رأي

The Spy.. مُسَلسَل نمطي عن جاسوس "خارق"

هل أصبحت إسرائيل باتت منبع السينما والتليفزيون في العالم؟ أم أن نتفليكس أصبح شبكة إنتاج متخصص في الجاسوسية؟
24.9.19
spy

netflix 

خلال الأيام الماضية قررتُ مشاهدة مسلسل The Spy على نتفليكس، وذلك بعد انتشار الإعلانات عن العمل على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل مكثف. لم يكن العمل مثيرًا لاهتمامي بقدر ما أثار اهتمامي أن مخرج المسلسل هو الإسرائيلي جدعون راف، هو نفسه مخرج فيلم The Red Sea Diving Resort الذي بدأ عرضه على نتفليكس منذ أسابيع.

هذا الأمر طرح لدي، كما كثيرين غيري، تساؤلات عديدة حول توجهات الشبكة، وهل الشبكة الترفيهية في نسختها الشرق أوسطية لها أهداف سياسية أخرى. لماذا تُكثِف نتفليكس عرضها وإنتاجها بهذا الشكل فيما يخص إسرائيل وجواسيسها؟ ولماذا يحدث الأمر بشكل فيه قدر كبير من التنظيم؟ فمنذ عام بالضبط عُرض فيلم "الملاك" على نفس الشبكة. كذلك عُرضت مجموعة من الأفلام الوثائقية خلال الشهور الماضية مثل Inside The Mossad و The Spy Who Fell to Earth. هل أصبح الإنتاج الإسرائيلي مسيطرًا على توجهات الشبكة؟ أم أن إسرائيل باتت منبع السينما والتليفزيون في العالم؟ أم أن نتفليكس أصبح شبكة إنتاج متخصص في الجاسوسية؟

إعلان

إذا تغاضينا عن نتفليكس وما يبدو بأنه "هوس" بإسرائيل، فمسلسل The Spy بمعنى الجاسوس (اسم غير تقليدي بتاتاً) والذي يحكي قصة عميل الموساد الإسرائيلي في سوريا إيلي كوهين يكون ببساطة نسخة محسنة قليلاً من بروباغندا إسرائيلية جاسوسية تقليدية. فمع اللحظات الأولى لمشاهدة العمل المكون من ست حلقات ستدرك أن المسلسل يحتوي على قدر كبير من التهويل واستجداء المشاعر والكثير من الأخطاء التاريخية التي يمكن تتبعها بسهولة. المسلسل الذي يدعي أنه مبني على أحداث حقيقية هو في الواقع يقدم رواية مثيرة للسخرية ونمطية جدًا، أي حقيقة ونحن نرى أمامنا جاسوساً إسرائيلياً خارقًا يستطيع وحده أن يدخل لكل المواقع الاستراتيجية في سوريا دون أن يكشفه أحد؟

الرواية التاريخية المُبالِغة التي رسمها المسلسل عن إيلي كوهين، رجل إسرائيل الأهم في دمشق خلال ستينات القرن الماضي قبل أن يتم كشفه واعدامه عام 1965، حثتني على البحث في المصادر التاريخية التي اُعتمد عليها من أجل سرد الحكاية. ومن بين هذه المصادر، كتاب "رجلنا في دمشق.. إيلي كوهين" للمؤلف الإسرائيلي إيلي بان حنان، الصادر عام 1969 -وهو حسب بحثي الكتاب الوحيد الذي كتبه في حياته.

الكتاب كما المسلسل، مليء بالقصص غير القابلة للتصديق، وتبدو أنها متخيلة تماماً. مثلاً داخل صفحات القسم الخامس من الكتاب، يشير الكاتب إلى أول لقاء بين إيلي والرئيس السوري السابق أمين الحافظ الذي كان مُلحقاً عسكريًا في الأرجنتين في ذلك الوقت. فبعد أن كان الحافظ قليل الكلام ومتحفظ مع كوهين، بدون مقدمات أفضى إليه ببعض المعلومات الشخصية التي من الصعب أن يعلن عنها رجل عسكري في أول لقاء مع رجل غريب، فيقول الحافظ بعد أن اصطحب كوهين لمكتبه: "ربما تعتقد يا كامل أنني كافر.. ربما لم تكن على علم بالأمر، لكنني لست مسلماً، أنا انتمي للعلويين، مما يسمح لنا أن نشرب الكحول كما نشاء. الآن.. هل تود أن تشاركني صديقي كامل؟"

إعلان

هذا الاعتراف الكوميدي في الكتاب تم تطويره بشكل عبثي في المسلسل، ففي مشهد فج وغير منطقي من ظهور كوهين أو المعروف بكامل أمين ثابت لأول مرة في منزل الملحق العسكري وحديث زوجة الملحق معه بشكل فيه قدر من الحميمية يصل لدرجة أنها تداعب عضوه الجنسي بعد دقائق من حديثهما، ثم نعرف بعد ذلك أن أمين الحافظ على علم بأفعال زوجته "المشينة." كما أظهر المسلسل الحافظ في صورة الرئيس الواثق جداً في كوهين لدرجة أنه طلب منه تولي منصب نائب وزير الدفاع. طبعاً، هذه الرواية كما غيرها يناقضها الحافظ في حديث تليفزيوني أذيع عام 2001 فقد نفى معرفته بكوهين في الأرجنتين أو أنه فتح له الأبواب في سورية.. أمور "بعيدة بُعد الأرض عن السماء السابعة" كما قال الحافظ مُعتبرًا كل ماقيل عن علاقتهما المقربة وحجم الأسرار التي حصل عليها مجرد أكاذيب نشرها الموساد.

