artwork_Survive_Palestine_01
حياة

"ميلاد" وتهريب نطف الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية

يسمح القانون الدولي والقانون الإسرائيلي للسجناء بالخلوة الشرعية، لكن السلطات الإسرائيلية لا تطبق تلك القوانين على الأسرى الفلسطينيين
15.3.20

"قلم، تمرة، حبة شوكولا، أكياس بلاستيكية أو في عبوات أدوية" جميعها أدوات يستخدمها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية في استخدامات خاصة، كتهريب نطفهم المنوية لخارج أسوار السجون من خلال أفراد عائلاتهم أثناء الزيارات الأسبوعية. لكن تهريبها حتى وإن كانت في عبوات وأشكال تمويهية مختلفة ليس بالأمر البسيط، فهناك عدة حواجز تفتيشية يجب اجتيازها دون اكتشاف ما يحملونه حتى وصولهم لمركز طبي.

قد تبدو فكرة إخراج النطفة لخارج السجن سهلة، وخاصة في ظل إجراءات إدارة السجون الإسرائيلية المتشددة، مما جعل "تهريب الحيوانات المنوية" عملية جدية تحتاج دراسة وتخطيط مسبق لضمان نجاحها. وعلى الرغم من فرض مصلحة السجون الإسرائيلية منذ سنوات منع إدخال أي أدوات أو عبوات من الممكن استخدامها في تهريب النطف، الأمر الذي زاد من صعوبة الأمر، لكن حاجة الأسرى وإصرارهم أجبرهم على ابتداع أفكار وطرق لتهريب النطف، كما أن تواجد أطباء أسرى ساهموا بخبراتهم فيما تحتاجه النطفة من درجة حرارة وطريقة نقل مناسبة كان عاملاً مهمًا في إنجاح جزء كبير من عمليات التهريب.

إعلان

وليد دقة 58 عامًا، فلسطيني من باقة الغربية في داخل أراضي الـ 48 في إسرائيل، هو الأسير الجديد الذي يتمكن من تهريب نطفته حيث نجحت زوجته سناء بإنجاب ابنتهما الأولى "ميلاد" في فبراير. اعتقل وليد عام 1986 وحكم عليه بالسجن المؤبد، حيث أمضى قرابة 35 عامًا من محكوميته، تزوج عام 1999 من الفلسطينية سناء سلامة بعدما تعرفت عليه وقررا الارتباط داخل أسوار السجن، وفيما بعد أصبحا يفكران بالإنجاب وتكوين عائلة حقيقية، وبما أنهما يعيشان في الأراضي المحتلة ويحملان الجنسية الإسرائيلية، حاولا استغلال قانونًا إسرائيليًا يتيح للسجناء الخلوة الشرعية مع زوجاتهنّ، لكن بعد نضال لسنوات في المحاكم الإسرائيلية، رُفض طلبهما بقرار قضائي وحرما من حقهما بالإنجاب.

لم يفقدا الأمل، وفي عام 2011 كان لديهما إيمان بإطلاق سراح دقة خلال صفقة تبادل أسرى كان يتم التفاوض عليها بين حركة حماس والحكومة الإسرائيلية، والتي خرج على إثرها 1047 أسير وأسيرة فلسطينيين، لكن الصدمة كانت كبيرة بالنسبة لهما عندما تم استثنائه على الرغم أنه من قدامى الأسرى، الأمر الذي دفعهما للتفكير في خيارات أخرى، "كنا قد قررنا عدم الاستسلام لرغبات السجان وما يفرضه علينا، وكان لا بد التفكير من خيار آخر،" تقول سلامة خلال مكالمة هاتفية أجريناها معها.

استمر الزوجان بالتفكير والتخطيط في كيفية الإنجاب لقرابة 8 سنوات، كانت تقف خلالها أسوار السجن والسلطات الإسرائيلية عائقًا أمامهما، حتى استطاعا تهريب نطفة من الأسر وتأكد حمل سلامة أواخر مايو 2019، حيث ذهبت في زيارة لزوجها في الأسر لإبلاغه، وتقول "كانت فرحة كبيرة في السجن، ليس لوليد وحده، بل لكل الأسرى المتواجدين وقت الزيارة يومها، لن أنسى ذلك اليوم،" كما تقول.

قررت إدارة السجون الإسرائيلية فرض عقوبات جديدة على الأسير الفلسطيني وليد دقة، وفي خطوة استباقية حتى لا يستطع رؤيته ابنته "ميلاد" تقرر منع زوجته من الزيارة، ثم شددت الإدارة العقوبة لتقرر منعه من استقبال الزوار بشكل نهائي وحتى إشعار آخر

وبعد تهريب النطفة، قضتها سناء فترة الحمل وحدها دون تواجد زوجها بجانبها، وعن ذلك تقول: "ما مررت به خلال الحمل كان جزء من مسيرة معاناة زوجات الأسرى في غيابهم، نحن كنساء للأسرى نخوض العديد من المعارك وحدنا، لكن المهم ألا نمنح سلطات الاحتلال فرصة انتهاك حقوقنا الإنسانية وحرماننا من تكوين عائلة."

