IMG_0210
رأي

هجرة الأعضاء التناسلية

أريد أن أهرب بعضوي التناسلي بعيداً عن هنا، بعيداً عن أطباء فحص العذرية، وبعيداً عن الأعمام الذين يحملون السكاكين، بعيداً عن الابتسامات السعيدة البلهاء لشبّان يريدون قلبي بسبب عذريتي
9.6.20

ترددت كثيراً قبل وضعي لهذا العنوان، لم يسمّ أحد من قبل هذا النوع من الهجرة، فهي لا تحمل مأساة وطنية مثل "هجرة العقول" ونحن نحب المآسي الوطنية ونحب التغني بها. لكنني لا أحب هذا الغناء، أريد أن أنعق كغراب، وأن أسرق مآسيكم اللمّاعة وأزين بها أعشاشنا، نحن الغربان الذين لا يحب أحد سماع صوتنا. ولذلك سأسميها "هجرة الأعضاء التناسلية."

الآن لا أعلم من أين أبدأ، وكمقدمة نمطية سأقول إن الكثير من الشبان والشابات العرب يختارون الهجرة بسببهم ميولهم الجنسية أو زواج مدني أو عذرية مفقودة أو هرباً من عنف العائلة والمجتمع، فلا أحد في بلاد الشمال سيضع يده في أعضائنا ليختبرها. أنا لا أتحدث عن حالات عامة، لدي قصص أريد رويها، قصص شخصية لي ولصديقاتي لا أحد يعلم بها، ولأنهن اللواتي هاجرن أو سيهاجرن لا يرغبن حقاً بالتلويح بقصصهن علناً، فليس الجميع ورود زهير، الفتاة التي هربت لألمانيا وهي الآن تنشر صورها عارية وتغيظ مجتمعها السابق. البعض منا يحب خصوصيته، وهذه الخصوصية بالذات هي ما يجعلنا نرحل عن مجتمع يمسكنا من أعضائنا.

إعلان

ما دفعني لكتابة هذا مرتبط بأحداث مختلفة لنساء عربيات، مثليات وغير مثليات وعابرات جنسياً ونساء مُعنفات وأخريات يتم الزج بهن بالسجن بسبب فيديو على تيك توك، أو يتم قتلهن أو اغتصابهن والتحرش بهن كما حدث مع مها المطيري- والتي تعرضت للاغتصاب من قبل الشرطة في الكويت. مؤخراً، قررت صديقة لي السفر إلى أوروبا، ورغم حزني على فراقها، انزاح هم عن قلبي عمره أربع سنوات. فقبل أربع سنوات أخبرتني صديقتي والتي سأسميها هنا مايا، بأنها ترغب بأن تمارس الجنس، فالعذرية حسب تعبيرها هي "مجرد قشرة تافهة لا تستحق حتى طقساً عاطفياً." ، شجعتها على الرغم من أنني أنا شخصياً لم أملك الجرأة للقيام بذلك. ولكن في كل علاقة فاشلة كانت صديقتي تدخل بها، كنت أشعر بالذنب. أشعر بالراحة الآن أنها بعيدة عن الوصمة التي رافقتها خلال سنوات. هناك هي تستطيع أن تكون غير عذراء دون أن يكترث أحد للأمر، دون أن أقلق عليها من قرية ستحرقها. فنحن جميعاً تعلمنا أن للجدارن عيون وآذان. أزحت شعوري بالذنب، وأصدق أنها سافرت بسبب عضوها التناسلي.

عندما قلت لأمي بأنني سأعيش وحدي وسأعتني بنفسي، ألقت بكلام أحفظه جيداً وأسميه "مجلد خطوات الفتاة البارة في عدم تنكيس رأس الأب في الحارة" وأيضاً كتيب "سيقتلونك أعمامك لو غيرت هندامك"

ليلة أمس أخبرتني ريم (وهذا اسم مستعار لصديقة أخرى) عن عريس تقدم لها يعيش في هولندا. في الحقيقة ريم لم تكن تأخذ رأيي بالزواج، بل تحاول رصد تعليقي حول زواج صالونات لا يليق بها كفتاة "متحررة" وسيعرضها لأحكام "المثقفين" الذين تعتبرني منهم. لأريحها من ثقلي قلت لها بأن توافق، وهذا ما أرادته. ليس لأنها ترغب بالزواج، فهي كرهت الزواج بعد أن تطلقت منذ عامين، بل لأنها تريد أن تهرب من تلصص خالتها على جسدها.