المسلسل في مجمله نمطي وغير مفاجئ، لا يختلف عن كل الأعمال الجاسوسية التي يمكن مشاهدتها في أي مكان بالعالم. جاسوس خارق، مثير لرغبات النساء، وسيم طبعاً، ووطني جدًا، لا يخاف شيئاً

The Spy ليس العمل الأول الذي يحكي قصة كوهين، فهناك حلقة تليفزيونية أنتجتها مؤسسة BBC عام 1987، وأظهرت صورة أخرى مختلفة تماماً للجاسوس الإسرائيلي. الحلقة التي كان عنوانها The Impossible Spy، بينت أن كوهين لم يكن شغوفاً بالعمل في الموساد، في حين كان الشغف عميقـًا في مسلسل نتفليكس. فقد ترددت عبارات مثل: He is eager, too eager، لتبين مدى رغبة كوهين في الانضمام لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، أما حلقة بي بي سي أوضحت أنه كان رافضاً للفكرة.

المقارنة بين العملين ربما تصب في صالح بطل المسلسل، ساشا بارون كوهين الذي أدى شخصية كوهين/كامل أمين ثابت. فملامح ساشا تغيرت تماماً في هذا العمل، فمن شاهد فيلمه الشهير بورات، سيجلس بعض الوقت يتساءل: هل هذا نفس الشخص؟ فشخصية بورات الساخرة ذات اللكنة الانجليزية الكازاخية تحولت لشخصية جاسوس جاد للغاية لغته انجليزية ممزوجة باللكنة العربية.. موهبة يمتلكها ساشا في كل أعماله تقريباً، يتحول بملامحه ولسانه لشخص آخر. ساشا بدا معجباً بشخصية إيلي كوهين فقد وصفه في أحد اللقاءات التليفزيونية "بأنه أنجح جاسوس في القرن العشرين." فقد وصل إلى المعلومات التي يريدها "دون أن يقتل أحدًا، أو يضع قنبلة، لكنه نجح من خلال ذكائه وجاذبيته ومجازفته،" كما يدعي ساشا -صورة مسالمة طبعاً لا يمكن أن تنطبق على جاسوس، أي جاسوس.

ولكن رأي ساشا كان ظاهراً في المسلسل الذي حاول طوال الوقت أن يُظهر كوهين إنساناً قبل أن يكون جاسوساً من أجل جلب التعاطف معه. وربما كان هذا الهدف من اختيار شخصية ساشا بارون لتمثيل كوهين، لأن ملامحه بالنسبة لكثير من المشاهدين حول العالم ارتبطت بالكوميديا، مما يجعل ملامحه الجادة في النهاية مثيرة للتعاطف والدعم وربما الحب رغم كونه جاسوساً.

المسلسل، رغم عوراته التاريخية، ومبالغاته غير المنطقية، فقد حاول خلق وحدة بين تكويناته البصرية متسقة مع دنيا الجاسوسية. إلا أن المخرج وقع في فخ النمطية في المونتاج، فلجأ مثلًا لتقسيم الشاشة نصفين من أجل أن يضع إيلي وزوجته، كلُ منهما، في جانب من الشاشة، لنفهم أن كليهما يفكر في الآخر ويأكل نفس الطعام رغم المسافة.. مونتاج ميلودرامي لم يُضفِ أي جديد على المعنى بل أفقده قيمته.

العمل في مجمله نمطي وغير مفاجئ، لا يختلف عن كل الأعمال الجاسوسية التي يمكن مشاهدتها في أي مكان بالعالم. جاسوس خارق، مثير لرغبات النساء، وسيم طبعاً، ووطني جدًا، لا يخاف شيئاً، ربما مشكلته الكبرى كوابيس تأتيه بين الحين والآخر، لكنها لا تؤثر عليه سوى لثوانٍ معدودة. حقاً؟ هل هذا ما تطلقون عليه تاريخياً أو تعتبرونه فنـًا؟ مسلسل الجاسوس لم يقترب من التاريخ في شيء وليس عملًا فنيـًا عظيمـًا يجعلنا نتغاضى عن الأخطاء التاريخية. الجاسوس ليس إلا مجرد عمل دعائي إسرائيلي رومانسي موجه لمحبي الوطنية الهستيرية التي لا تستخدم العقل.