the nice guy syndrome-colors
مرأة

ما هي متلازمة الرجل اللطيف؟

ينتظر الرجال اللطفاء مكافأة على أبسط قواعد الذوق واللياقة الاجتماعية في علاقاتهم بالنساء وبالتالي يُمارسون استحقاقًا ذكوريًا عليهنّ
15.7.20

في أحد الكافيهات، جلس محمود يشتكي لصديقه خالد عن زميلة العمل هاجر. ولمَن لا يعرف هاجر، هي شابة عشرينية جمعتها بمحمود علاقة زمالة جامعية ثم زمالة عمل. يحكي محمود أنه طالما كان صديقًا وفيًا لهاجر. يُعدد أفضاله عليها منذ كانا في الجامعة، بداية من تصوير الملازم وحتى ملئ استمارة طلب التحاق بنفس الشركة. يقول أنه طالما كان موجودًا معها متى احتاجته، وطالما ما قدّم مساعدته دون أن تطلبها. يقول أنه كان هناك عندما انفصلت عن حبيبها، تبكي على كتفه وتندب حظها التعيس مع الرجال. بينما تنفجر دماغ محمود بسؤال وحيد: "وأنا فين ياهاجر؟"

إعلان

رغم أن إجابة السؤال ليست بالصعوبة المتوقعة؛ دخل محمود علاقات عاطفية، سمعت بكائه هاجر، ودعمته بعد انفصاله في كل مرة. لم يكُن محمود مُتفرغًا لهاجر، لكنه كان دائمًا في حالة انتظار. يريد مُكافأة على صداقتهما الطويلة. يُريد شيئًا أكثر، أكبر، وأعمق من صداقة. لم يتطلّع محمود لحب هاجر، إنما إلى شعوره بالرضا عن نفسه في كل مرة تصرّف بمحبة معها. لم يجرؤ على طلب ذلك، وكان مُتحفزًا للتلميح الذي تقابله هي بتلميح آخر أنهما أصدقاء فقط. كان آخرها ذلك اليوم الذي جلس يشكو لصديقه خالد، ويواسيه خالد: "النساء لا يُقدّرن الرجال الطيبين. يستمتعن بوجودهم، ويحققن استفادة منها، وعندما يأتي الحديث عن العلاقات، يقُولنّ: لا، نحن أصدقاء."

مُتلازمة الرجل اللطيف – The Nice Guy Syndrome

في حياة كل امرأة منّا رجُل لطيف، يعاملها بود، يحترمها، وتجمعهما علاقة طيبة تستمر سنوات دون توقّع لما تؤول له، ودون انتظار لمكافئة على كونه رجلًا غير عنيف. لكن إن انتظر منها مكافئة أو ردود أفعال تُوحي بأنها تستسثنيه عن باقي الرجال لأنه "لطيفًا" فقد يكون مُتعايش مع متلازمة الرجل اللطيف. تُعرف متلازمة الرجل اللطيف بأنها صورة يرسمها رجل عن نفسه بممارسة أفعال "لطيفة" مع امرأة، ثم ينتظر أن تكافئه هذه المرأة إما بالدخول في علاقة عاطفية أو جنسية معه. يُعتقد أن الرجال الأكثر لطفًا والذين يستشيطون غضبًا إن أخبرتهم امرأة أنها لا تنوي الدخول في أي علاقة معهم، هم الذين يدخلون في صداقات أو زمالات بغرض الوصول لعلاقة عاطفية أو جنسية ولا يُصرّحون بذلك، إنما يتركون أفعالهم "اللطيفة" تتحدث عنهم. هم لا يعتبرون الصداقة أو الزمالة علاقات جادة مع النساء، وأن النساء ما هنّ إلا غاية يسعون إليها عاطفيًا أو جنسيًا- مهما كانت الوسيلة. الوسيلة هنا هي التعامل بلطف بالغ مع النساء كآلية يُميّزون بها أنفسهم في عالم الرجال المُتشبّع بالفوقية واحتقار النساء. يتصوّرون أنهم في منافسة دائمة مع رجال آخرين على امرأة أو عدة نساء، ويبالغون في اللطف لتعلو نسبة ظهورهم وسط أقرانهم من الرجال "الأنذال." عندما تفشل الآلية، يلقون باللوم على النساء، ويعتبرونهنّ "وصوليّات واستغلاليّات" إن احتفظنّ بمنزلة الصديقة. ثم، يُرجعون السبب في ذلك إلى انجذاب النساء إلى الرجال السيئون (Bad Guys)، أو الرجال الذين يتصرفون بنذالة ولا يكترثون لمشاعر النساء في العلاقات.

مكافأة أم استحقاق أم كلاهما؟

عودة إلى قصة محمود وصديقه. لم يقف خالد عند سباب النساء واتهامهنّ باستغلال الرجال اللطفاء:

خالد: أنت غلطان عشان عاملتها كويس. الستات مبتجيش غير لما تديهم بالج*مة.

إعلان

بينما ينتظر الرجال "اللطفاء" مكافأة على أبسط قواعد الذوق واللياقة الاجتماعية في علاقاتهم بالنساء، فإنهم يُمارسون استحقاقًا ذكوريًا عليهنّ. عندما يُبالغ هؤلاء في اللطافة مع امرأة، يشعرون أن مبادلة مشاعرهم العاطفية أو الجنسية واجب عليها، أو حتى قبولها إيحاء جنسي أو لمسة حميمية لجسمها وإن لم تكن بغرض جنسي. حتى أن بعضهم يشعرون بالفضل على امرأة لو سمحت لهم الفرصة بالاعتداء عليها جنسيًا ولم يفعلوا. تلك حزمة من الأفعال لا تأتي بمفردها، إنما تجتمع مع شعور عام بالاستحقاق الذكوري على النساء وأجسامهنّ: رجل يتخيّل أنه يستحق استثناءات من امرأة لأنه "لطيف معها" مؤكِدًا بذلك أن معظم الرجال سيئين وأنه هو استثناء لهذه القاعدة، ويستحق أن يتم تحفيزه من وقت لآخر، ومكافئته في النهاية. يأتي الاستحقاق هنا في عدم توقّع الرجل اللطيف للرفض، فهو بداخله يرى أنه يستحق القبول لأنه بذل مجهودًا إضافيًا عن أي رجل آخر. كأن العلاقات تُبنى فقط على أكتاف طرف واحد، وعلى رغبة طرف واحد، مُتجاهلًا مشاعرها وقراراتها.

