أفلام
Getty Images
سينما

افلام غولدن غلوب الأجنبية: أعمال أكبر من الجائزة وأعمال أصغر منها

تتغيّب عن الجائزة أفلامٌ كبيرة أخرى
2018 ديسمبر 11, 2:07pm

في سادس أيام العام المقبل سيفرش السجاد الأحمر استقبالاً لأول حدثٍ سينمائي في 2019: جوائز "غولدن غلوب" في نسختها السادسة والسبعين. في السادس من ديسمبر الحالي، كنا على موعد مع ترشيحات أفضل الأفلام، الممثلين والمسلسلات لجوائز "رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية." مفاجآت جوائز هوليوود باتت متوقّعة، لكنّ أكبرها بكلّ تأكيد ما طال ترشيحات فئة أفضل فيلم أجنبي. هي الفئة الأهم بسبب تجاوزها للجغرافيا الأميركية إلى سينما من كافة أنحاء العالم، إضافة إلى كون الأفلام المرشّحة فيها، قد شاركت وفازت في المهرجانات السينمائية الكبرى والعريقة خلال العام المنصرم. خمسة أفلام تتنافس على الجائزة هذه السنة، سأعرضها بتحيّز مطلق من الأوفر حظاً والأفضل بينهم.

"روما"( Roma): إيقاع الحياة والذكرى

فيلم المخرج المكسيكي ألفونسوكوارون تحفة سينمائية، أحرز وبجدارة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية في أكتوبر الماضي، بينما حال إنتاجه النتفليكسي بينه وبين سعفة مهرجان كانّ الذهبية وفق الإجماع النقدي، وهو المرجح للفوز بنظري. لأن الفيلم شخصي للغاية، لأن كوارون يروي ذكريات طفولته. محاولات المخرجين لإدخالنا في حياتهم وعقولهم دائماً ما تكون مثيرة للاهتمام فكيف إذا فعلها مخرجٌ أجاد دائماً نسج شخصيات حقيقية واقعية في أعماله. الندرة أيضاً تلعب دورها، فسينما المؤلف تتضاءل مع الزمن وكوارون صنعها بالأبيض والأسود، بمسار دقيق أنيق وبنهر من العواطف التي يُشعلها فينا دون أي تكلّف. فيلم عن الأمومة، الطبقية وتاريخ المكسيك في زمن اللامساواة. تدور الأحداث في خضمّ الاضطرابات السياسية خلال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. كوارون كانت لديه أمّان، الأم البيولوجية والخادمة التي ربته وأحبتّه كما لو كان ابنها. عمل شخصي حميمي لأبعد الحدود، يحمل فيه كوارون ذكريات طفولته.

1544535826313-Roma-Netflix-1200x520

لقطة من فيلم "روما" -نيتفلكس

أولى المخرج المكسيكي عناية فائقة لكل تفصيل، احترم ذاكرته بل كان مخلصاً لها إذ إنّ كل شيء في الفيلم بقي طبيعياً، فاعتمد في التصوير طريقة منهجية موضوعية أعادتنا إلى الواقعية القديمة في السينما. تفاصيل من ماضيه، الأثاث، البيت، الحي، كما لو أن المخرج يعيد بناء ذاكرته من خلال عناصرها المادية، ثمّ يحرّك الكاميرا بسلاسة بينها. فيلم ننسى فيه الموسيقى، فنمشي على إيقاع الحياة والذكرى. "روما" استكمال لمسار كوارون السينمائي، استكمال لسياقات سابقة طرح فيها فرادة الإنسان ضمن جماعة والحدود الشخصية والمجتمعية وكيفية تغلّب المرء عليها. تميّز "روما" وسكن القلوب، بفيض من الواقعية، من الإخلاص من الوعي ومن الطمأنينة التي تسللت الينا وسكنتنا خلال وإثر عرضه.

"سارقو المتاجر" ( Shoplifters) ما هي العائلة؟

من حامل أسد البندقية إلى حامل سعفة كانّ، ومن المكسيك ننتقل إلى اليابان. إنّه هيروكازو كوري إيدا يعود متلاعباً بالمادة التي يهواها، الميلودراما العائلية. "سارقو المتاجر" هو أفضل ما قدمه من سنين، فيلمٌ إنسانيٌ لأقصى الحدود، جمع الجمال بالألم والحقيقة. لا تظنن أنّ السرقة في العنوان فعلٌ سيءٌ بالمطلق وهنا رهافة الفيلم. حيث لا خطأ ولا صواب، التوبة ليست اجبارية. القوانين متحركة، السلوك الأخلاقي تحدده ظروف الحياة اليومية على معيار القسوة والفقر والعوز.

