شباب

بي هايف.. مجتمع شبابي غير تقليدي في مقهى بقلب بيروت

أكثر من مجرد مقهى!
17.7.19
A5977E5B-7E7E-4F2C-90C2-2461F7E63010

في مطلع أكتوبر من العام الماضي 2018، وصل علاء ربابعة (28 عامًا)، قادماً من العاصمة الأردنية عمّان ليقيم في بيروت، المدينة السريعة المزدحمة بالبشر ومختلف الجنسيات، حيث لم يكن له الكثير من المعارف ولا الأصدقاء فيها؛ إلا أنه كان محظوظاً بالذهاب إلى إحدى المقاهي القريبة، "بي. هايف - B.Hive" من سكنه حيث وجد مجتمع صغير سهّل عليه التعرف على أصدقاء وبناء علاقات وحضور فعاليات عديدة كان لها دور في انتشاله من إحساس الغربة.

إعلان

جاء علاء، إلى "بي. هايف" مع أحد الأصدقاء، حيث المكان هادئ الذي يوفر بيئة وغرف ومكاتب للعمل دون ضوضاء وفي جو يدخلك إلى مزاج العمل سريعًا، "وجدت الكثير من الفعاليات والألعاب والبرامج التي تساعد على بناء علاقات وروابط بين رواد المكان، وسريعًا استطعت أن أتعرف على أصدقاء جدد كثيرون اشتركنا في بعض الأنشطة وخرجنا وسهرنا سويًا وأصبح هذا المكان أشبه بمجتمعنا الذي أمضي فيه غالبية أوقات يومي." يقول علاء.

تأثر مازن جرادي (31 عامًا)، مؤسس ومالك "بي. هايف" بفترة وجوده للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن برنامج تبادل أكاديمي عام 2017، وجاءته الفكرة من غرف الاجتماعات التي توفرها الجامعة للطلاب للعمل والبحث حيث جو الدراسة والعمل لا توفرها المقاهي المشهورة. "قررت إنشاء مقهى يوفر جو للدراسة والعمل للطلبة والباحثين وغيرهم، وعرضت الفكرة على بعض الأصدقاء الذين رحبوا بالاشتراك معي في رأس المال" يقول مازن. ويضيف: "قسمنا المكان إلى 5 أجزاء، بعضها مغلق كحجرات اجتماعات وبعضها مفتوح في الهواء الطلق وبعضها للعمل الفردي ذا الجو الهادئ بعيدًا عن الضوضاء، وسريعًا التحقت بي اختي دانيا التي أصبحت مديرة ومسؤولة عن تنظيم الفعاليات".

كانت دانيا جرادي (33 عامًا)، مديرة المقهى حاليًا وشقيقة مازن، موظفة البنك سابقًا، قبل أن تعود من إسبانيا لتشارك شقيقها حلمه ومشروعه. تقول دانيا: "قررت العودة إلى بيروت لإيماني بفكرة أخي ولرغبتي في مساعدته، ثم توليت مسؤولية إدارة المقهى وتنظيم الفعاليات".

لاحظت دانيا أن المقهى يجمع الكثير من الشباب الذين تحولت العلاقة بينهم وبين المكان إلى ما يشبه المجتمع الصغير، ومن هنا قررت مع مازن تحويله إلى مجتمع بالفعل يُلبي احتياجاتهم أو ما يمكن تلبيته، وكان من أهم هذه الاحتياجات هي لأولئك الأشخاص المنعزلين الذين يصعب عليهم التعرف على أصدقاء ومعارف جدد.

إعلان

وبين مجموعات الجالسين عادة ما تتواجد دانيا، للتعرف على الزبائن الجدد وإدراك احتياجاتهم من المكان، وماذا يمكن تقديمه لهؤلاء الشباب، "أصبح كل ما يشغلني هو كيفية أن يظل (مجتمع بي. هايف) متواصل ومنتج وفعال، كيف يمكن إدماج الشباب من مختلف الدول والثقافات والخلفيات الاجتماعية والأكاديمية في هذا المجتمع الصغير ويجدوا فيه كل ما يحتاجونه من مساعدة شخصية في التعرف على أصدقاء جدد وتمضية وقت لطيف مثمر سواء في ندوات أو فعاليات أو ورش عمل أو ألعاب" توضح دانيا.

1563273668191-060e551f-a554-4094-8f2e-da1de8e9dc64

أصبحت احتياجات الشباب كثيرة والأفكار أكثر، وهو ما دفع المكان للتواصل والاستعانة ببعض الأشخاص والجمعيات للمساعدة في ذلك سواء في تنظيم الندوات أو مساعدة بعض الأشخاص. توضح دانيا قائلة: "أصبح المكان يغمره الجو العائلي، فنقوم أحيانًا بعقد جلسات استماع للشباب حول مشاكلهم الشخصية أو الدراسية أو أفكار لمشروعات وعمل والتفكير الجماعي في حل هذه المشاكل أو تطويرها أو البحث في كيفية تنفيذ الأفكار وفي بعض الأحيان كجلسات نفسية لإعطائهم المساحة للحكي والتعبير عن النفس".

وفي ركن هادئ جلس بعض الشباب الذين من الواضح اختلاف جنسياتهم ولغاتهم كل اثنين بجوار بعضهم يتبادلون أطراف الحديث بلغات ضعيفة، تشير دانيا إليهم باعتبارهم مشاركي إحدى فاعليات بي هايف الخاصة بتبادل اللغات، حيث يتولى المقهى التنسيق وترتيب أماكن للأشخاص الذين يودون تحسين لغاتهم الأجنبية مع شباب من دول تتحدث تلك اللغات ويريدون تعلم اللغة العربية.

