تونس

هل فتحت الثورة في تونس الأبواب الموصدة أمام شباب المسرح والسينما؟

هناك حرية أكبر في إختيار المواضيع، فقد تم طرح أفلام تمس قضايا قد تحرج السلطة كالفساد والإرهاب
14.1.19
تونس

مسرحية الكراسي لمقداد الصالحي

تحتفل تونس اليوم على بالذكرى الثامنة لثورة الياسمين التي قطعت مع حقبة سياسية أحكمت القبضة على كل القطاعات، وأسست لحقبة جديدة أكثر انفتاحاً، ساهمت في بلورة مناخ من الحريات انعكس على مختلف الميادين لا سيما الثقافية منها. فبعد أن كان المبدع التونسي رهين رقابة صارمة تحدد رؤاه وأفكاره، أصبحت كل المواضيع قابلة لأن تحول لعمل فني. وقد استفاد من هذا الواقع على وجه الخصوص شباب المسرح والسينما الذين منحوا الفرصة لطرح أفكارهم وتصوراتهم ومعالجتهم للكثير من المسائل بعد أن تم تهميشهم سابقاً. وللوقوف على مدى استفادة السينمائيين والمسرحيين الشباب في تونس من مناخ الحريات التقينا عدداً منهم وسألناهم عما حصدوه من هذا الوضع الجديد، وعما إذا كان هناك فعلاً واقع حريات بمستوى انتظاراتهم.

إعلان

الممثلة السينمائية سارة الحناشي، 25 عاماً، ترى أن مناخ الحريات في تونس ما بعد الثورة أثر إيجابياً على الحركة السينمائية في البلاد ولكن مازال هناك الكثير من التحديات والخطوات اللازمة لبلوغ المستوى المرجو. لسارة جملة من أعمال آخرها فيلم "جسد غريب" مع رجاء عماري وهو فيلم تونسي فرنسي، كما كان لها مشاركة فيلم "فتوى" للمخرج التونسي محمود بن محمود الذي فاز بجائزة التانيت الذهبي لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة 29 من أيام قرطاج السينمائية.

تقول سارة أن الساحة الفنية اليوم أصبحت أكثر انفتاحاً أمام المخرجين والممثلين الشباب عما كانت عليه قبل الثورة، الأمر الذي ساهم برأيها في ظهور عدد أكبر من الأفلام والنجوم سينمائية شابة مبدعة، وتضيف: "في فترة ما قبل الثورة كان دعم الدولة يشمل فيلمين فقط سنوياً فقط بمقاييس محددة ومضامين لا تطرق ما من شأنه أن يقلق السلطة، اليوم أصبح هناك الدعم يقدم لعدد أكبر من الأفلام سنوياً، هذا عدا تشريك عنصر الشباب على مستوى الإخراج والتمثيل بعد تغييبه على المشهد السينمائي التونسي الذي كانت تحتكره أسماء بذاتها."

1547457326753-

سارة الحناشي- فيسبوك.

وقد انطلقت البداية الحقيقية للإنتاج السينمائي التونسي مع مبادرة مهمة السينمائي الطاهر شريعة الهامة التي أثمرت تأسيس أول مهرجان سينمائي إفريقي وعربي "أيام قرطاج السينمائية" عام 1966 ساهم في التعريف بالحركة السينمائية في البلاد وطنياً وعربياً وعالمياً. ولكن وبسبب القيود التي فرضتها الأنظمة السياسية في البلاد على المشهد الثقافي عموماً، سقطت السينما التونسية في موجة من الانتقاد طالتها من الرأي العام والنقاد أيضا واتهمت بأنها سينما الأماكن المغلقة والحميمية.

لا شك أن التحولات السياسية التي شهدتها تونس في فترة ما بعد 2011 فتحت شهية السينمائيين في تونس، فقد تم إنتاج قرابة 50 فيلماً سينمائياً جديداً خلال الفترة الممتدة من بداية 2011 إلى أواخر 2018 بمعدل خمسة أو ستة أفلام كل سنة، وهو رقم صغير ولكنه إنجاز هام قياساً لما كانت عليه الأمور قبل الثورة إذ لم يكن ينتج أكثر من فيلمين سنوياً. تخفيف الرقابة على الأفلام يعتبر إنجاز آخر للمشهد السينمائي في تونس، فاللجان المشرفة على اختيار الأعمال في تونس لا تضع خطوطاً حمراء بشكل صريح كما كان سابقاً، وهناك حرية أكبر في إختيار المواضيع، فقد تم طرح أفلام تمس قضايا قد تحرج السلطة كالفساد والإرهاب والعنصرية وغيرهم. إلا أنه يتم رفض بعض الأعمال أحياناً بحجة ضعف العمل فنياً.

