إعلان
ثقافة

وبتطفي النور ليه، ما انتي مضلمة خلقة! عن عنصرية الدراما والسينما العربية

كثيراً ما تستخدم كلمة "زنجي" في الإعلام والغريب أن هناك الكثير ممن لا يعرفون أن هذه الكلمة عنصرية

إعداد رنا عفيفي
2019 05 26, 8:22am

ايمي سمير غانم في مسلسل عزمي وأشجان

تزخر الأفلام والبرامج العربية بالعديد الصور السلبية والعنصرية ضد ذوي البشرة السمراء والسوداء. لمعرفة حجم هذه المشكلة ما عليك سوى متابعة بعض التغريدات التي نشرها عبد الله حسن، 24 عاماً، عبر حسابه على تويتر. تغريدات تضم مقاطع فيديوهات عنصرية المفروض أنها كوميدية، تجعلك تتساءل كيف فكر أحدهم باعتبار أن الأمر مجرد مزحة؟

بعد قراءة تغريدته حول مشروع يعمل عليه خاص بالعنصرية، توصلت مع عبد الله، صومالي-بريطاني، تخصص في الإعلام والأفلام، وأخبرني عبر الهاتف كيف بدأ بهذا البحث: "أشاهد الكثير من الأفلام بحكم دراستي، ومنذ بضع سنوات، بدأت ألحظ الكثير من العنصرية في الأفلام والبرامج العربية. ورحت أسجل ملاحظات وأبحث بالموضوع، ووجدت أكثر مما توقعت."

1558339781026-image1-1-2
عبد الله حسن

الفيديوهات التي جمعها عبدالله كثيرة ومتنوعة، فمنها أفلام مصرية، وأخرى مسلسلات خليجية، أو برامج إعلامية تعرض على كبرى المحطات العربية، من فترات زمنية مختلفة. جميع هذه المقاطع تحمل مقاطع أو عبارات عنصرية ضد ذوي البشرة السمراء والسوداء منها عبارات مثل "الكهربا قاطعة جوا ولا أيه" أو "البيت المحروق دا" أو ما يقوله محمد هنيدي لفتاة سمراء "وبتطفي النور ليه، ما انتي مضلمة خلقة." هذه الحوارات الساخرة من لون البشرة يؤديها ممثلين معروفين مثل عادل إمام وأحمد السقا وياسمين عبد العزيز وأيمي سمير غانم في مسلسل "عزمي وأشجان" والتي تسخر من السودانيين وتكرر عبارات مسيئة.

في أغنية من المفترض أنها موجهة للأطفال لهيفاء وهبي، يقول الطفل "فين دبدوبي والقرد النوبي"

وفي أحد المقاطع الصادمة فعلاً هي من فيلم "الناظر" المصري، يقول الممثل الراحل علاء ولي الدين "نطعّم ليه، هو شايفنا صوماليين؟" فيما معناه أن المرض والحاجة للتطعيم مرتبطة بالصوماليين. وفي أغنية من المفترض أنها موجهة للأطفال لهيفاء وهبي، يقول الطفل "فين دبدوبي والقرد النوبي" وتعتبر "القرد النوبي" عبارة عنصرية تسخر من أهل النوبة في مصر. وطبعاً، فيديو كليب ميريام فارس الذي أطلقته العام الماضي وصبغت نفسها فيه باللون الأسود، لتؤدي مجموعة من الرقصات.

يؤكد عبدالله أن نتائج بحثه كانت صادمة وكثيرة للغاية، ولذلك حاول التواصل مع شبكات إعلامية لتسليط الضوء على الموضوع. يقول: "كانت شبكة AJ+ قد عرضت فيديوهات عن العنصرية في الإعلام الفرنسي. وتواصلت معهم عن الفيديوهات الكثيرة التي جمعتها من الإعلام العربي. ولكني لم ألقى رد. ومن هنا قررت عرض الفيديوهات على تويتر عن طريق تغريدات. وتفاعل الناس معها بشكل كبير. حتى أن الكثيرين باتوا يرسلون لي مقاطع عنصرية من أفلام وبرامج عديدة. وأجد هذه الطريقة جيدة، حيث إن إمكاناتي لا تسمح بإنتاج وثائقي كامل عن الموضوع حالياً."

يقول عبدالله عن أكثر العبارات أو المواقف العنصرية تكرار في الإعلام العربي: "كثيراً ما تستخدم كلمة "زنجي" في الإعلام والغريب أن هناك الكثير ممن لا يعرفون أن هذه الكلمة عنصرية وليس من اللائق التشدق بها. كذلك صبغ الوجه باللون الأسود منتشر جداً في برامج شهيرة مثل "طاش ما طاش" السعودي على سبيل المثال، وهم يرون أنه أمر طبيعي في إطار الكوميديا."