وبجانب تبادل اللغات الذي تشارك في تنظيمه إحدى المبادرات الشبابية هناك فاعليات أخرى كثيرة منها Speed Dating، أو التعارف السريع لبناء صداقات وعلاقات بين الأشخاص الذين يفشلون في بناء علاقات بالشكل التقليدي، وكذلك هناك Speed Networking، لبناء روابط عمل وصداقة بين زبائن المكان، وكذلك Speed Discussion، لتبادل النقاشات حول الموضوعات الاجتماعية والفكرية، بجانب فعالية Coffee and politics، المخصصة للنقاشات حول الأمور السياسية في لبنان وخارجها والتي عادة ما ينضم لها بعض الفاعلين والنشطاء السياسيين.

إعلان

يقول مايك (20 عامًا)، طالب بالجامعة اللبنانية الدولية، وأحد زبائن المكان الدائمين: "جئت مرة مع بعض أصدقائي للتعرف على المكان بعد افتتاحه بفترة قصيرة، وسرعان ما أصبح بالنسبة لي نافذة للتعرف على أصدقاء جدد، فعادة ما يتم فتح أحاديث بيني وبين أشخاص جدد يجلسون بجانبي على طاولة أخرى، ويأخذنا الحديث للتعرف على بعض ومع تكرار لقاءاتنا بالمكان فنصبح أصدقاء، حتى صار لدي أكثر من 30 صديق من المكان، وامتدت صداقتنا لأبعد من حدود المقهى، حيث أصبحنا نمارس كثير من النشاطات والهوايات سوياً. على سبيل المثال اشتركت في ورش الرسم الذي ينظمها المقهى، وحضرت محاضرة عن السعادة، وورشة عمل عن مخاطبة الجماهير، بجانب الاستمتاع بالأمسيات الشعرية، وفعاليات عروض الأفلام والمسلسلات.

أما محمد الدريني (27 عامًا)، رسام فيقول: "هذا المكان أكثر بكثير من مجرد مقهى، إنني أدين له بكثير في حياتي الشخصية والعملية، لقد ساهم في تحقيق حلم حياتي، فبعد فترة وجيزة من مجيئي هنا عن طريق أحد الأصدقاء عرضت عليا مديرة المكان تنظيم ورشة عمل لتعليم الرسم، وبالفعل عقدتُ عدة ورشات وأصبح لدي مجموعة تحضر دوريًا، وفي إحدى المرات تعرفت على فنانة تمتهن الرسم هي أيضاً وقمنا بالاتفاق على إنشاء معرض "أتيليه" أو مشغل رسم مشترك؛ حيث بدأنا العمل من شهر وفي إطار التحضير للافتتاح الشهر القادم، لقد استوعب هذا المكان هوايتي واستثمرها وساعدني كثيرًا وهو ما لن أنساه أبدًا".

تري دانيا أن مهمتها كمديرة للمقهى تستوجب المعرفة المستمرة لاحتياجات مجتمع (بي. هايف) الصغير، ومن ثم تلبية هذه الاحتياجات. وعن آلية ذلك تقول: "نقوم بعقد أمسيات شعرية لعرض قصائد للشباب يحضرها كثيرون لفتح المجال أمام أصحاب القدرات الإبداعية في مجال الشعر باللغتين العربية والانجليزية، وكذلك أمسيات عرض المسلسلات والأفلام - Movie nights، وكذلك ورش العمل الخاصة بالمهارات الشخصية، وأخرى عملية لمساعدة الشباب في مقتبل حياتهم العملية مثل ورشة كيفية كتابة السير الذاتية والتأهيل للمقابلات الشخصية للعمل، بجانب دروس اليوجا، والألعاب الذهنية الجماعية للمساعدة في تسهيل تفاعل وتعارف رواد المقهي فيما بينهم.

1563273874334-E3267CBC-8A70-40FF-8553-6EFC2ED7B9F4-1

وبجانب روابط الصداقة بين الزبائن، أصبح العمال والموظفون في المكان جزءً من هذا المجتمع الصغير، ليال، (25 عامًا)، وجوليانا (20 عامًا)، الطالبة بالجامعة العربية تخصص علم نفس، تعملان بالمكان بدوام جزئي، لكنهما أصبحتا جزءًا من روابط الصداقة في مجتمع "بي.هايف".

تقول جوليانا "يقوم الكثيرين من رواد المكان بدعوتي للانضمام إليهم في جلساتهم للحديث أو اللعب أثناء فترة راحتي، ومن خلال هذا قمت بالتعرف على كثير منهم وأصبحوا أصدقائي وقاموا بتقديمي لأصدقائهم من بعد، وأصبحت عادتي أنني بعد الانتهاء من عملي أنضم للمجموعات كأحد الزبائن وأجلس بالساعات بينهم قبل العودة إلى المنزل، حيث أحضر عدد من الفعاليات التي ينظمها المقهى، مثل ورشة العمل عن الثقة بالنفس وفعالية speed dating، وهو ما أثر على شخصيتي كثيرًا، فقد كنت خجولة كثيرًا ويصعب عليّ التعرف على أصدقاء جدد ولكن بمرور الوقت أصبح لي العشرات من الأصدقاء، وخاصة أن هذا المجتمع لا يحكم عليك طبقاً لخلفيتك الطائفية أو المذهبية أو الطبقية مثل الكثير من الأماكن في لبنان".