إعلان

"لا يزال هناك لجان لاختيار الأفلام كما ما قبل الثورة، إلا أنها بثوب آخر اليوم وتتعامل مع الأعمال المطروحة بعقلية أن كل شيء بات قابلاً للمعالجة وأن لا خطوط حمراء على هذه المسألة أو تلك. ولكن مع ذلك مازال هناك نوع من الرقابة تفرضها هذه اللجنة وتؤدي لحرمان بعض المخرجين من إنتاج أعمالهم،" تقول سارة وتضيف: "لا يزال أمامنا الكثير من الخطوات حتى نصل فعلا للحد المطلوب من الحرية اللازمة لصناعة واقع سينمائي تونسي بجودة وحرفية عالية جداً."

هناك نوع من المغالطة والتهويل في الحديث عن أهمية وفائدة مناخ الحريات في تونس بعد الثورة وتأثيراتها على المشهد السينمائي كماً وكيفاً في ظل غياب إطار قانوني ينظم طريقة العمل

ولكن المخرج السينمائي الشاب زياد حداد، 28 عاماً، لا يتفق تماماً مع الرأي السائد وحجم الحرية المتاحة بعد الثورة، ويشير الى وجود نوع من المغالطة والتهويل في الحديث عن أهمية وفائدة مناخ الحريات في تونس بعد الثورة وتأثيراتها على المشهد السينمائي كماً وكيفاً في ظل غياب إطار قانوني ينظم طريقة العمل.

"لا أرى أنه من المجدي الحديث عن مناخ الحريات في تونس ومدى تأثيرها على الأعمال السينمائية في ظل عدم الالتفات للقوانين التي تنظم العمل والتي تمكننا كسينمائيين من فهم حقيقي لآليات وكيفيات تسيير العملية برمتها،" يقول زياد ويضيف: "مثلاً ما الذي سنقوله عن فائدة الحريات في فترة ما بعد الثورة في الوقت الذي لا نفهم فيه كسينمائيين شباب أي جهة مخولة للحصول على تراخيص التصوير، ما يجعلنا نطوف بين أطراف عديدة وكل جهة تتنصل فيما ليس بالإمكان العمل دون الحصول على هذه التراخيص. هي تعقيدات وقيود قديمة جديدة تفرغ هامش الحرية الذي انتظره الجميع من أي قيمة تذكر." كلام زياد يؤكد عليه الواقع، فالمخرج التونسي مطالب بالحصول على تراخيص للتصوير في بعض الأماكن أو مع بعض الأطراف، وليس هناك جهة واحدة مخولة لتقديمها فكل الوزارات تقريباً مخولة لتقديم هذه التراخيص وذلك حسب الموضوع المطروح.

1547456672566-

زياد حداد - الصورة مقدمة منه.

"لا شيء تغير فقط آليات الرقابة هي التي تغيرت، ففي السابق كان الأمر إخضاع الفيلم للتقييم وإذا استجاب لشروط معروفة قد يحصل على الترخيص،" يقول زياد ويضيف: "اليوم هناك تعاطي من نوع آخر ربما أشد خطورة وهو أنه بإمكانك إنتاج فيلم بالأفكار التي تريد ولكن ستغلق أمامك كل الفضاءات لعرض وطرح عملك أمام الجمهور التونسي، خاصة إذا كان عملك يطرح أفكاراً تفضح واقعاً اجتماعياً في البلاد أو تفضح فساد الساسة أو كل ما من شأنه أن يحرك الرأي العام. ولكن إذا كانت فكرة فيلمك تتعلق عن الحريات العامة كالمثلية الجنسية وحقوق المرأة في إطار يتناسب مع أصحاب القرار، فالمجال أمامك باعتبار أن مثل هذه المسائل دخلت صلب المزايدات السياسية وأصبحت لعبة مربحة لجميع السياسيين."

