ما الذي نندم عليه، وهل إذا رجع الزمان سنعيد ذات الخطأ؟

رسوم: أنس عواد

مجتمع

ما الذي نندم عليه، وهل إذا رجع الزمان سنعيد ذات الخطأ؟

عندما أنظر إلى الخلف، أتخيّل لو أني تصرفت بشكل مختلف، لربما سأكون بمكان آخر اليوم
رشا حلوة
إعداد رشا حلوة
18.6.18

الاسم "نَدَم"، والمصدر "نَدِم"، و"كان نَدَمُهُ شديدًا" أي أسفُه، حزنه وتحسّره، والفعل "نَدِمَ" والفاعل "نادم" و"ندمان"، وهي "ندمانة" وإن "ندم المرء على أمر" أي كرهه بعدما فعله. وبالتالي، الندم بجزء كبير منه، متعلّق بأشياء كانت لنا مسؤولية فعلها أو قولها أو إحساسها، فعلنا أو لم نفعلها، ولذلك نندم. لم تكن سيرورة العمل على هذا التقرير سهلة، بداية سألت أصدقاء وصديقات من حولي ومن ثم نشرت عبر صفحتي في موقع فيسبوك، مقارنة بمواضيع أخرى، لم يحظى سؤال البحث عن لحظات ندم على تجاوب كبير، كأننا بالغالب لا نندم. حتى أنا، عندما خصصت وقتًا للتفكير بلحظات ندم في حياتي، كان هناك صوت داخلي يقول: "فش إشي بستاهل الندم" وهذه آلية دفاعية جيّدة نعرفها كلنا. صديقي أحمد، في إجابة عن السؤال وتذمري من صعوبة إيجاد نادمين ونادمات قال: "أعتقد بأننا، أي شعوب المنطقة العربية، بدأت تسوّق فوق خرابها هكذا عبارات، والتي تعني أن لا نأسف على أحد ولا نحزن لشيء، يشمل ذلك خسارة صديق وفقدان حبيب ما."

إعلان

لكن بالنهاية، كان هنالك من تجاوب مع السؤال حول الندم، ومن الجدير بذكره، أن الغالبية العظمى ممن تجاوب، كنَّ نساءً، من بلاد عربية متنوعة وأجيال مختلفة، أكثر ما تحدثن عنه كان القلب والعائلة، إلى جانب قصص متعلّقة بالأصدقاء والخيارات الحياتية. لماذا النساء أكثر؟ هذا يحتاج إلى بحثٍ مطوّل، لكنه ربما مربوط بفكرة أنه عمومًا في العالم وفي مجتمعاتنا، وضمن منظومة التربية على أساس جندري، بما فيها من تمييز، نربي النساء على التواصل مع مشاعرهن أكثر، مقارنة بالرجال، فالرجال "ممنوع أن تبكي" لأن البكاء، حسب هذه التربية، هو ضعف. ومن هنا تمتد معادلات كثيرة بين النساء والرجال ومشاعرهم/ن، منها مسألة الندم، الذي يصنّف في كثير من الأحيان على أنه ضعف أيضًا. لكن، هنالك أصوات عديدة، منها التي حاورتها في هذا التقرير، تؤكد على أن التصالح مع الندم، هو ضروري، فيه من القوة وكذلك من الإصرار على حياة أفضل، وهذا شيء لا نجده كلّ يوم.

عزيزة، 38، فلسطين

VICE عربية: ما هو أكثر شيء تندمين عليه؟
عزيزة: أندم لأني تعلّمت في جامعة لا أحبّها. أمي دفعتني لأن أتعلّم في جامعة معروفة بمستواها العالي، رضخت لضغطها، وتخرّجت بشهادة، لكن خلال فترة الدراسة لم أكن سعيدة، على الرغم من أنه تم قبولي في كلية الحقوق، ونجحت بهذا المسار لكن رغبتي كانت طوال الوقت بأن أدرس صحافة وإعلام في جامعة ثانية، ولو فعلت ذلك، في أي مكان سأكون اليوم؟ بالتأكيد مسار حياتي سوف يكون مختلفًا عن ما هو عليه الآن.

