اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب

الإهانة والضرب والتعليق والصعق بالكهرباء.. شهادات مفزعة لضحايا التعذيب

"شعرت أن الكهرباء تسللت إلى كل خلية داخل جسدي، وتعرضت للإغماء أكثر من مرة"
2020 يونيو 26, 3:53pm
torture

الصعق بالكهرباء عبر تمرير تيار كهربائي بتردد عالي عبر جسد المعتقل، معطلاً بعض وظائفه الحيوية ومقلصاً عضلاته وأحياناً مسبباً ضرراً دائماً في الدماغ. "الشواية" ربط اليدين والقدمين بشدة وإدخال عصا تمتد بين اليدين والقدمين ويكون الجسد معلقا إلى الأسفل. "الشبح" ويقصد بها تعليق الضحية من يديه في السقف، ويبقى جسده متدلياً لتمارس عليه أساليب التعذيب المختلفة. الدولاب، تُربط يدي وقدمي المعتقل بالدولاب، سواء من جهة البطن أو جهة الظهر ثم تعذيبه، أو يوضع المعتقل داخل الدولاب بحيث تلامس يداه قدميه وتمارس عمليات التعذيب المختلفة عليه. "الذبيحة" حيث يعلق الضحية من المعصمين والكاحلين في عمود أفقي بحيث يزيد الضغط على فقرات العنق والعمود الفقري. خلع الأظافر باستخدام "كماشة."

هذه بعض أساليب التعذيب المستخدمة ضد معتقلي الرأي والسجناء السياسيين داخل السجون في العالم العربي. يُقصد "بالتعذيب" أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية.

خلال السنوات الماضية، ظهرت عدة تقارير تؤكد على ارتفاع عمليات التعذيب في مختلف البلاد العربية مع تشديد الأنظمة العربية القمعية على المواطنين، وقد فتحت قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي قُتل وألقيت جثته بمنطقة صحراوية في يناير 2016 في مصر الباب على مصراعيه على منهجية التعذيب التي تتبعها السلطات في محاولة لقمع أي أصوات معارضة. وقد أظهرت تقارير الطب الشرعي أن طالب الدكتوراة البالغ من العمر 28 عاماً تعرض لتعذيب مستمر، وقالت والدة ريجيني، في كلمةٍ أمام البرلمان الإيطالي أن "جثة ابنها كانت مشوَّهة لدرجة أنها لم تتعرف عليها سوى من أرنبة أنفه." وتظهر آثار الجروح على الجثة تشير إلى تعرُّض ريجيني "للركل واللكم والضرب بالعُصي والهراوات" وأنه تُوفي جراء كسرٍ في العنق. اتهم الادعاء الإيطالي المسؤولين المصريين "بتعمُّد" تضليل التحقيقات في مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني.

ودرس ريجيني بجامعة كامبريدج وكان يجري أبحاثًا حول نقابات العمال المستقلة في مصر، وذكرت تقارير أن أبحاث ريجيني أثارت شبهات لدى الشرطة. وقد نفت الحكومة المصرية بشدة تورطها في مقتل ريجيني، بعد العثور على جثته داخل حفرة على جانب طريق صحراوي غربي العاصمة المصرية. ولكن يتهم الادعاء الإيطالي المسؤولين المصريين "بتعمُّد" تضليل التحقيقات في مقتل الطالب ريجيني. ومن المقرر أن يلتقي مسؤولين قضائيين مصريين وإيطالين، مطلع يوليو، من أجل متابعة تطورات القضية.