زياد يتحدث من تجربة شخصية، فهو يقول أن فيلمه "قتاد" الذي جاب به 35 دولة حول العالم، أتيحت له فرصة العرض في تونس مرة واحدة وأغلقت أبواب كل المهرجانات التونسية. يقول زياد أن سبب الرفض يتعلق بموضوع الفيلم والذي يصور قصة شباب من جهة تطاوين (جنوب تونس) خلال انتفاضتهم من أجل حقهم في العمل والتوزيع العادل للثروات الطبيعية خلال ما سمي باعتصام الكامور في أبريل 2017 والذي يعد أحد أبرز الأحداث الاجتماعية في الجنوب التونسي بعد الثورة.

والأكيد أن فترة ما بعد الثورة شهدت طفرة في إنتاج الأفلام في تونس ولكن الأمر لا يتعلق بمناخ الحريات في البلاد بقدر ما هو متعلق بفتح أبواب تمويل الأعمال خارج حدود تمويل الدولة. فاليوم إذا لم يتسنى لك تحصيل تمويل من وزارة الثقافة فيمكنك تدبر ذلك من المنظمات الدولية التي أصبح نشاطها في تونس أيسر وأوسع مما كانت عليه قبل الثورة. ولكن ورغم أهمية هذا العامل الذي يساعد خاصة الشباب على المضي في بلورة أفكارهم وتحويلها لمشاريع حقيقية، إلا أن له تأثيرات أخرى تتعلق أساساً بالتدخل في التصور النهائي للفيلم فكل جهة تقدم تمويلها لها رؤاها وتصوراتها التي قد تتعارض مع ما تريد الاشتغال عليه ما يدفع السينمائي في كثير من الأحيان للاضطرار للتحوير بناء على رغبتهم.

بعد أن كانت الأعمال المسرحية قبل الثورة تخضع للجنة تتولى مراقبة الأعمال قبل عرضها للجمهور للتأكد من عدم المساس من هيبة النظام الحاكم، أصبحت هذه الأعمال تخضع في مرحلة ما بعد الثورة للجنة الشراءات والتي تُقيم المستوى الفني للعرض لا مدى تجاوزها للخطوط الحمراء

الحديث عن المسرح التونسي يختلف عن السينما، ففي الوقت الذي لم ينجح فيه الفن السابع من تجاوز قيود السلطة وبقاءه في جلباب واحد، استطاع أبو الفنون أن يخترق الرقابة البوليسية التي فرضها خاصة نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأن يؤسس مدارس مسرحية مرموقة، وتمكن كبار المسرحيين التونسيين على غرار توفيق الجبالي وفاضل الجعايبي والمرحوم عز الدين قنون وغيرهم من الأسماء من إنتاج أعمال استطاعت أن تطرح أكثر المواضيع دقة بطرق مبتكرة انطلت على الرقابة. ولنا في ذلك على سبيل المثال مسرحية "كلام الليل" للمخرج توفيق الجبالي (1990) التي استطاعت تشريح مواضيع عديدة ووصلت حد انتقاد السلطة بطابع هزلي هادف لم تفهمه الرقابة البوليسية لبن علي، ومسرحية "جنون" (2007) للفاضل الجعايبي وجليلة بكار وغيرهم.

المخرج والكاتب المسرحي مقداد الصالحي، 46 عاماً، يقر بأن مناخ ما بعد الثورة أثر إيجابياً على أعماله المسرحية. ويضيف: "مناخ الحريات ما بعد الثورة كان له دوراً ايجابياً وديناميكياً في انتاجاتي المسرحية وأعمالي الفنية حيث مهدت لي الأرضية الخصبة لممارسة أعمالي المسرحية بكل حرية سواء من خلال الكتابة المسرحية أو الانتاج او الاخراج المسرحي. وهذا بدوره كان الدافع الرئيسي لي في إنجاز عدد من الأعمال المسرحية مثل "فضاء مينرفا تياتر" "مونولوج و"مرا حرا" والتي حصلت على المرتبة الأولى في المهرجان الوطني لدور الثقافة والشباب وتناولت هذه المسرحية موضوع حرية المرأة والقضايا الشائكة التي تتعرض لها سواء في المجال الفكري أو العقائدي."

