سياسة

أسواق افتراضية لتجارة الأسلحة في العراق عبر فيسبوك

انفلات الأوضاع الأمنية وعجز قوات الجيش والشرطة عن تأمين السكان المحليين دفع العراقيين إلى امتلاك الأسلحة للدفاع عن ذويهم ومملتكاتهم
2017 نوفمبر 14, 9:55am
الصورة من منشور على فيسبوك 

تصفح سريع.. تحديد السلعة المستهدفة.. والتفاوض حول السعر وطريقة الدفع، ثلاثة خطوات تحكم مجتمع التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت في العالم، ولاسيما في العراق، مع اختلاف بسيط يتلخص في طبيعة السلعة الأكثر رواجًا في بلاد الرافدين خلال السنوات الأخيرة، وهي الأسلحة التي بات يمكن الحصول عليها خلال دقائق عبر عشرات الصفحات والمجموعات الإلكترونية المتخصصة على مواقع التواصل.

"سوق السلاح رقم (1) في العراق،" "سوق مريدي لبيع وشراء السلاح في بغداد،" "سوق السلاح في بغداد" هي مجموعات ضمن عشرات أخرى يزخر بها فيسبوك فيما يشبه سوق افتراضي متكامل تحوي صفحاته مئات الأسلحة المتنوعة، بدءًا من المسدسات الخفيفة، مرورًا بالبنادق والأسلحة الرشاشة بأنواعها، وحتى القنابل اليدوية وقاذفات الصواريخ. "VICE عربية" عايشت مجتمع الصفحات الإلكترونية لتجارة الأسلحة في العراق؛ لترصد عن قرب قصص أكبر سوق عربي مفتوح لتداول السلاح، فقط بضغطة زر.

اقتناء الأسلحة ليس بدعة مستحدثة على مجتمع العراق العشائري، بغرض تعزيز مكانة الاجتماعية، أو الدفاع عن النفس، لكنه شهد توسعًا وتطورًا غير مسبوقين في السنوات الأخيرة، نتيجة لحالة الانفلات الأمني التي عاشتها البلاد، ليتطور تسليح السكان المحليين من مسدسات خفيفة وبنادق آلية روسية قديمة، إلى ترسانة متطورة من أسلحة حديثة الإنتاج وفائقة الإمكانيات.

"ما بعد داعش" تأريخ المرحلة الجديدة في البلد الذي يعيش على صفيح ساخن منذ العام 2003 بإسدال الستار على حقبة حكم الرئيس الأسبق صدام حسين وغزو القوات الأمريكية الذي انتهى رسميًا في العام 2011، حيث تطورت الأسلحة التي لم تكن بغريبة عن المشهد بشكل غير مسبوق مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتمدده في غرب العراق. انفلات الأوضاع وعجز قوات الجيش والشرطة عن تأمين السكان المحليين، ومن ثم ظهور فصائل مقاومة شعبية مسلحة ذات توجهات دينية أو قومية دفع المشهد إلى مزيد من الانفلات ليصبح هم العراقيين الأكبر امتلاك الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن ذويهم ومملتكاتهم، حسب تأكيد مصدر أمني سابق طلب عدم ذكر اسمه لاعتبارات مهنية وأمنية.

وقال المصدر الذي كان يحمل رتبة كبيرة في جهاز شرطة بغداد: "لم يكن بمقدرونا السيطرة على انتشار الأسلحة طالما لم نكن مؤهلين لحماية السكان المحليين. كيف يمكن أن تطلب ممن لا تستطيع تأمينه تسليم وسيلته الوحيدة لحفظ أمنه؟" وأوضح المصدر أن التراخي في مواجهة انتشار الأسلحة لم يكن خيارًا لقوات الأمن العراقية؛ وإنما بات وسيلة دعم بعد انخراط العديد من أبناء العشائر في مواجهة خطر تنظيم داعش في المحافظات الغربية للبلاد، ليتطور الأمر مع ما حصل عليه هؤلاء المقاتلون من أسلحة متطورة كـ "غنائم" خلال معاركهم في عناصر التنظيم الإرهابي. كل ذلك أدى إلى حدوث طفرة غير مسبوقة في كم وكيف الأسلحة المتداولة في معظم أنحاء بلاد الرافدين منذ سقوط نظام صدام حسين وانفراط عقد ترسانة أسلحته، حسب المصدر ذاته.