أرى مشاهد التعذيب تتجسد أمامي أثناء اليقظة، كأنني أراها على شاشة التلفاز

ما تعرض له ريجيني يظهر أن أساليب التعذيب المتبعة تتشابه بحسب الشهادات التي حصلت عليها مع طرق التعذيب التي تستخدمها الأجهزة الأمنية في مصر، مثل الصعق بالكهرباء، التقييد، والضرب المبرح وهي بعض أنواع التعذيب المتعددة التي تعرض لها الصحفي المصري محمد عبد الرحيم (إسم مستعار)، 32 عامًا، داخل مقري جهاز المخابرات العامة في مدينة نصر بمحافظة القاهرة، والأمن الوطني بمنطقة أبيس في محافظة الإسكندرية خلال التحقيق معه بتهمة مساندة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها وبث ونشر أخبار كاذبة: "اقتحمت بعض القوات في زي مدني منزلي في 29 ديسمبر 2018، وبعد سيل من الضرب والتعنيف والإهانة أمام أهل منزلي تم اقتيادي إلى جهاز المخابرات العامة بالقاهرة داخل سيارة وأنا معصوب العينين. بقيت هناك 38 يوما عُذبت خلالها بالكهرباء في كامل أنحاء الجسد".

يخبرني عبد الرحيم خلال اتصال هاتفي، أنه تم تعذيبه بالكهرباء بثلاثة طرق مختلفة، الأولى عبر الصاعق الكهربائي في أنحاء متفرقة بالجسد، والثانية باستخدام سلك كهربائي رُبط حول أعضائه التناسلية واللسان وأصابع اليدين والقدمين وتم توصيل الكهرباء إلى جسده، والطريقة الثالثة كانت عبر جلوسه على كرسي الكهرباء عاري الجسد: "شعرت أن الكهرباء تسللت إلى كل خلية داخل جسدي، وتعرضت للإغماء أكثر من مرة. بعد التحقيق كان يتم حجزي انفراديًا في غرفة صغيرة جداً، وأحيانًا كان يتم إغراق أرضية الغرفة بالمياه بعد انتهاء الحقيق حتى لا أتمكن من النوم أو الجلوس على الأرضية."

تمكن عبد الرحيم من الخروج من دوامة الحبس والتحقيقات بعد 10 أشهر في السجن، إذ برأته المحكمة من التهمة المنسوبة إليه، ولكنه يعيش أوضاعا نفسية سيئة كنتيجة للتعذيب الذي تعرض له. يقول عبد الرحيم أنه أصيب بمرض السكري والقولون العصبي خلال وجوده داخل السجن، وتطورت لديه مشكلة في جهازه التناسلي (لم يوضح لنا ماهيتها تحديداً) ويضيف: "في أحيان كثيرة أرى مشاهد التعذيب تتجسد أمامي أثناء اليقظة، كأنني أراها على شاشة التلفاز. لقد أصبت بالاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس والرغبة في الانتقام. أبحث عن أي فرصة للسفر إلى الخارج خوفًا من تكرار التجربة."

وقد نددت عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بممارسات التعذيب داخل السجون المصرية. وأصدرت منظمة كوميونتي فور جيستس والمعهد الدنماركي ضد التعذيب "ديجنيتي" والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان تقريرًا مشتركًا حول ممارسات التعذيب داخل السجون المصرية بحق السياسيين خلال السنوات الماضية، في مارس 2019. وبحسب التقرير، فقد توفي خلال الفترة ما بين 2014 وحتى نهاية 2018، 449 سجينًا في أماكن الاحتجاز، بينهم 85 شخصا نتيجة التعذيب، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد وحرمان المحتجزين من الرعاية الصحية اللازمة لهم.

"تمارس الأنظمة الاستبدادية التعذيب لعدة أسباب، أحدها هو كسر إرادة المعتقل لتطويعه كأداة في يد الجلاد، وبعدها يتمكن من غرضه، وهو إما انتزاع اعتراف ما أو تسخيره وتجنيده للتعاون مع السلطة ضد أعوانه وزملاءه ورفقاء دربه،" يقول الطبيب النفسي الذي رفض الكشف عن إسمه والذي يعمل بمركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب في السجون وأقسام الشرطة (منظمة مجتمع مدني تم إغلاقها من قبل الحكومة المصرية مطلع 2019).