في الشارع كثيراً ما كنت أسمع كلمة "سمارة" بشكل عشوائي، عبارات مثل "رايح فين يا سمارة" هي مزعجة جداً بالنسبة لي

يقول عبدالله، أنه وجد هذه السنة على الأقل 4 برامج تعرض على كبرى الشاشات العربية تحفل بالعنصرية، ويقول: "مثلاً العام الماضي كان هناك الكثير من البرامج التي تحوي مقاطع عنصرية ضد السودانيين وقد عُرضت على كبرى القنوات العربية. وفي حال غضب الناس تقدم هذه القنوات اعتذاراً، ولكنها تعود وتعرض مسلسلات أو برامج تحوي مقاطع عنصرية في السنة التالية. وما لا أفهمه هو لماذا لا يتخذ موقف أو فعل جدي إزاء الموضوع؟"

الممثلة المصرية شيماء سيف في برنامج المقالب "الشقلباظ" صبغت دهنت وجهها بالأسود في فعل عنصري، حيث كان يستخدم هذا الفعل في القرون الماضية لتنميط أصحاب البشرة الداكنة ولتمثيلهم بصورة مسيئة. وظهرت سيف في البرنامج وكأنها امرأة سودانية، تسرق وتقوم بأفعال شائنة في المواصلات العامة. اعتذرت الفنانة بعد انتقادها من قبل كثيرين إلا أن برنامجها مستمر. وقبل عدة أيام، ظهر الممثل المصري ماجد المصري في برنامج "شيخ الحارة" وتحدث بعنصرية عن موقف سابق حصل معه وتفاخر بأنه أخرج فتيات من السيارة عندما علم أنهن "افريقيات."

ويتحدث عبدالله عن حجم العنصرية في العالم العربي، من تجربة شخصية، فقد ولد في جدة السعودية وكان لدى عائلته جنسية سعودية، ولكن تم سحب المواطنة من والده وجده لاحقاً، واضطر للإنتقال مع والدته وإخوته إلى مصر. "والدي لحق بنا إلى مصر، بعد عام من ذلك. ولا يزال لدي حتى الآن بعض الأقارب في السعودية، وهم يخبرونني عن حجم التمييز العنصري الذي يتعرضون له يومياً،" يقول عبدالله: "الوضع في مصر أفضل قليلاً، حيث يمكنك الإنتساب المدرسة إذا كان لديك الأوراق الصحيحة. إلا أن هناك عنصرية من نوع آخر، مثلا في الشارع كثيراً ما كنت أسمع كلمة "سمارة" بشكل عشوائي، عبارات مثل "رايح فين يا سمارة" هي مزعجة جداً بالنسبة لي."

الغريب بالموضوع أن هناك بعض الأفلام ذات المقاطع العنصرية نفذها مخرج سوداني، وأود حقاً التواصل معه وسؤاله عن سبب قبوله لإخراج هذه المشاهد المسيئة

ونعود عن العنصرية في الإعلام وخاصة بالإشارة إلى السودانيين، فيقول عبد الله: "ما وجدته في جميع الحالات العنصرية، أنها تؤطر بإطار من الدعابة والكوميديا، ويتحجج بالحب في سببها، وهو ما ليس مقبولاً أبداً. فهناك مقطع من أحد البرامج المصرية يقول للسودانيين (نحن نحبكم ولذلك نسخر منكم) وهو أمر مخزي برأيي. هناك عنصرية كبيرة موجهة ضد السودانيين في معظم الأعمال الدرامية أو السينمائية العربية وهناك صورة نمطية سيئة جداً يتم تكرارها دائماً ويجب وقف ذلك."

تتعلق المجتمعات العربية بالبشرة البيضاء، ونبذ سواها. أمر نشعر به ولا يمكن إنكاره، بداية من معايير الجمال التي تتغزل بالبشرة الفاتحة، بينما السمراء بأحسن الأحوال هي "سمرا بس حلوة" وحتى العنصرية في التعامل فيما يتعلق بأمور الحياة اليومية، أو الزواج وفرص العمل والعلاقات الاجتماعية. وهذا الأمر ليس حكراً على بلد عربي بعينه، وهو أمر يدعو للاستغراب حقيقة، كون العرب ليسوا من ذوي البشرة البيضاء بالأصل، بل كل هذا الغرام بالبشرة البيضاء وكل ما يروج لها هي من مخلفات الإستعمار والتي تركها في كثير من الدول التي حطّ فيها، ليقدس الإنسان الأبيض وينبذ غيره.

ومن المألوف تباكي العرب ونقدهم للعنصرية المتفشية في الغرب سواء ضد العرب أو المسلمين أو السود. وهنا يأتي دور المثل القائل "اللي بيته من زجاج، فلا يرمي الناس بالحجر". فهناك غياب لأي مواجهة للنفس أو اعتراف لكمية العنصرية في المجتمعات العربية، فالكثير من الأفعال والكلمات العنصرية ينظر إليها في العالم العربي بأنها "عادية" ببساطة ولا يتم تجريمها فلا يوجد قوانين خاصة بالعنصرية وإن كانت تونس من البلدان العربية الأولى التي تجرم العنصرية.

ينوي عبد الله إكمال بحثه واستخراجه لهذه المقاطع ووضعها على تويتر. كما يود التواصل مع المخرجين والممثلين الذين قاموا بهذه الأفعال ليسألهم عن دوافعهم. "الغريب بالموضوع أن هناك بعض الأفلام ذات المقاطع العنصرية نفذها مخرج سوداني، وأود حقاً التواصل معه وسؤاله عن سبب قبوله لإخراج هذه المشاهد المسيئة. العنصرية ليست تعبير عن حب وليست ضحك وفكاهة بالتأكيد، العنصرية موجودة ويجب وضع حد ورادع لها. دافعي الرئيسي من كل هذا، هو أن أقوم بشيء إزاء هذه الظاهرة، ليس فقط لألقي الضوء عليها وإنما لإيجاد الحلول."