العراق
تصوير: مؤمن العبيدي
مجتمع

الاختلاط ممنوع، إنها جامعة!

يشكو طلاب جامعة الموصل في العراق من تقييد الحريات و"دعشنة البيئة الجامعية"
4.3.19

"للأسف عاد بنا تنظيم داعش ألف سنة الى الوراء،" تقول سالي حنا، البالغة من العمرِ عشرين عاماً، تدرسُ في كلية الزراعة والغابات بجامعةِ الموصل. سالي ليست الوحيدة، تحدث فريق VICE عربية الى العديد من طلبةِ جامعة الموصل الذين عبروا عن رفضهم لما تقوم به الجامعة من تقييد للحريات الشخصية بعد أكثر من عامٍ ونصف على استعادةِ مدينةِ الموصل العراقية من سيطرةِ تنظيم داعش.

وقد اتخذ داعش في يونيو 2014 من المباني الحكومية مقرّاتاً له، ومنها مبنى جامعة الموصل، بعد أن حولها الى مكانٍ لتصنيع العبوات الناسفة والمتفجرات الأخرى، كما أحرق التنظيم المكتبة المركزية لجامعة الموصل، ودمر جميع الاجهزة التعليمية وحرقَ الآلاف من الكتبِ والمخطوطات التاريخية والمؤلفات النادرة التي تعود لآلاف السنين من داخل المكتبة.

1551353363746--

طلاب كلية طب الأسنان، جامعة الموصل.

لم يكتفِ داعش بذلك، بل كان جُلّ اهتمامه الفصل بين الذكور والإناث، وفرض ارتداء الملابس الفضفاضة للذكور، وتغطية الوجه والشعر للإناث، أما المناهج التعليمية، فقام التنظيم بإلغاء دروس التأريخ والفلسفة والرياضيات والفن والأدب، مع التشديد على تكثيف دروس التربية الاسلامية واللياقة البدنية في كل المراحل الدراسية، وإزالة كل الرموز والصور التوضيحية من مناهج مادة الأحياء والطب والعلوم الأخرى. هذه التغييرات أجبرت الآلاف من الطلبة على ترك الجامعة نهائياً، ومن استطاع مغادرة مدينة الموصل فقد التحق في جامعات اقليم كردستان العراق، أو في جامعات العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية الأخرى، حتى استعادة جامعة الموصل في شهر كانون الثاني عام 2017، ليبدأ الدوام الرسمي في الجامعة عام 2018.

نحن طلبة جامعة ولسنا طلبة رياض أطفال

ثلاث سنوات من الحرب هي الفترة التي استغرقتها القوات العراقية وحلفاؤها لاستعادة مدينة الموصل والقضاء على داعش في 2017، وقد تعرضت الكثير من مباني جامعة الموصل نفسها (باعتبارها كانت مقراً لداعش) للدمار بسبب القصف الجوي بصواريخ طيران التحالف. ولكن لم تنتهي مشاكل الموصل بإنتهاء داعش كتنطيم مسلح، فلا تزال آثار التنظيم المتطرفة موجودة. يشكو العديد من طلبة جامعة الموصل، من أن معاناتهم لم تنتهي برحيل داعش، فهناك تشديد كبير من قبل إدارة الجامعة على تقييد الحريات، خصوصاً بعد ظهور ما يعرف بـ (لجنة المتابعة) والتي مهمتها حسب الطلاب الذين تحدثنا معهم متابعة تحركات الطلبة، ومنع الاختلاط والفصل بين الجنسين.

1551353247301--

بوابة المكتبة المركزية لجامعة الموصل، حيث يتم العمل على اعادة إعمار المكتبة وتمكن فريق "منقذو الكتب" الذي ضم حوالي 23 متطوع من شباب الموصل في عام 2017 من انقاذ 34 الف كتاب.

1551353525242--

رفع أنقاض للبدء في الإعمار، جامعة الموصل.

في بحث سريع في موقع الجامعة الرسمي، التي تأسست عام 1967، ويلتحق بها حوالي 30،000 طالب في كل عام، وجدنا أن احدَ أهداف جامعة الموصل المذكورة في الموقع هو "تعزيز القيم الدينية والأخلاقية والوطنية لدى الشباب الجامعي." وهو هدف يرى الطلبة أنه يشبه ما يعرف بـ (الحسبة) الذي كان يتم تطبيقه في وقتِ تنظيم داعش. و(الحِسْبة)، بكسر الحاء، لغوياً من الحِسابُ، واصطلاحاً تعنيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورعاية الآداب، وهو ما يشمل ضمن من شمله تطبيق قواعد الحجاب على النساء والفصل التام بين الجنسين والدعوة إلى الصلاة وغيرها.