حاولت طرح تساؤلات على سلامة حول ما إذا كانت المرة الأولى لهما في تهريب النطفة أم سبقها محاولات لم تنجح في السابق، وحول بعض تفاصيل تهريب النطفة، لكنها ردت: "لا أعلم لماذا يسأل الجميع عن تلك الأمور، أعتقد أنها أمور شخصية، تخصني وحدي أنا وزوجي وليد، وتخص الأسرى وحدهم، المهم في الموضوع أننا تحدينا السلطات الإسرائيلية وأسوار السجن ونجحنا في ذلك مثل من سبقونا من الأسرى."

إعلان

عندما تقرر موعد الولادة، في فبراير الماضي، وبسبب وضع دقة في العزل، أصرت الزوجة أن يشاهد الأب ولادة طفلته الأولى "ميلاد" من خلال تقرير تلفزيوني. شاهدها على التلفاز وكان معه أحد رفاقه الأسرى الذي نقل رسالة للعائلة يقول فيها "لم أستطع البقاء بجواره من شدة تأثره وانفعاله، لحظات اختلط فيها الفرح والبكاء، لحظات من الصعب أن أصفها بالكلمات."

لم تكتفِ إدارة السجون الإسرائيلية بما فرضته من عقوبات على دقة ردًا على تهريب النطفة، بل أصرت إدارة السجون على فرض عقوبات جديدة ردًا على إنجاب زوجته، وفي خطوة استباقية حتى لا يستطع رؤيته ابنته "ميلاد" تقرر منع زوجته من الزيارة، ثم شددت الإدارة العقوبة لتقرر منعه من استقبال الزوار بشكل نهائي وحتى إشعار آخر.

بحسب احصائيات هيئة شؤون الأسرى، تمكن 68 أسيرًا من تهريب نطف خارج السجن خلال السنوات الثماني الماضية وأنجبت نساؤهم 85 طفلاً وطفلة

دقة وسلامة لم يكونا أول من فكرة في تهريب النطف لخارج السجن بل سبقهما العديد من الأسرى منذ سنوات، حيث نجح الأسير عمار الزبن في تهريب نطفة عام 2012 ليرزق بطفله مهند، وبحسب احصائيات هيئة شؤون الأسرى تمكن 68 أسيرًا من تهريب نطف خارج السجن خلال السنوات الثماني الماضية وأنجبت نساؤهم 85 طفلاً وطفلة.

ويسمح القانون الدولي والقانون الإسرائيلي للسجناء بالخلوة الشرعية، لكن السلطات الإسرائيلية لا تطبق تلك القوانين على الأسرى الفلسطينيين، حيث تحرمهم من حقهم القانوني والإنساني لإنجاب الأطفال، الأمر الذي اضطرهم خاصة من هم محكومون بالسجن لعشرات السنوات، إلى تهريب نطفهم لخارج السجن. ويعاقب القانون الإسرائيلي على التهريب بالغرامة المالية، ولكن بحالة الأسرى الفلسطينيين يتم فرض إجراءات عقابية أو تأديبية مثل العزل الانفرادي ومنع الزيارات عنهم.

إعلان

الحالات السابقة شكلت للزوجين نوعًا من التجارب التي تعلما منها وطبقاها خلال تحقيق خطوتها، لكن الدافع الأساسي تمثل برغبتهما تكوين عائلة بعد انتظار أكثر من 20 عام دون إنجاب بسبب منعهم من التواصل. وبعد تهريب النطفة، تسعة أشهر من الحمل، قضتها سناء وحدها دون تواجد زوجها بجانبها "ما مررت به خلال الحمل كان جزء من مسيرة معاناة زوجات الأسرى في غيابهم، نحن كنساء للأسرى نخوض العديد من المعارك وحدنا، لكن المهم ألا نمنح سلطات الاحتلال فرصة انتهاك حقوقنا الإنسانية وحرماننا من تكوين عائلة".

العديد من المشاكل والعقبات واجهها الأسرى وزوجاتهم منذ بداية انطلاق فكرة تهريب النطف، نقلهم للعزل الانفرادي ومنع الزيارات لفترات قد تمتد لأشهر أو سنوات يضع المزيد من العراقيل أمامهم، ومع انطلاق فكرة تهريب النطف والحمل من خلال الزراعة. وقد دارت جدالات كثيرة في المجتمع الفلسطيني حول مدى شرعية هذا الإجراء، لتصدر فتاوي بتشريع تهريب نطف الأسرى لزوجاتهم كنوع من تعزيز صمودهم والحفاظ على استمرار نسلهم، وكسر القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.