هل تعلّمت من شعورك بالندم؟
تعلّمت فيما بعد بأن لا أسمع لكلام أحد، وأن أفعل ما أريده. عندما قررت أن أتعلّم معلمة سواقة، عارضني أهلي: "شوَ؟ بدك تتركي المحاماة، وتصيري معلمة سواقة؟ شو مع سنين الدراسة والتعب!؟ لكن عند هذا الاعتراض، كنت قد وصلت إلى مرحلة "خلص، رح أعمل شو بفكر ومش لازم أخلي حدا يتدخل بمخطط حياتي" وبأن هذا قراري وسأتحمل مسؤوليته. واليوم، لدي خطط كثيرة للمستقبل القريب والبعيد، بدون أن أستشير أحد.

راوية، 32، سوريا

لديك الكثير من الأشياء التي تندمين عليها؟
هناك ندم أخف من ندم، هنالك أوقات أندم على أني لم أدرس في جامعة أجنبية كما كنت أحلم دومًا، أو أني صدّقت شخصًا كذابًا، أو أني لم أعترف للشخص الذي أحبّه، بأني أحبّه، لأني كنت خائفة. في هذه الحالات، أشعر بالندم لأني لم أحاول أكثر؛ لم أكن مصرّة على الدراسة في الخارج، لم أعطي وقتًا لنفسي بالتفكير بصدق أو كذب شخص معين. يعني، بإمكانك القول بأن شعور الندم هو معجون قليلًا بالغضب على نفسي. يرافقني الندم طوال الوقت، كل المرات التي قلت "نعم" وفي داخلي كنت أقول "لا"، أشعر بالندم عليها. كلما أنت شخصًا حياً، ستجد ما تندم عليه.

ولكن هناك من لا يشعر بالندم، حتى لو النتائج كارثية؟
أكيد، يوجد الكثير من الأشخاص الذين ينظرون إلى الندم كضعف، ولا يمكن أن يعترفوا للآخرين أو لأنفسهم بذلك. أو من الممكن أنهم لا يعرفون ماهية شعور الندم أصلًا. لا أستطيع أن أتحدث نيابة عن الجميع، ولكن أرى أن الشعور بالندم مهمًا لكي لا نعيد نفس الأخطاء. أنا مثلا تعلّمت أن أقول أحبّك حتى في الحالات التي أكون فيها غير متأكدة من حبّ الشخص المقابل لي، تعلّمت أن أتشكك من كلام البعض، تعلّمت أن أقول" لا" أكثر قليلًا مع أني ما زلت أجد صعوبة بذلك.

مريم، 23، مصر

لا زلت صغيرة على الندم، ولكن هل هناك شيء تندمين عليه؟
لست صغيرة على الندم، أندم لأمرين، الأول في أيام المراهقة، لأنني لم أعترف للشخص الذي أحبّه أنني أحبّه عندما صارحني بذلك، لا أعرف ما الذي منعني من أن أقوله له: "وأنا بحبك." سكتت ولم أستطع أن أخبره بمشاعري تجاهه. كان هو أوّل حب بحياتي وما زلت أفكر فيه طوال الوقت، ويعتصر الندم قلبي وأتخيّل لو أنني اعترفت له كيف كانت ستكون حياتي اليوم.

والأمر الثاني؟
يتعلّق بصديقتي السابقة، أندم أنني تعرّفت عليها وصدقتها، لأكتشف لاحقًا أنها كانت تتحدث عني بالسوء بغيابي وأنها تغار مني وتُقلدني، ولا تحبّني كما كانت تدعي. كنا صديقات لأربع سنوات، ولم أدرك حجم الكذبة إلّا مؤخرًا، ولا زلت أشعر بالندم كلما فكرت بها أو شاهدتها في الجامعة من بعيد.