ويقول الطبيب أن قوات الأمن تمارس بالعادة التعذيب النفسي منذ لحظات الاعتقال الأولى: "هذه هي اللحظة التي يجرد فيها الضحية من جميع الحقوق القانونية والإنسانية، إذ تقتحم القوات المنزل بدون استئذان وتبدأ بضرب الضحية بطريقة مهينة أمام أهله. هذه اللحظة تترك الأثر السلبي الأكبر في نفس المعتقل، فهو بالنسبة لأهله رب الأسرة المعظم أو الابن المدلل، ومعاملته بهذا الشكل أمامهم تشعره بالمذلة، ثم ينزلونه على تلك الحالة ليراه الجيران وأهل المنطقة، وتظل تلك اللحظات عالقة بأذهان الضحايا مدى الحياة."

حامد (إسم مستعار)، 28 عاماً، اختطف من الشارع في مارس 2015، وتم تقييده وعصب عينيه وقيد اليدين ونقل إلى قسم شرطة المنصورة في مصر، وطوال الطريق كان يتعرض للضرب المبرح، والسباب والشتم: "ربطوا ايدي برجلي من ورا، ونيموني على ضهري وجابوا كرسي حطوه فوقي، كنت بفضل على الوضع ده من الليل لحد الصبح، وفي النص كان بييجي ظابط أو أمين شرطة يضربني ويكهربني. في النهار كانوا بيعلقوني من إيدي في شباك وجزء من أطراف صوابع رجلي على الأرض. لم يتوقف التعذيب إلا بعد ما وافقت على الاعتراف أمام الكاميرات بأنني تلقيت أموالا من أشخاص قياديين بجماعة الإخوان المسلمين من أجل جمع بعض المعلومات الاستراتيجية حول مؤسسات حكومية." سُجن حامد 3 سنوات بتهمة مساندة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، وخرج قبل سنتين.

يلجأ ممارسو التعذيب في الغالب لاستخدام حيل الدفاع النفسي، فهم يبررون ممارستهم التعذيب لأنفسهم من أجل الشعور براحة نفسية، ويعتبرونه شيئًا مشروعًا هدفه نبيل من أجل أمن الوطن أو المواطن

معاناة جديدة لاقاها حامد بعدما خرج من السجن، فقد أصيب بالاكتئاب واضطرابات في جهازه الهضمي. ويخبرني أن معاناته زادت بسبب المعاملة السيئة التي يلقاها من جيرانه وأقاربه: "بطلوا يتعاملوا معايا وكأني شيطان، دورت على فرصة شغل برة مصر بس فترة السجن بتظهر في الفيش (صحيفة الحالة الجنائية وهي ضمن الأوراق المطلوبة لمن يتقدمون لوظائف للمرة الأولى وتظهر فيها إذا كان الشخص سجن من قبل) ومش عارف اشتغل، رغم أنني حاصل على بكالوريوس تجارة. فكرت في الهروب إلى ليبيا عن طريق الصحراء لكني لم أنجح، وأعمل الآن في مطعم لتوفير نفقاتي."

يؤكد الطبيب النفسي بمركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب، أن التعذيب النفسي لا يعتمد على العنف الجسدي بشكل أساسي، لكن هناك ترابطًا بين الاثنين، فكلاهما مرتبطان ببعضهما، وأحيانًا يمتزج الاثنان أثناء التعذيب، حيث تنتج عنهما أضرارا نفسية تستمر لمدة أطول من الأضرار الجسدية، وزوالها قد يكون أصعب من الضرر الجسدي: "أبرز أساليب إذلال الضحايا نفسًيا هو التعذيب الجنسي" أو التحرش الجنسي وهتك العرض فضلاً عن الجلد بالكرباج والضرب بالهراوات والركل والصعق بالكهرباء والتسمم الدوائي وإهمال علاج المرضى."