1544537195818-Shoplifters-1600x900-c-default

عين كوري إيدا ثاقبة، يبصر الأنسان كاملاً، البواطن والأفعال. إنّه فيلمٌ يعيد صياغة الأسئلة للعثور على حلول مختلفة. من هي العائلة؟ هل هي حصراً من تجمعنا بهم رابطة الدم؟ من هذا التساؤل الشائع يبدأ المخرج الياباني. من منزل عائلة تعيش عوزاً فاتكاً وتضطر لامتهان السرقة من أجل العيش. أفرادٌ لا يحملون إشكالات هيروكازو المعتادة، هم فقط يصارعون ويتكاتفون للبقاء على قيد الحياة ولمواجهة العالم الذي يسحقهم ويتجاهلهم. يعملون هنا وهناك ولكنّ عملهم الثابت سرقة المتاجر. ليست عمليات سطو ضخمة. يسرقون ما يحتاجونه في كل ظرف، والأطفال هم المجندون الأمثل. بكامل التعقيدات البشرية، برهافة المشاعر وتعقيد الأسئلة، يتركنا كوري إيدا بنهاية مفاجئة مفتوحة، بنهاية قوية تكبر داخلنا مع عودة أضواء الصالة. الفيلم لا يقدم حلولاً بل هو فيلم واقعي صادق وبليغ. عائلة وحبٌ ودعم، ولكن هل هذا كافٍ لأفرادها في ظلّ حياةٍ تعتمد على السرقة؟

"عمل بلا مؤلف " (Never Look Away): حلاوة الشغف

بعد جنوب أميركا وشرق آسيا، تنتقل ترشيحات غولدن غلوب إلى أوروبا وتحديداً إلى ألمانيا، مع فيلم "عمل بلا مؤلف" (الترجمة العربية للاسم هي من عنوان الفيلم بالألمانية Werk ohne Autor) لفلوريان فون دونرسمارك الذي عرف بفيلمه "حياة الآخرين" الحائز على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2006. دشّن الرجل فيلمه الجديد في مهرجان البندقية الأخير. دراما تاريخية طويلة ممتدة على ثلاث ساعات وعشرة دقائق، تحكي قصة كورت بيرنيرت المستوحاة من القصة الحقيقة للفنان المعاصر جيرهارد ريختر.

على مدى ثلاثة عقود مضطربة من التاريخ الألماني في القرن العشرين نتابع الشاب كورت من دريسدن، يحلم بأن يصبح رساماً. من طفولته في الحقبة النازية إلى وقوعه في الحب، زواجه، شغفه بالرسم ثمّ هروبه من ألمانيا الشيوعية إلى أوروبا الغربية ليصل إلى مقرّه النهائي حيث الفن الذي يحب. فيلم بسيط في هيكله السردي واضح في تفاعلاته وساذج في انتقاء المواضيع. الفيلم لا يصعق وفي نفس الوقت لا يُمل منه على الرغم من مدته الطويلة. يصاحبنا برفق، دائماً مع خيط من الأمل نحو خاتمة شبه مفتوحة ولكن مليئة بحلاوة غير متوقعة. كل ما سبق يروى ببساطة نادرة في سينما اليوم وهذا تحديداً ما يجعل الفيلم مميّزاً.

"فتاة" ( Girl): رقصة التحوّل

نبقى في أوروبا ولكن نتجه إلى بلجيكا. الفيلم الأجنبي ما قبل الأقل حظاً ضمن الأفلام المرشحة للغولدن الغلوب. "فتاة" للوكاس دونت، عرض في مهرجان كان الأخير ضمن مسابقة "نظرة ما" وحصل على جائزة الكاميرا الذهبية لأول عمل. ليس الفيلم سيئاً لكنّه ببساطة غير ناضج ووقع في سلّة واحدة مع بعض الأفلام الثقيلة المحنّكة المشبعة. القصّة حساسة تعامل معها النخرج ببعض الفجاجة والغِلظة. فيلمٌ مستوحى من قصة متحولة جنسية بلجيكية باتت اليوم راقصة محترفة. لارا ابنة الخمسة عشر عاماً تنتقل مع أخيها ووالدها إلى مدينة فيها أفضل مدارس الرقص في البلاد. حلمها أن تصبح راقصة ولكن يعيقها جسد الذكر الذي ولدت به.

1544536017327-girl

لقطة من فيلم "فتاة" -نيتفلكس

بين جلسات الطبيب النفسي والأطباء في المستشفى وبدعم من والدها، تبدأ لارا عملية تحول جنسي صعبة ومؤلمة. "فتاة" فيلم تناول موضوعاً معقداً وحساساً بطريقة ذكية وبسيطة. الباليه الكلاسيكي لم يكن عنصراً من الحكاية، بل كناية واضحة بين الرحلة المؤلمة للمراهقين المتحولين جنسياً، والرحلة المؤلمة لراقصات الباليه. آثار الشريط اللاصق الذي تخفي به لارا أعضاءها التناسلية وأصابع الراقصات الدامية التي يصعب المشي عليها. نفاذ صبرها، الاحباط، الهرمونات التي لا يبدو أنها تعطي تأثيرها وانتظار بلوغها عمر الثمانية عشرة للقيام بعملية التحويل. أجاد دونت محو المسافات قرّبنا من رحلة لارا، بفضل اهتزازات الكاميرا المحمولة واللقطات القريبة. يشار إلى أنّ الفيلم أثار جدلاً بين النقاد والمتفرجين لحدّ رفض بعضهم له، بسبب احتوائه مشاهد عري لمراهقين تحت السن القانوني.