1547456493501-

مقداد الصالحي - الصورة مقدمة منه.

وتنتقد مسرحية "طش ورش" نص وإخراج مقداد الصالحي، الوضع السياسي والاقتصادي السائد حيث تتناول موضوع الهجرة السرية ومخلفاتها الاجتماعية وأسبابها التي تعود إلى استفحال التفرقة الجهوية والتهميش وتفشي البطالة في صفوف المثقفين. أما مسرحية "مرا في صف الرجال" نص زينة مساهلي وإخراج مقداد الصالحي فتتحدث عن حرية المرأة من منطلق أن الحرية تكتسب ولا تعطى. ومسرحية "الكراسي" اقتباس زينة مساهلي إخراج مقداد الصالحي عن مسرحية الكراسي ليوجين يونسكو، تنتقد بدورها الحكم القائم على الديكتاتورية المطلقة التي يكون فيها الشعب هو المسؤول عنها بسبب خضوعه التام واستسلامه للسلطان دون مطالبة بالحرية أو الدفاع عنها.

1547458237202-

مسرحية الكراسي لمقداد الصالحي.

"جراء هذا المناخ الجديد لمست في أعمالي فعلًا حرية على مستوى الكتابة وتناول لمواضيع كانت محظورة وممنوعة وتعرض أصحابها للسجن لأنها تنتقد الوضع السياسي وتطال بالنقد السلطة. وبعد أن كانت الأعمال المسرحية قبل الثورة تخضع للجنة تتولى مراقبة الأعمال قبل عرضها للجمهور للتأكد من عدم المساس من هيبة النظام الحاكم، أصبحت هذه الأعمال تخضع في مرحلة ما بعد الثورة للجنة الشراءات والتي تُقيم المستوى الفني للعرض لا مدى تجاوزها للخطوط الحمراء،" يقول مقداد.

أما المخرج المسرحي مكرم السنهوري، 33 عاماً، فيؤكد أن واقع ما بعد 14 يناير ساعده كثيراً في بلورة أفكاره، ويقول "كان الرهان دائماً منذ أن كنت طالباً أن نتحدى هذا المنع الداخلي الذي يسكننا كمبدعين والذي يعد رقابة داخلية تمثل سجناً للمبدع وقدرته على التصريح بالواقع السياسي والاجتماعي. وأيضا تحدي المنع الخارجي الذي لا بد بعد ثمانية سنوات أن نعترف بأنه أقل حدة من المنع الحالي الذي يعيشه العالم العربي عموماً والمتمثل في المنع الأخلاقي المتدين والذي يحمل في بطنه دعوة صريحة للتخريب وتصفية كل المشاريع التنويرية للمجتمعات العربية."

1547457842363-

مكرم السنهوري- الصورة مقدمة منه.

يقول مكرم أن في ظل هذا الجو العام من الحرية أصبح الرهان أكبر على المبدع، "فالموانع أصبحت أخطر من أن تسجن أو تمنع لك مسرحية. الآن بعد ثماني سنوات أن لا خطوط حمراء لا موانع لا محظورات لا على مستوى الخطاب الدرامي ولا على مستوى الشكل الجمالي. فالفضاء المسرحي الآن أشبه بالمشرحة نشرح فيها حياتنا التونسية نجادل كل الأفكار والتوجهات المقترحة مجتمعياً وسياسياً وثقافياً. مناخ الحرية مكسب حقيقي للمجتمع اذا أحسن طبعاً التعامل معها كمفهوم يحقق النماء الفكري ولكن الخطر كل الخطر أن نخطأ في فهمنا للحرية فتتحول الى فوضى تدميرية فالحرية تعني أن تقوم بواجباتك تجاه الدولة والمجتمع قبل أن تطالب بحقوقك كإنسان."

مما لا شك فيه أن التحولات السياسية التي شهدتها تونس بعد الثورة مهدت الأرضية وفتحت المجال أمام شباب السينما والمسرح لطرح أفكارهم والمشاركة الفعلية في التأسيس الجديد للمشهد الثقافي، ولكن يبقى هناك الكثير من العمل للحفاظ على هذه المكتسبات والبناء عليها.