تحتاج النطفة المنوية في العادة إلى درجة حرارة منخفضة حتى لا تتلف، وفي الغالب يمكن أن تصمد ليوم وحتى 72 ساعة

كان آخر هذه الفتاوي قبل أشهر عندما صدر عن مفتي فلسطين السابق الشيخ عكرمة صبري، الذي قال "كثرت الأسئلة عن مشروعية إجراء عملية التلقيح باستخدام النطف المهربة من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وخاصة الذين يخشون عدم القدرة على الإنجاب بعد خروجهم من أسرهم حيث إن أحكامهم طويلة تصل إلى عشرات السنين، وعليه فإني أفتي أنه لا مانع شرعاً من إجراء عملية التلقيح للزوجة، سواء كانت الزوجة مدخول بها أم لا."

لكن صبري أقرن قوله بعدة شروط، أهمها توفر وثيقة الزواج بين الزوجين، وأن يحضر اثنان من الشهود من طرف الزوج والزوجة، وموافقة الزوجة على إجراء عملية التلقيح، بالإضافة أن يتم ذلك في مركز طبي معروف ومرخص لإجراء هذا النوع من العمليات، كما يجب أن يعلن ذلك عبرّ وسائل الإعلام، أو أي وسيلة أخرى دفعاً للشبهات وبراءة الذمة.

إعلان

مركز رزان للعقم وأطفال الأنابيب في نابلس، استقبل منذ العام 2012 العشرات من نطف الأسرى المهربة، واستقبلها كما يستقبل العديد من الحالات الأخرى، لكن وفق شروط معينة يجب على زوجة وعائلة الأسير اتباعها. تقول دكتورة غصون بدران طبيبة عقم بالمركز: "لا نتدخل كمركز في عملية التهريب، فقط تدخلاتنا طبية، لكن في حال وصلت إلينا الزوجة مع نطفة زوجها الأسير، نشترط حضور اثنان من عائلتها واثنان من عائلة زوجها الأسير، ليوقعوا كشهود على استلام عينة زوجها، حتى نضمن عدم حدوث مشاكل لنا أو للزوجة في المستقبل كما حدث معنا في السابق."

على مدار السنوات الماضية، لم يصلنا أيّ عينة في عبوة طبية مخصصة، وذلك بسبب عمليات التفتيش التي يتعرض لها حامل العبوة، لذلك غالبًا ما تصلنا العينات في عبوات مختلفة مثل قلم، عبوة قطرة للعين، أو أكياس بلاستيكية داخل تمرة

وتحتاج النطفة المنوية في العادة إلى درجة حرارة منخفضة حتى لا تتلف، وفي الغالب يمكن أن تصمد ليوم وحتى 72 ساعة، لكن في حالات الأسرى هناك عقبات عدة، فبمجرد استلام أحد أفراد العائلة للنطفة أثناء الزيارة الأسبوعية يجب عليهم مواجهة عدة مراحل من التفتيش سواء أثناء خروجهم من السجن أو في الطريق على الحواجز على الطريق سواء كان توجههم إلى القدس أو الضفة الغربية أو حتى إلى قطاع غزة، الأمر الذي يتطلب بقائهم لعدة ساعات في الطريق تحت الأجواء الصيفية الحارة أو الشتوية الماطرة. "بمجرد استلامهم العبوة من الأسير وخروجهم بعد الزيارة يتوجهون لنا في المركز مباشرة بعد اجتياز الحواجز والتفتيش، لكن في حال كانت درجة حرارة الأجواء مرتفعة، قد تصلنا تالفة" تقول بدران، وأوضحت أن تلف العينة قد يكون بسبب ضعف الحيوات المنوية للأسير أيضًا.

ويستخدم الأزواج في العادة عبوات طبية يحصلون عليها من الصيدليات لنقل نطفهم إلى مراكز العقم، لكن في حالات الأسرى وكما ذكرنا بسبب الإجراءات المشددة التي تفرضها إدارة السجون على الزائرين يتم استخدام طرق وأساليب مختلفة: "على مدار السنوات الماضية، لم يصلنا أيّ عينة في عبوة طبية مخصصة، وذلك بسبب عمليات التفتيش التي يتعرض لها حامل العبوة، لذلك غالبًا ما تصلنا العينات في عبوات مختلفة مثل قلم، عبوة قطرة للعين، أو أكياس بلاستيكية داخل تمرة أو أشكال أخرى." وتابعت: "من الناحية الطبية لا يؤثر نوعية العبوة على النطفة، نحن نستلمها ثم نغسلها وندخلها للفحص، وعلى الأغلب نستطيع استخلاص عينة واحدة على الأقل، وهناك عينات قوية نتمكن من تجميدها لأكثر من زراعة."

فكرة إنشاء عائلة ليس بالأمر البسيط في العادة فكيف إذا كان الأب أسير في السجون الإسرائيلية والأم وحيدة؟ "لولا دعم عائلتي وعائلة وليد ومساعدتهم ووقوفهم بجانبنا لما استطعنا التفكير في هكذا خطوة، من الصعب أن يكون الإنسان أب وأم في ذات الوقت، ومن الصعب خوضي هكذا تجربة وأنا أم عاملة تقضي ثماني ساعات يوميًا خارج المنزل، لكن من حسن حظنا أن نجدهم بجانبنا يقدمون لنا دعمهم ومساندتهم" تنهي سلامة بالقول.