ويقول أكرم البصراوي (اسم مستعار)، وهو ناشط عراقي مهتم برصد أنشطة تجارة وتداول الأسلحة انه بعد داعش صار اقتناء السلاح ضرورة، ومع صعوبة ارتياد الأسواق المعروفة للأسلحة على بعض الفئات ظهرت صفحات افتراضية تعرض عشرات القطع مختلفة الأشكال والإمكانات وبنفس الأسعار على فيسبوك. "تبدأ عملية الشراء بالاتصال بأحد الارقام المذكورة، تفاوض سريع حول السعر، ومن ثم مقابلة في مكان آمن لإتمام عملية البيع، "يقول البصراوي مشيرًا إلى سهولة عمليات البيع والشراء عبر صفحات فيسبوك التي بدأت في الانتشار بداية من العام 2011 قبل أن تنشط لتتحول إلى عشرات الصفحات المصنفة حسب الغرض منها نطاق عملها الجغرافي.

تتفق شهادة الناشط العراقي مع ما رصدته "VICE عربية" من تصنيف نوعي للصفحات الافتراضية لتجارة الأسلحة، بدءًا بالصفحات الأكثر شهرة وأعضاءًا "سوق مريدي لبيع وشراء السلاح في بغداد" والتي يصل عدد أعضائها إلى نحو 5 آلاف، وحتى الصفحات الشعبية المحددة بمناطق محددة مثل "سوق بغداد المفتوح لبيع وشراء السلاح" و"سوق السلاح في بابل" و"سوق السلاح في ديالى" و"سوق السلاح في ميسان" والتي يتراوح عدد أعضائها بين بضع المئات والثلاثة آلاف عضو يتفاعل جانب كبير منهم مع ما يعرض عليها من إعلانات تتضمن أسلحة وذخائر وقطع غيار بالتقييم أو التفاوض تمهيدًا لإتمام صفقات الشراء.

"الشرطة والجيش ما يحمونا، اضطريت ألجأ إلى هذه المواقع، أشتري سلاح أو أبيع سلاح قديم وأشتري واحد جديد علشان أحمي حالي" يقول ع. أ أحد سكان العاصمة العراقية بغداد، مبررًا تجربته الشخصية مع شراء الأسلحة عبر فيسبوك، لتعزيز تسليحه الشخصي الذي لم يتعد مسدس هجومي من طراز بلجيكي، قبل أن يُضطر للاستعاضة عنه ببندقية أمريكية سريعة الطلقات من طراز M16 مقابل أقل من 100 دولار. "قبل داعش كان من الطبيعي حمل مسدس كسلاح شخصي. بس بعدين صار المسدس ما يخوف، وصارت هناك حاجة إلى أسلحة أكثر تطورًا وفعالية. أنا واحد من الناس اضطريت أترك المسدس واشتري بندقية أمريكية." ويكشف الشاب العراقي العشريني عن حيلة يلجأ إليها معظم مرتادي صفحات بيع الأسلحة الافتراضية، بإنشاء حسابات بأسماء وهمية لمزيد من الحماية، ولتوفير مساحة أكبر من الحرية في عمليات التصفح والتفاوض. "في البداية اشتركت في إحدى الصفحات بحسابي الشخصي، ثم لاحظت اتخاذ معظم الأعضاء لهويات وهمية مع ألقاب مثل العراقي والبغدادي والبصري وغيرها، فأنشأت حسابي الخاص وبدأت التجول بحرية أكبر في عالم السلاح الافتراضي."

ينطبق الأمر ذاته على مؤسسي صفحات بيع الأسلحة، إذ يتخذ معظمهم أسماءً رمزية مثل "ابوشمس،" "الشبل الأبيض،" "قناص عراقي" أو هويات مكونة أسماء أولى شائعة مع ألقاب ذات مرجعيات قبلية أو جغرافية، مثل أبو علي العراقي، وحيدر البغدادي، وغيرها. الانضمام إلى أي من هذه الصفحات ليس بالامر الصعب فهو يتطلب موافقة مدير الصفحة، وفي بعض الأحيان يُقابل طلب الاشتراك في الصفحة بسؤال آلي حول الغرض من الطلب أو وجود سابق معرفة بين العضو المفترض ومدير الصفحة.