زينب، 30، العراق

ما هو أكثر ما تندمين عليه ولماذا؟
الندم، هي كلمة كبيرة بالنسبة لي، جئت إلى برلين قبل 3 سنوات، كنت أقول بأني أتمنى لو جئت إلى برلين قبل ذلك، وبدأت حياتي الجديدة، الخاصة والعملية من قبل، كي يكون أسهل بالنسبة لي. لأن كلما كبرنا، سيكون من الصعب الاستقرار بمكان جديد، ونتعلّم لغته ونتأقلم. جئت إلى هنا من عمّان وأنا في السابعة والعشرين من عمري، أي أنهيت دراستي هناك وبنيّت أصدقاء، وتكوين الأصدقاء يحدث مع بداية سنوات العشرين، وعندما وصلت إلى برلين وأنا كبيرة بالعمر، شعرت بأني بحاجة إلى مجهود أكبر للتعرّف على الناس وتكوين شعور البيت وشبكة دعم. واللغة مع الوقت، قدرتنا على تعلّمها تصبح أقل. هذا الشعور بمصير خارج إرادتك؟
بالتأكيد الندم مرتبط في أشياء نفعلها وقراراتنا، وبالعموم، سيطرتي على هذا الشأن ليس كبيرًا، لكن أتوقع عندما أنظر إلى الخلف، أتخيّل لو أني تصرفت بشكل مختلف، لربما سأكون بمكان آخر اليوم.. يعني، لوّ برجع بالوقت.

لينا، 36، فلسطين

هل تخافين من الشعور بالندم؟
ليس من السهل الحديث عن أكبر لحظة ندم في حياتنا، لأن الندم هو إحساس مخيف. قبل زواجي هذا، كنت متزوجة من شخص آخر، كنت أعبد الأرض التي يمشي عليها، وبالطبع، في حالة حب كبيرة، تخيّلت أن هذا الإنسان ستكون حياتي معه غير سهلة لكنها جميلة. وعلى مدار سنة زواج، تعرّضت للخيانة منه والعنف أيضًا، علمًا أنّه يدعي أمام العالم بأنه إنسانًا حرًا بأفكاره وقيّمه. خلال هذه السنة أيضًا، كانت جدتي مريضة، وهذه القصّة المهمّة، جدتي هذه ربتني وكانت سبب قوتي وأرضي الصلبة وشمسي وكل شيء جميل بحياتي، وخلال فترة ذاك الزواج، مرضت جدتي كثيرًا ودخلت المستشفى، وكانت في حالة خرف، لم تكن تتعرّف على أحد، لكن الشخص الوحيد الذي تذكرته وسألت عنه يوميًا، كنت أنا، وعن غيابي عنها، كانت تسأل إمي: "وين بنتك الأميرة أم الشعر الطويل؟" كنت مدمرة في تلك الفترة، لم أكن قادرة على الخروج من البيت ولم أرغب أن تراني جدتي في ذلك الحال، مع أني عندما زرتها مرتين، شعرت بأني لست بخير. ماتت جدتي وانكسر ظهري، وبعد شهر على وفاتها، تطلقت.

ما هو أكثر شيء ندمانة عليه بكل هالقصة؟
الندم الذي يعصرني لغاية اليوم، هو بأني لم أكن بجانبها قبل أن تموت. بعد رحيلها، احتجت إلى أكثر من سنة كي أستوعب موتها، لدرجة أني كنت أنسى، فأتصل إلى هاتفها في البيت، أمي ترفع السماعة وأقول لها: "آلو تيتا؟"