ويتحدث الطبيب عن الذين يقومون بممارسة التعذيب ويصنفهم بثلاثة شخصيات: "هناك أشخاص مصابون بدرجة عالية من السادية وهؤلاء يستمتعون بتعذيب الآخرين ويكون هدفهم الأول هو إذلال الآخرين لشعورهم بلذة داخلية في ممارسة هذا الأمر. النوع الثاني هم المصابون باضطراب الشخصية السيكوباتية، وهؤلاء عدوانيين بالفطرة وتنبع الرغبة في التعذيب لدى بعضهم داخليًا. والنوع الثالث هم المسيرون أو مطيعي الأوامر وهؤلاء تقودهم الطاعة العمياء لأوامر الرؤساء، وأحيانًا يجتهدون ويبالغون في تنفيذها أملًا منهم في نيل مكافأة واستحسان رؤسائهم. ويلجأ ممارسو التعذيب في الغالب لاستخدام حيل الدفاع النفسي، فهم يبررون ممارستهم التعذيب لأنفسهم من أجل الشعور براحة نفسية، ويعتبرونه شيئًا مشروعًا هدفه نبيل من أجل أمن الوطن أو المواطن."

أما سبب اللجوء إلى التعذيب مؤسسيًا فيرجع إلى عدة أسباب، كما يقول الطبيب النفسي، بينها كسر إرادة الإنسان والتشكيك في ثقته بنفسه بهدف إما نزع اعتراف أو تجنيده للوشاية بأقرانه وأصدقائه، أو مجرد إثناءه عن العودة لممارسة النشاط السياسي أو الاجتماعي الذي اعتقل بسببه، وبالتالي تلجأ السلطة إلى هتك عرض والتحرش الجنسي بالضحية لأن هذا الأمر هو أكثر ما يكسر الأنا العليا لدى الإنسان ويهين كرامته: "يشعر الضحية حينها بأنه لم ينل من وقفوه ضد الظلم، سوى الإهانة والذل والمهانة، والآخرين لا يدفعون أي ثمن مثله، وتعتقد السلطة أن هذا الأمر سيقودهم إلى التخلي عن أنشطتهم وآرائهم."

يروي المصور السوري قيصر أنه شاهد أعضاء مبتورة وجثث شبه محروقة، أو كسر بالأسنان وآثار ضرب بكابلات كهربائية

هذه القضايا لا تشمل المصريين فقط، بل شملت وقائع مماثلة كثير من السوريين خاصة إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة بانها جماعة إرهابية في مصر، وذلك بدعوى مناصرتهم ودعمهم لمرسي. يقول السوري مازن، 34 عاماً، إنه كان يستقل مترو الأنفاق داخل القاهرة عام 2013، وكان ممسكا بشنطة أوراق جلدية ماركة "سامسونايت" وفجأة وجد راكبًا في الأربعينات من عمره يصيح: "سوري إرهابي ومعاه قنبلة وعاوز يفجر المترو،" قبل أن يفاجأ بجموع الركاب يتجمهورن حوله ويبدأون بالضرب والسباب، لم يتخلص مازن من اعتداءات الركاب إلا بعد وصول قوات تأمين محطة مترو الأنفاق. يقول مازن خلال تواصلي معه عبر إحدى تطبيقات التواصل الاجتماعي أنه تم اعتقاله واقتياده إلى مبنى تحت الأرض حيث تعرض خلالها للتعذيب لأسبوع كامل.

يسرد مازن ما تعرض خلال التحقيق: "تعرضت للتعذيب بالكهرباء والضرب والسباب والإهانة. خلال تلك الفترة، قاموا بتجريدي من ملابسي وقيدوني وعلقونني في باب، وأحيانا أخرى كانوا يربطوني في وضع (الشواية)، حيث يقيدان يدي بقدمي ويمررون عصا بينهما، ويسندان العصا بين كرسيين، وكانوا يتركونني معصب العينين ولا يدعونني أنام." ويضيف: "بعدما فتشوا الشنطة ولم يجدوا شيئًا راحوا يسألوني حول سبب وجودي في مصر، ومتى جئت، ومن ساعدني في الدخول، وبعدها سألوني حول علاقتي بجماعة الإخوان. قبل أن يفرج عني بعد أسبوع كامل." لم ينقذ مازن من موجات التعذيب المتلاحقة إلا تدخل رجل الأعمال النافذ الذي كان يعمل مازن في إحدى شركاته، وإفادته بأن الشاب يعمل لديه وأنه كان في مهمة عمل وتم التأكد من جميع المعلومات التي أدلى بها صاحب العمل. بعد خروجه بفترة، هاجر مازن إلى أوروبا.