"هذا ليس هدفاً يرمي الى النهوض بالواقع التعليمي، بل إنه هدف يقود الى دعشنة البيئة الجامعية،" تقول طالبة، فضلت عدم ذكر اسمها في تحقيقنا، خشية معاقبتها من اللجنة المذكورة (لجنة المتابعة). وتُكمل الطالبة حديثها وهي غاضبة تقول: "نحن طلبة جامعة ولسنا طلبة رياض أطفال، أشعر بالاستياء والخوف كل يوم عند قدومي الى الجامعة، ومشاهدة عناصر اللجنة وهي تراقبنا وتمنعنا من الاختلاط، بدأت أكره الجامعة بسببهم." تضيف الطالبة أنها حاولت مع عدد من الطلبة التواصل مع الجهات الرسمية المعنية بالأمرِ وقاموا بحملات ضغط في السوشيال ميديا لإيقاف عمل هذه اللجنة وخاصة فيما يتعلق بمنع الاختلاط، ولكن لم يستجب أحد لطلباتهم.

1551353097670-

كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة الموصل.

ما تقوم به لجنة المتابعة لا يشمل فقط "النصح والإرشاد لتعزيز القيم الدينية" بل يتم معاقبة المخالفين والمعترضين على قرارات اللجنة كما حصل مع خلدون صالح، 25 عاماً، طالب في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة الموصل الذي تم التحقيق معه في الشعبة القانونية من الكلية بتهمة اﻻساءة الى لجنة المتابعة، بعد نشره منشوراً في فيسبوك انتقد من خلاله ما يحدث في الجامعة.

سألنا اللجنة ماهو الخطأ الذي ارتكبه زملائنا -كي يتم استدعائهم من قبل لجنة المتابعة؟ أجابوا: كانوا ماسكين ايدين بعض

يقول صالح: "لم يكن منشوري ذا تأثير كبير في حينه ولكن بعد فترة انتشر المنشور وبدأ الطلبة يعترفون بمضايقات هذه اللجنة من خلال التعليقات التي توضح معاناتهم." يُكمل صالح حديثة لـ VICE عربية وهو يشعر بالقلق: "لجنة التحقيق التي شُكلت حول الموضوع سألوني عن سبب نشري لهذا المنشور، وما الذي أقصده بكلمة (الحِسبة) بإعتبار أن فيه إشارة إلى داعش. ووضحت لهم موقفي من تصرفات اللجنة المقيدة للحريات. انتهى التحقيق ولم تصدر اللجنة التحقيقية قرارها بعد، أخذوا افادتي فقط، وانا مهدد بالفصل من الكلية. ليس لدي ثقة بمن يتعامل بالقانون، فأحياناً يتحول الأمر إلى عداءٍ شخصي."

ويروي صالح لـ VICE عربية الحادثة التي دعته لكتابة هذا المنشور، فيقول: "ذات مرة كنا جالسين أنا وأصدقائي في المقهى، واتصل أحد الزملاء بصديقي يخبره بأمر طارئ، أن لجنة المتابعة صادرت هويته الجامعية وهوية زميلته وترفض اللجنة إرجاع الهويات اذا لم يحضر الطالبان الى مقر لجنة المتابعة لكتابة تعهد خطي بعدم فعل ذلك مرة اخرى،" يقول صالح "سألنا اللجنة ماهو الخطأ الذي ارتكبه زملائنا؟ أجابوا: كانوا ماسكين أيدين بعض."

1551784030409--

مصطفى محمد النعيمي، 22 عاماً، طالب في كلية التمريض، هو الآخر يشكو من لجنة المتابعة، يقول: "عندما أريد الذهاب من كليتي الى كلية أخرى، أعاني كثيراً كي يُسمح لي بالدخول الى تلك الكلية، وسط إجراءات معقدة، منها تسليم الهوية الجامعية الى استعلامات الكلية الاخرى، وأسئلة مكررة من قبيل "وين رايح، وشنو عندك هنا؟" يضيف النعيمي: "يعتقدُ عناصر هذه اللجنة بأن الطلاب يرتادون الجامعة للتحرش بالطالبات، وهذا التفكير لا يختلف عما جاء به داعش، حيث كان يعامل الناس كما تُعامَل الحيوانات."