رسوم: أنس عواد

موسى، 24، فلسطين

ما هي قصتك مع الندم؟
حصلت على منحة ماجستير في فرنسا، ومثل أي شخص يحاول السفر من غزة، يجب أن تبدأ محاولات السفر قبل الموعد بأشهر. فكرة الخروج من غزة قريبة جدًا إلى فكرة الخلاص أو الحرية من السجن، الشغف واللهفة لما هو وراء الجدران أقوى من أي واقع ومن قدرتنا على إدراك حقيقة ترك المكان الذي كبرنا فيه، وترك أهلنا، وأننا لن نكون قادرين على استيعاب فكرة بأن خروجنا يعني استحالة عودتنا. عندما اقترب موعد بداية دراستي، بدأت بشكل جدي بمحاولات السفر، حتى أني قررت دفع النقود للسماسرة الذين يقومون بتنسيقات على معبر رفح كي أخرج من غزة، أنام ليلة في المعبر المصري على الأرض وأتخطى سيناء في رحلة خطرة. ومع ذلك، ذهبت إلى المعبر مرتين كي أسافر، في كل مرة، كنت أودع أهلي ما عدا أبي الذي رافقني إلى المعبر، وكنا نأجل لحظة الوداع للحظة السفر الحقيقية، ولحسن الحظ، لم يكن اسمي في المرتين على المعبر فأعود إلى البيت. بعد أسبوعين، أُخبرت بأن هنالك تنسيق كي أخرج من حاجز إيرز، وفي هذه المرة، كان وداع أمي وأخوتي سهلًا، لأنها المرة الثالثة. وكالعادة، أجلنا أنا ووالدي لحظة الوداع لأنه رافقني. وصلت حاجز إيرز، وبعد التحقيقات مع أمن حماس والتفتيش وغيره، أخبروني بأني يجب أن أتوجه إلى الجانب الإسرائيلي بسرعة، أحمل العود في يدي، وخائف أن لا يسمحوا لي بالدخول من حاجز إيرز، وفي وسط هذه الزحمة، كان أبي يقف عند الجهة الثاني من الشارع ينتظر كي أطمئنه، خرجت من باب الحاجز، شاورت له من بعيد أن كل شيء على ما يرام، كان متلهفًا ينتظرني كي أعود إليه، وأنا دخلت عبر الحاجز بلا إدراك أو إحساس باللحظة، وسافرت.

لا زلت تشعر بالندم على تلك اللحظة؟
نسيت هذه التفاصيل، وتذكرتها بعد مضي شهرين على سفري ووجودي في فرنسا، عندما بدأت بالاستقرار واستيعاب ما حدث بأني خارج غزة، ولن أستطع رؤية أهلي إلا بمعجزة. شعوري تجاه هذا الموضوع هو ليس ندمًا شخصيًا، بقدر ما هو غضب على واقعنا، ففكرة الخلاص كانت أقوى من المشاعر الطبيعية التي يجب أن أشعر به، حتى عندما أشعر بالندم لأني لم أوّدع أبي، أشعر بالظلم كثيرًا بأن من الصعب أن تعطيني الحياة فرصة ثانية لكي أفعل ما كان يجب أن أفعله، أن أحضن أبي.

سعاد، 33، سوريا

الحب مرتبط بالندم بالنسبة لك؟
عرفت شخصًا على مدار 10 سنوات، وخلالها، كان يحاول طوال الوقت أن يدخل بعلاقة عاطفية معي، وبيننا يوجد أصدقاء وذكريات عديدة، وثقتي به لهذه الأسباب، كانت كبيرة. وهنا منبع الندم، دخلنا في علاقة، وبدأت أرى أشياء تحدث حولي ولم أفهمهما، هي منطقيًا غير مقبولة، لكن نتيجة الأحكام الاجتماعية وما نربى عليه من صور "لناس كويسين" شككتني في نفسي، لهذا وثقت به كثيرًا، هو ابن ضيعة، غير متملق، خدوم، وسلّمته قلبي وحياتي بلا مراقبة، إلا أن اكتشفت بأنه يكذب. ما أندم عليه هو تجاهلي للإشارات الواضحة التي أفادت بكذبه، كما وأني كنت أشعر ذلك بقلبي، كل موقف شعرت بأن هنالك أمر خطأ، كنت أقول لنفسي: "لا مستحيل، يحبني من 10 سنوات وبيننا أقارب وأصدقاء" لكن كل ما شعرت به، كان صحيحاً. تندمين على أنك صدقتيه؟
بعد ما انفصلت عنه، بدأت بتناول أدوية مضادة للقلق والاكتئاب لأني انكسرت من خيبة الأمل، حمّلته أكثر مما يستحق وندمت كثيرًا، إلى الآن أشعر بالندم. الأمر لا علاقة بشعور مرتبط بالحاسة السادسة، كلا، إنما على أشياء كنت أراها بعيني وأكذب نفسي.