تعرض معظم الصفحات أسلحة أساسية مثل المسدسات بأنواعها المختلفة، خاصة الأمريكية والروسية وحتى التركية، كما تعرض البنادق الآلية بأنواعها، مع اهتمام خاص بالبندقية الروسية الكلاسيكية كلاشينكوف، ونظيرتها الأمريكية M16، بالإضافة إلى البندقية البلجيكية الشهيرة FM هريستال، تشترك معظم الصفحات التي رصدتها "VICE عربية" في هذه القائمة مع قطع الغيار والذخائر، يضاف إليها مجموعة متنوعة من البنادق متنوعة الأعيرة والطرز من إنتاج دول مثل الصين وإيران ورومانيا والتشيك. أما الأسلحة الأكثر تطورًا مثل قاذفات الصواريخ والقنابل والبنادق الرشاشة الثقيلة فتبرز في الصفحات الأكبر من حيث عدد الأعضاء، والخاصة تلك التي تحمل أسماء مدن غربي وجنوبي العراق.

وعلى الرغم من انتقال فكرة الأسواق الافتراضية للأسلحة إلى بعض دول المنطقة التي تعاني أوضاعًا أمنية غير مستقرة، مثل ليبيا وسوريا واليمن، تبقي العراق الحالة الأكثر تفردًا وخطورة، لاتساع رقعتها الجغرافية، وتوافر الأسلحة بأعداد ضخمة في أنحائها كافة، وبتنوع وكثافة لا يقارنان بحجم المعروض على بقية الصفحات المماثلة في دول الجوار. ولا يقتصر نشاط صفحات تجارة الأسلحة العراقية على عمليات البيع والشراء فقط، بل يمتد إلى تقييم الأنواع المختلفة والحديث عن عيوبها ومميزاتها وتسعيرها، بالإضافة إلى تقديم نصائح متعلقة بطرق الاستخدام وكيفية تطوير قطع الأسلحة وتعزيز قدراتها، مثل إضافة مناظير الرؤية الليلية للبنادق الرشاشة، أو إضافة التعديلات التي تدعم تعديلها إلى قاذفات قنابل أو بنادق قنص. كما تتضمن معروضات أسواق السلاح الافتراضية عتاد عسكري وواقيات مضادة للرصاص، بالإضافة إلى أجهزة اللاسلكي ومناظير الرؤية الليلية.

أما الأسعار فتختلف حسب قطع وحالة السلاح ووتتراوح بين 500 دولار وحتى 10 آلاف دولار. ويبدي جانب كبير من أصحاب عروض البيع استعدادهم للتفاوض من أجل إتمام الصفقة، وهي مرحلة تتم في غرف الدردشة المغلقة بين البائع والشاري في معظم الأحيان، حسبما رصدنا، ووفقًا لما أفاد به أعضاء الصفحات الذين تواصلنا معهم بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء.

أما سبب استمرار وجود مثل هذه الصفحات رغم عودة الهدوء إلى جانب كبير من أنحاء العراق، واستعادة قوات الجيش والشرطة زمام الأمور بشكل مطرد، فيعزوه الصحفي العراقي أسامة النعماني إلى كثرة عدد الصفحات واستخدام مؤسسيها أسماء وهمية، وهو ما لا تجد معه قوات الأمن إلا الإبلاغ عن هذه الصفحات وفقًا لسياسات موقع فيسبوك، لكن ذلك لا يجدي نفعًا لأسباب تتعلق بتعقيد إجراءات الإبلاغ عن الصفحات المخالفة لسياسة الموقع، ولجوء مؤسسي الصفحات إلى تدشين غيرها بنفس الأسماء بعد إضافة أرقام مسلسلة تشير إلى عدد الصفحات التي تم إغلاقها. ويضيف النعماني: "القانون العراقي يجرم حمل السلاح بدون ترخيص، ونصوص القانون الجديد رقم (51) لسنة 2017 غلظت العقوبات على تهريب الأسلحة وحيازتها بدوافع إرهابية، لكن تطبيق القانون ليس بالسهولة ذاتها، على افتراض أن قوات الأمن تمكنت من ضبط الأسلحة من الأساس". وتابع: "في حال ضبط قطعة سلاح مع أي مواطن من السهل عليه الادعاء بأنه حازها بغرض الدفاع عن النفس أو المشاركة في أعمال التأمين والدفاع الشعبية. لا يتطلب الأمر أكثر من ادعاء بانتمائه إلى قوات الحشد الشعبي المنتشرة في الجنوب، أو الاسناد العشائري المسيطرة على مناطق الغرب."

@WaelMamdooh