لقد كان يحاسبني الاساتذة على قصة شعري وطريقة لبسي مع الموضة، حتى الجوارب القصيرة يُمنع لبسها داخل الجامعة

فهد اليوسف، 31 عاماً، ناشط في الدفاع عن الحقوق والحريات، يشدد على أن "أفعال لجنة المتابعة اصبحت عائق امام طلبة الجامعة لإكمال مسيرتهم التعليمية، وما تقوم به هذه اللجنة هو انتهاك للحرية الشخصية حسب القانون العراقي المدني والذي يقول أن لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة." وقد أجرت VICE عربية أكثر من إتصال مع رئيس جامعة الموصل اوبي الديوه چي في وقت إعداد التقرير، لكنه رفض التعليق على الموضوع، وطلب منّا تزويده بأسماء الطلبة الذين التقيناهم في هذا التحقيق، بينما احتفظت VICE عربية بحقها بعدم الرد على طلبه وتحترم حريته بعدم التعليق.

1551354184270-

طالبات في مختبر التحليلات الكيمائية.

ما يحدث لا يمثل جامعة الموصل فقط، فقد استطاع الناشط المدني من البصرة علي السلمي، 26 عاماً، الذي يعمل في اتحاد الشباب العراقي، أن يوثق مثل هذه الانتهاكات في جامعات مختلفة من العراق. يقول علي السلمي لـ VICE عربية: "لقد وثقنا مثل هذه الاعتداءات في كل من جامعة البصرة والكوفة والفلوجة. لا يوجد قانون في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية يمنع الاختلاط بين الجنسين أو يحاسب الطلبة على الملابس، لكن بعض رؤساء الجامعات وعمداء الكليات يصدرون قراراتٍ شخصية بعيداً عن القانون، ويتصرفون حسب مزاجهم الشخصي." ويضيف السلمي: "أصبحت الجامعات في العراق كالجوامع، ومن يديرها في الوقت الحالي، يحاول زجّ المفاهيم الدينية داخل المؤسسات التعليمية وهذه مشكلة كبيرة بحد ذاتها."

عمر زيد، 24 عاماً، الذي يدرس في جامعة الأنبار، قرر ترك دراسته والسفر الى العاصمة بغداد بحثاً عن العمل، بسبب المضايقات التي تعرض لها في الجامعة كما يقول: "لم أشعر أنني داخل جامعة، بل في قاعدة عسكرية، وقوانين صارمة تقييد الحريات، لقد كان يحاسبني الاساتذة على قصة شعري وطريقة لبسي مع الموضة، حتى الجوارب القصيرة يُمنع لبسها داخل الجامعة، كل هذه الأسباب مجتمعة جعلتني أقرر ترك الدراسة والاتجاه إلى العمل، ولا أُفكرُ بالعودةِ مطلقاَ."

1551354325189-

الصحفية والناشطة الموصلية نغم طلال، 39 عاماً، تحدثت عما شاهدته خلال سنتين من عملها في العمل الصحفي داخل الجامعة، مشيرة الى أن رئيس الجامعة كان يقف على الباب الرئيسي للجامعة لمشاهدة ملابس الطلبة قبل السماح بدخولهم للجامعة :"كنت أوثق في عملي الصحفي كل ما يحصل داخل الجامعة. في الفترة الأخيرة، ركز رئيس الجامعة على تفرقة الطلاب عن الطالبات بكل الطرق الممكنة، حتى أنه طلب من لجنة المتابعة صبغ مقاعد الجلوس في حديقة الجامعة بألوان مختلفة لكي يمنع الطلبة من الجلوس بجانب بعضهم البعض."

تواصلنا مع د.ضمياء الربيعي، مديرة دائرة العلاقات والاعلام في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وسألناها عن التشديدات على حرية الطلبة في جامعة الموصل، وهو ما اعتبرته الربيعي مجرد حالات فردية، وأضافت: "لا يوجد قانون وزاري يفصل بين الجنسين، وإن كان الطلبة يعانون من هذا الأمر ويتعرضون للمضايقات من قبل لجنة المتابعة، فعليهم تقديم شكوى رسمية للوزارة موثقة بأسماء الأشخاص الذين تعدّوا على حرياتهم وأساءوا إليهم وسيُتخذ الإجراء القانوني الرادع بحقهم."

على الرغم من التحديات والظروف الصعبة التي يعانيها الطلبة في جامعة الموصل، الا انهم يصرّون على اكمالِ تعليمهم والعمل حتى تعود الجامعة إلى عصرها الذهبي، وهذا ما تتمناه سالي والتي تقول: "قبل داعش، كانت الجامعة تتمتع بمناخ من الحرية التامة يحاكي الطلبة على اختلاف تنوعهم الثقافي والديني والقومي، أتمنى أن تعود جامعة الموصل كما كانت في السابق، أتمنى أن تكون مسألة وقت فقط، وأن يعود مستوى الحرية في الجامعة إلى سابق عهده."

إعادة بناء الموصل: المرحلة الحرجة بعد داعش