الأمر لا يختلف في باقي البلدان العربية. في سوريا، وثقت الأمم المتحدة والعديد من منظمات حقوق الإنسان المستقلة، الكثير من جرائم الحرب التي ارتكبها نظام بشار الأسد، حيث أظهرت تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ووكالة الأناضول، مقتل 14 ألفًا و388 سوريا تحت التعذيب في معتقلات الأسد، بينهم 177 طفلا، و63 امرأة. وحسب مصادر سورية معارضة، فإن عدد المعتقلين في السجون السورية حتى الآن يتجاوز الـ500 ألف معتقل. ويتعرض المعتقلون في سجون الأسد إلى تعذيب ممنهج كالصعق بالكهرباء والضرب المبرح، والحرمان من الطعام، وتكسير العظام، وفقء الأعين، واقتلاع الأظافر، وغيرها. ويقول المصور قيصر، وهو اسم مستعار لمصور سوري سابق كان يعمل في مركز التوثيق للشرطة العسكرية بسوريا، تمكن من التقاط عشرات الآلاف من الصور التي تكشف عن "المجازر" التي ارتكبها نظام الأسد في السجون السورية، خلال مقابلة مع قناة "العربية:" "أنه شاهد أعضاء مبتورة وجثث شبه محروقة، أو كسر بالأسنان وآثار ضرب بكابلات كهربائية." وقد تمكن "قيصر" من توثيق وجمع حوالي 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل سوري قضوا تحت التعذيب، وذلك حتى منتصف 2013.

في ليبيا، عثرت القوات الحكومية مؤخرًا على 11 مقبرة جماعية في مدينة ترهونة ومحيطها، غرب ليبيا بعد طرد قوات الجنرال خليفة حفتر. وقالت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة: "أبلغ مكتبي بشكل موثوق به بوجود 11 مقبرة جماعية يزعم أنها جثث رجال ونساء وأطفال، هذا قد يشكل دليلًا على جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية." وفي المغرب ظهرت بعض الأخبار عن تعرض السجناء للتعذيب، منهم ناصر الزفزافي، زعيم "حراك الريف" في المغرب، والذي يقضي عقوبة بالحبس 20 عامًا على خلفية الحركة الاحتجاجية شمال المملكة بين 2016 و 2017، وسرب الزفزافي تسجيلًا صوتيًا قال فيه إنه تعرض "للضرب والركل والرفس والاغتصاب بعصا" أثناء مداهمة البيت الذي أوقف فيه في مايو 2017، وسبق للزفزافي أن أكد تعرضه للتعذيب والإهانة أثناء مثوله أمام المحكمة في أبريل 2018. وفي لبنان، نددت كثير من منظمات المجتمع المدني بينها "هيومان رايتس ووتش" بوقائع التعذيب التي يتعرض لها السجناء وتقول المنظمة أن السلطات اللبنانية لم تحقق بشكل مناسب بأي مزاعم تعذيب أو سوء معاملة ارتكبتها الأجهزة الأمنية. وكان زياد عيتاني، الممثل المعروف الذي بُرّئ من تهمة التعامل مع إسرائيل، قد وصف تفاصيل اختفائه القسري وتعذيبه خلال الاحتجاز على يد "أمن الدولة" في نوفمبر 2017. كما لا يزال التحقيق مفتوحاً حول تعرّض حسان الضيقة، المتهم بتهريب مخدرات، للتعذيب قبل وفاته في الحجز العام الماضي. وقد اتهم والد الضيقة، فرع المعلومات في لبنان بتعذيب ابنه ما تسبب بإصابته بشلل نصفي ومن ثم وفاته.