"كفرناحوم" ( Capharnaüm): ذنب العالم الأول وآلام العالم الثالث

الفيلم الأقل حظاً بل "الدخيل" بين المتنافسين، "كفرناحوم" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي. لم تخيّب هوليوود الظنون. بعد ترشيح فيلم مارفل "الفهد الاسود" منافساً ضمن فئة أفضل فيلم - دراما، ثمّ ترشيح الفيلم الكوميدي الركيك "آسيويون أغنياء بجنون" بوجه الكوميديا السوداء السريالية "المفضّلة" ليورغوس لانثيموس، كان متوقعاً دسُّ فيلمٍ مثل "كفرناحوم" في قائمة أفضل فيلم أجنبي. الفيلم الذي وضعته مجلّة "دفاتر السينما" العريقة في خانة "بورن الفقر" وقالت إنّه "ابتزاز عاطفي للمانحين الدوليين للمنظمات غير الحكومية" وصل إلى أفضل 5 أفلام أجنبية بالنسبة "لرابطة هوليوود للصحافة الأجنبية" يا للعجب. هو "الرجل الأبيض" نفسه الذي يسيل لعابه على أفلام حقوق الإنسان والعنصرية والمثليين والنسوية، ونفسه الذي تبرّع بجائزة الحكام للبكي عن غير استحقاق في مهرجان كانّ الأخير ليثلج قلبه.

إنّه عمق ذنب العالم الأول: آلام العالم الثالث. الفيلم مثالي لإطفاء الشعور بالذنب، للشعور بالقليل من الرضى الذاتي تجاه العالم الفقير. في "كفرناحوم" نصبح رهائن الأهوال، الإهانات، المعاناة، الصدمات، سوء المعاملة والإذلال. العمل ليس سينما دراما اجتماعية واقعية بل سينما تستغل الإنسانية التي غالباً ما تتجاهل الحدود بين الموضوعية وبين تراكم البؤس الذي لا ينتهي. بنظري الفيلم جيد من ناحية واحدة فقط، لو أنّه أُنتج لحملة "أنقذوا أطفال الشوارع." كان يحلو لي أن أمدح فيلماً لبنانياً وصل إلى كانّ ثمّ إلى الغولدن غلوب، أن أساير "وطنيتي" ولكن هذا ليس مقبولاً بالنسبة لي على حساب السينما والفن.

هي لعبة سينما العالم الثالث التي لا تستهويني، تحبس نفسها في الحرب والدمار والظلم والبؤس والفقر، وتمنح هوليوود ما تريده من هذه البقعة من العالم، مقدّمة كل ما هو جاهز ومعلب لعلّها تلفت نظر المهرجانات والجوائز، فكلما كان البؤس أكبر كلما كنا أقرب من الجائزة. إنّها اللعبة البعيدة عن مفهوم السينما، اللعبة التي تتكلم عن كل ما هو حول العمل وليس عن العمل نفسه. تنشغل بأسبابه، بقصص ممثليه، بمصاعبه، بكل شيء ثانوي مقارنةً بالسينما كسينما. ما علاقتي كمشاهد بظروف العمل، وظروف الممثلين، وكلّ ما حدث حول الفيلم؟ ما أريده هو العمل نفسه، ما يقدّمه لي، ما أراه على الشاشة. "كفرناحوم" لم يترك لي أي مساحة لحريّة التفكير والتأويل، جاء محمّلاً بأكثر مما يحتمل، من دون أيّ منفذ للمشاهد كي يقرأ الأسباب والحلول، كي يتنفس، كي يفهم.

مضحكٌ جداً أنّ "كفرناحوم" أو حتى "فتاة" يتباريان على جائزة أفضل فيلمٍ أجنبي للغولدن غلوب الأميركي بينما تتغيّب أفلامٌ كبيرة مثل "حرب باردة" للبولندي بافيل بافليكوفسكي، أو "غروب" للهنغاري لازلو نمش، وغيرها ممن يستحق هذا المكان. هل ستفاجئنا الغولدن غلوب باختيار أسوأ فيلمين على لائحتها لأن الأول يقارب موضوع التحول الجنسي، والثاني أهوال العالم الثالث؟ سنرى. إن وجدتم ترشيحات "غولدن غلوب" مفاجئة، إنتظروا قليلاً، فالمفاجأة القادمة ستكون على سجادة هوليوود الحمراء الأفخم. انتظروا صدمات ترشيحات جوائز الأوسكار.