يتصرّف مُدعي اللطف كالرجال الذين يصفونهم "بالأنذال" مع فارق بسيط، أن هؤلاء "الأنذال" يتصرفون بنذالة مُعلنة، بينما يُخفي "الرجال اللطفاء" "نذالتهم" تحت عباءة اللطافة واللياقة الاجتماعية. هناك أسباب ذات طابع جندري يُمكننا النظر إليها عند مناقشة هذا السلوك المنتشر بين الرجال في مجتمعات مختلفة، ومنها أن الهوية الاجتماعية للرجال (الرجوليّة) قائمة على نظام المكافأة وعلى الاستحقاق معًا. لنوضّح أكثر، إن كان أغلب الرجال يتم ربط هوياتهم الاجتماعية بالعنف ويتم مدحهم على ممارسته أو على الأقل اعفائهم من مسؤوليته كما نرى تبريرات التحرش الجنسي يوميًا، فالرجال الذين لا يتصرفون بعنف مع النساء يعتقدون أننا مديونات لهم، أي (يجب) علينا كنساء تحفيزهم ومدحهم باستمرار ومكافئتهم بالدخول معهم في علاقات عاطفية وجنسية. بمجرد ألا يحصل الرجل اللطيف على مكافأته المتوقعة: يُعاقبك على رفضك له، يقطع علاقته بكِ، أو يقلل من مبالغته في اللطف معك أو على أقل تقدير يُعاملك بتحفّز ضمني (Micro-aggression) ليُشعرِك بالخسارة وقد قد يُمارس عنف صريح يصل للقتل- لابد أنكم سمعتنّ/م عن وقائع قتل قصديّة ينفذّها رجال بعد رفض امرأة لهم.

خندق الصداقة – Friend-zone

مَتى اُعتبرت الصداقة علاقة غير كافية، فهي ليست صداقة في الأصل. في الصداقة نتبادل المشاعر الطيبة، ولا يتحيّن طرف الفرصة "لتطويرها" لعلاقة عاطفية أو جنسية؛ لأن ذلك يصوّر الصداقة علاقة أقل وأدنى إنسانيًا من العلاقات الأخرى. في دراسة نشرتها جامعة ويسكنسون إو كلير الأمريكية عام 2012 بعنوان: "الانجذاب في علاقات الصداقة بين الرجال والنساء: منفعة أم عبء؟" سجّل مجموعة باحثين/ات أن معدّلات انجذاب الرجال جنسيًا لصديقاتهم، أعلى من انجذاب النساء لأصدقائهنّ الرجال. كما أن النساء أكثر قدرة من الرجال المُشتركين في الدراسة على التعامل مع رفض رغباتهنّ العاطفية والجنسية تجاه أصدقائهنّ.

يُمكننا قراءة ذلك من خلال الكوميكس والصور المنتشرة على الإنترنت للسخرية من الفريندزون- خانة الصداقة، باعتبارها مكانة غير مُستحبة. هذه الموجة من السخرية اللاذعة استهدفت النساء بالوصم، وبالإشارة إليهنّ كمُنتفعات من الرجال وعندما يعبر الرجال عن رغبة في الارتباط بهنّ، يلقينّ بهم في خانة الأصدقاء. هذا وكأن الرجال لا يرفضون النساء مثلًا، أو كأن رفض النساء للرجال شيء كارثي، أو كأن الرجال لهم الحق في إقامة علاقات عاطفية وجنسية مع النساء لمجرد أنهم رجال وأنهم يريدون ذلك- وكما تعرفون/نّ لا يُرفض للرجال طلب وجميع الأشياء من حقهم بما فيها نحنُ.

أسمع الآن صوتًا من آخر الصف: "المفروض نعمل إيه لما نحب حد ويرفضنا؟" حسنًا، هناك أفعال كثيرة، كثيرة جدًا، ليس من ضمنها أبدًا عقاب الآخريان/ات على مشاعرهم/نّ. يُمكننا ببساطة أخذ استراحة من العلاقة، أو انهاءها إن كنا غير قادرين/ات على التعامل مع الرفض، وهو شعور مؤلم ويحق لنا الغضب بعده، لكن لا يجب أن يكون غضبنا منصبًا على مَن رفضونا؛ احترامًا للعلاقة الانسانية التي تجمعنا بهم/نّ.

من الضروري عند مناقشتنا لمتلازمة الرجل اللطيف أن ننوّه على أن محاولات الرجال التودد للنساء مشروعة كتودد النساء للرجال أو تودد أشخاص ذوات/ذوي هويات جندرية وميول جنسية غير نمطية. بينما ما لا يجب شرعنته هو عقاب الرفض. عندما ندخل علاقات بهدف ما، سواء اختلف هذا الهدف بمرور الوقت أو لا، يجب أن يكون جميع الأطراف على نفس الأرضية من الصراحة والقبول. وعلينا أن نُعطِ مساحة للشركاء بقبول أو رفض أسس العلاقة أيًا كانت طبيعتها.