FYI.

This story is over 5 years old.

مجتمع

قداسٌ في الموصل بعد ثلاث سنوات من "التكفير"

كان تنظيم داعش قد حوّل كنيسة مار بولس إلى سجن

قداس العيد في كنيسة مار بولس في الموصل

"كُنت على يقين بأننا سنعود ونُقيم الإحتفالات بالأعياد المجيدة،" هكذا عبرت ريتا فرنسيس، 27 عاماً، على إقامة أول قداس في كنيسة مار بولس بمدينة الموصل بعد ثلاث سنوات من حُكم تنظيم "داعش" للمدينة واعتباره هذه الطقوس "إشراكاً."

في مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، أُقيم يوم الأحد أول قداس بمناسبة أعياد الميلاد بعد أيام قليلة من إعلان رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي النصر النهائي على تنظيم "داعش." وكان التنظيم الذي يتزعمه أبو بكر البغدادي، قد حوّل كنيسة مار بولس إلى سجنٍ كبير يدخله الذين "يُخالفون "الشريعة" وكانت بالقرب من السجن منصة يتم فيها تَنفيذ بعض عمليات الإعدام، بحسب روايات من مصادر أمنية. لكن السجن الذي لم يدم سوى ثلاث سنوات، "صار اليوم مكاناً لعبارات الحُرية والتعايش السلمي وترميم العلاقات بين أبناء المُجتمع الموصلي،" بحسب فرنسيس. مازالت بعض آثار الدمار الذي لحق بالكنيسة موجودة حتى اللحظة، لكن الجهود الذاتية لشباب متطوعين مكنتهم من إعادة ترتيب ما يستطيعون ليتسنى لهم ممارسة الطقوس الدينية التي كانوا يُمارسونها قبل العاشر من يونيو 2014، وهو يوم سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة الموصل.

إعلان

فرنسيس التي نزحت من مدينة الموصل في الثاني عشر من يونيو 2014 باتجاه محافظة إربيل، رفضت كل دعوات الهجرة خارج العراق وظلّت متمسكة بلحظة العودة. هذه اللحظة التي تعتبرها ريتا "إنتصاراً للنور على الظلام." وتقول عن لحظة دخولها الكنيسة: "شعرتُ بولادة عالم جديد عندما شاهدت الناس يدخلون إلى الكنيسة للاحتفال بالأعياد المجيدة. كل شيء كان يجعلني أبتسمُ وأبكي في ذات الوقت. لا تعرفون حجم الألم الذي عانيناه، فتركُ الأرض والناس صعبٌ جداً."

خلال القداس، بعث البطريرك لويس ساكو، بطريرك الكلدان في العالم، في كلمته التي ألقاها في القداس رسائل اطمئنان للعراقيين داعياً الحاضرين للصلاة من أجل السلام والاستقرار في الموصل والعراق والعالم. قال لـ VICE عربية أثناء حضوره القداس أن "الموصل مدينة ليست للمسلمين فقط، ولا للمسيحيين، ولا لأي مكون، بل هي مدينة عراقية تضم الجميع." وأضاف: "إدعو الجميع للتعرف على بعضهم، فعلى المسيحي أن يعرف المسلم والمسلم يعرف المسيحي وكذلك بقية الديانات والمذاهب والقوميات. علينا أن نقترب من بعضنا لنعيش بسلام."

بحسب تصريح سابق بداية ديسمبر الحالي، للبطريرك لويس فإن عدد المسيحيين في العراق الآن، نصف مليون مسيحي. هذا يعني أن الذين غادروا العراق منذ عام 2003 وحتى الآن مليون و300 ألف مسيحي. مسيحو الموصل لم يكونوا لوحدهم الذي عاشوا فرحة العيد المجيد هذا العام، فقد كانت هُناك مشاركة من أبناء الديانة المُسلمة وكان أول ما عُزف في الكنيسة هو النشيد الوطني العراقي في محاولة لخلق أجواء تعايش بين العراقيين.

المُسلمون لم يكتفوا بالتفاعل أثناء القداس، بل منذ لحظة بدء رفع الأنقاض في 15 من ديسمبر الحالي عندما بادروا لإعادة ترميم وتأهيل الكنيسة المتضررة بسبب المعارك التي دارت أثناء تحرير مدينة الموصل. الشباب الذين ساهموا بإعادة تأهيل الكنيسة، يعتقدون أن هذا القداس سيُسهم في إعادة المسيحيين للموصل بشكل أكبر.

إعلان

محمد زكريا، 26 عاماً، وهو ناشط مدني من مدينة الموصل وينتمي للديانة المُسلمة يقول: "قبل أقل من شهر عرضت فكرة إقامة القداس على البطريرك لويس ساكو وطلبت منه أن يطلب حضور مطران واحد للقداس، فقال هذه مناسبة مهمة وسأحضرها بنفسي." قبل القداس بعشرة أيام بدأ محمد ومجموعة شباب من الموصل بتنظيف الكنيسة وصبغ أجزاء منها وإعادة توليد الطاقة الكهربائية إليها ووضع الإنارة فيها من جديد. كل ذلك كان طبيعياً، فالأهم منه عندما رفعوا الصليب وأعادوه لمكانه أعلى الكنيسة. يُضيف محمد عن مشاركته في القداس: "حضر القداس 200 مسيحياً عادوا مؤخراً للموصل وقرقوش وبرطلة، وحضر كذلك ثلاثة مطارنة. كان القداس بأجواء وطنية وإيمانية رائعة. 30 مسلمة ومسلم حضروا القداس. الجميع كان مطمئناً بأن الوضع سيكون إيجابياً."

أما سام صُبحي وهو شابٌ مسيحي في العشرينات من عمره، رأى أن القداس الذي أقيم في الموصل كان "نقلة نوعية" بالنسبة للوجود المسيحي في الموصل التي "أفرغت" من المسيحيين بعد سيطرة تنظيم "داعش" عليها منتصف عام 2014. يقول صبحي: "القداس كان حدثاً مهماً جمع أطياف مدينة الموصل المتآخية منذ القدم، حيث اشترك المسلم مع المسيحي في التحضير للقداس والذين أوصلوا بعملهم رسالة إلى التنظيمات المتطرفة مفادها أن التطرف ووحشيته، لا يستطيعان محو التعايش السلمي بين القوميات والأديان والطوائف في المدينة وأن السلام والمحبة هما من سينتصران."

خلال العام الجديد، يتمنى المسيحيون إعادة فتح كل كنائسهم في محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل، ويأملون بأن تُسهم الحكومة العراقية في توفير الأجواء التي تُساعدهم على ممارسة طقوسهم مثلما كانوا قبل دخول "داعش" للمدينة. بسام العلوجي، 34 عاماً، وهو مدافع عن حقوق الأقليات يقول: "ما حدث من تهجير للمسيحيين في الموصل ودمار للكنائس الموجودة فيها لم يقف بوجه إقامة اول قداس لعيد الميلاد رغم الدمار الموجود حالياً." يُضيف أن "القداس أوصل رسالة تقول إن السلام أقوى من الشر وأن صليب الكنيسة سيبقى مرفوعاً بسواعد المسلمين والمسيحيين معاً، تأكيداً على الهوية الوطنية لكل العراقيين". وبحسب العلوجي، فإن إقامة القداس لا يعني إنتهاء الصعوبات وحل المشاكل، "أمامنا عمل كبير ينتظرنا وينتظر الحكومة العراقية من أجل إرجاع الحقوق المسلوبة وتوفير الأمان للعوائل التي ترغب العودة لمنازلها."

الصور مقدمة من نشطاء مسيحيون في الموصل.