيعون فعل هذا كذلك واتمنى أن يصنع هذا النجاح حافزًا لكم."