بعض ضحايا التعذيب يصابون بحالة قهرية تدفعهم إلى تطبيق أساليب التعذيب التي مورست ضدهم على أفراد عائلتهم والمحيطين بهم في حالة ارتكاب أحدهم خطأ ما

أما عن آلآثار النفسية لضحايا التعذيب، يشير الطبيب النفسي إلى أن أبرز ما يعاني منه ضحايا التعذيب هو "اضطراب كرب ما بعد الصدمة" ومن أبرز أعراضه تجنب الضحية لكل ما يذكره بأحداث التعذيب والشعور بالضعف والانكسار وفقدان الأمل والشعور بالعجز والذنب الشديد، فضلًا عن عدم القدرة على التواصل الاجتماعي. البعض الآخر يصاب بالاكتئاب الحاد وعدم القدرة على النوم والتوتر الشديد، إضافة إلى إصابة الضحية بالارتباط الشرطي فمثلا إذا تعرض للضرب بالعصا فإنه يتوتر ويصاب بحالة عصبية عند رؤية عصا: "البعض يتعرضون لكوابيس وأحلام مفزعة أثناء النوم، والبعض الآخر يصابون بحالة قهرية تدفعهم إلى تطبيق أساليب التعذيب التي مورست ضدهم على أفراد عائلتهم والمحيطين بهم في حالة ارتكاب أحدهم خطأ ما، وهؤلاء تقودهم رغبة داخلية لا شعورية."

ويؤكد الطبيب أنه ليس هناك أسلوب واحد لتأهيل ضحايا التعذيب، فالأمر يختلف من ضحية لأخرى ويتوقف على أشكال التعذيب الذي تعرضت له الضحية: "الأمر يتوقف على عدة عوامل وفقا لسيكولوجية وشخصية الضحية وكيف يستقبل العقل الباطن هذا التعذيب، فليس هناك بروتوكول واحد للتعامل مع الضحايا. بالعادة، نلجأ للعلاج بطريقتين العلاج النفسي والعلاج الدوائي، فالنفسي نلجأ فيه إلى تأهيل الضحايا عبر استعادة ثقتهم بأنفسهم وفي المجتمع، نستمع لهم ونعرف الأعراض التي يعانون منها تحديًدا ونساعدهم على الشعور بالأمان والتوقف عن الرغبة بالانتقام، لأن الرغبة بالإنتقام أمر خطير وغير صحي وعواقبه كارثية. يتم هذا جنبًا إلى جنب مع العلاج الدوائي إذ نستخدم بعض الأدوية المهدئة التي تساعد الضحية في التغلب على بعض الأعراض، مثل الاكتئاب والقلق والتوتر والأرق والكوابيس."

وعن دور العائلة والأهل والأصدقاء في مساعدة الضحايا، يشير الطبيب من مركز النديم، إلى أن لهم بالغ الأثر في عبور ضحايا التعذيب نحو الأمان، إذ يتم إشراكهم في برنامج العلاج في أغلب الأحيان، من أجل استعادة ثقة الضحية بنفسها وفي المحيطين بها ويقول: "نوصي العائلة بدعم الضحية واحتوائها والتواجد باستمرار إلى جوارها والتعامل معها بشكل طبيعي، وتوفير ظروف حياتية ملائمة، ونشجعهم على الاحتكاك بالناس مثل الأندية والكافيهات والجلسات العائلية وغيرها. من المهم كذلك توجيه العائلة بضرورة تجنب تذكير الضحية بالتعذيب الذي تعرض له داخل السجن وإبعاد الأدوات التي استخدمت في تعذيبه عن ناظره. وفي النهاية، أنصح أهالي وعائلات كل ضحية تعرضت للتعذيب بأن يتوجهوا أولاً إلى طبيب نفسي لمعرفة الأعراض التي يعاني منها، ففي بعض الحالات قد تضر سلوكيات الضحية أفراد العائلة أنفسهم، والعكس أيضاً صحيح، فقد تتصرف العائلة بشكل غير صحي أو سليم مع الضحية."

تعديل: تم الإشارة سابقاً أن عبد الرحيم اعتقل في 29 ديسمبر 2019، والصحيح هو ديسمبر 2018.