ريم ولأنها مطلقة، حسب الأعراف لا أحد يحتاج لأن يصنع لها جدراناً سحرية في خيالها، تستطيع جميع نساء العائلة أن يجاهرن بأنهن أعين وآذان، فمطلقة بلا غشاء بكارة، يعني أنه لن يمنعها شيء من ممارسة الجنس مع أياً كان، لذا فهي "متهمة" طوال الوقت. منذ شهر تقريباً ولشجار تافه، قررت إحدى قريباتها تلقينها درساً، فاتصلت بوالدتها التي تعيش خارج البلاد لتخبرها بأن ابنتها ريم دخلت المنزل وجسدها مليء بآثار "مصمصة." ولأن ريم مطلقة فإن قانون الطوارئ مفعّل بشأنها، وبعد اتصالات وتحقيقات قررت إحدى الخالات البت في القضية، والحل كان هو أن تتفحص جسد ريم. دخلت الخالة كمن يحاول القبض على مجرم وطلبت من ريم أن تتعرى فامتثلت، فليس من حقها أن ترفض خصوصاً وأن ملكية جسدها عادت لأقاربها بعد أن تطلقت. تفحصت الخالة جسد ريم، ولم تجد شيئاً. سقطت المؤامرة الانتقامية وعمت الزغاريد والسعادة جميع أنحاء الكوكب. لم يفكر أحد أن ريم ليست سعيدة بهذا الانتصار، بل أن شعوراً بالانتهاك يقتلها ويدفعها للهرب. عريس في هولندا مثّل لها الفرصة الوحيدة للوصول إلى أوروبا. حلم الوصول إلى أوروبا ليس لأجل الهروب من التجنيد الإجباري كما في حال بعض الشباب السوريين، ولا لأجل حرية الحديث في السياسة، إنما لأجل ألا يبحث أحد عن آثار مصمصة في جسدها. تخبرني ريم بأنه لو كان شخصاً سيئاً ستتطلق منه، لا يشكل هذا مشكلة طالما أنها ستكون في أوروبا وستحظى بفرصة العيش لوحدها دون أن يحاكمها أحد.

إعلان

أنا التي احتفظت بعذريتي، بدأت بالتفكير في هجرة عضوي التناسلي أيضاً بعد أن اقتربت من الثلاثين. لا أعلم حتى لماذا احتفظت بها، ربما لأنني لن أقدر على الهجرة بسهولة، ولكنني في الوقت ذاته أنا لن أتزوج زواج صالونات، بالتالي لا يهم إن كنت عذراء أو لا. إلا أنني أخاف. التفكير بالهجرة مرتبط بعمري، فأمي تنخر رأسي كل يوم من أجل الزواج، وأنه لا يصح أن أصل إلى الثلاثين دون عريس، فهي لن تدوم لي وسأعجز عن إيجاد من يعتني بي. عندما قلت لها بأنني سأعيش وحدي وسأعتني بنفسي، ألقت بكلام أحفظه جيداً وأسميه "مجلد خطوات الفتاة البارة في عدم تنكيس رأس الأب في الحارة" وأيضاً كتيب "سيقتلونك أعمامك لو غيرت هندامك."

نحن الذين نريد أن نهاجر بسبب أعضائنا التناسلية لا نرغب بكل تلك الخبرات والمنح والزواجات المدبرة، نريد سفناً نستولي عليها للوصول إلى جزيرة الكنز تلك

أريد أن أهرب بعضوي التناسلي بعيداً عن هنا، بعيداً عن أطباء فحص العذرية، والخالات المختصات في الكشف عن المصمصة، بعيداً عن الأعمام الذين يحملون السكاكين، وبعيداً عن الابتسامات السعيدة البلهاء لشبّان يريدون قلبي بسبب عذريتي. في بلاد بعيدة أريد ألا أفكر بمن سيضع يده أو عضوه بداخلي، أريد أن أرى المثليين يقبلون بعضهم البعض دون أن يقتلوا. أريد أن أغلق الستار على عضوي التناسلي. في بلاد بعيدة لن تبدو لي الطبيبة النسائية كمخبر، ولن تسألني سكرتيرة العيادة إن كنت متزوجة أم لا.

كيف سأهاجر؟ أفرد أمامي الخيارات المتاحة التي جربها مهاجرو الأعضاء التناسلية سابقاً من معارفي، وهي المنح الدراسية، المسابقات الفنية والأدبية، الدخول مع منظمة مجتمع مدني تنظّم اجتماعات في الخارج، عريس في أوروبا مثلاً –يمكن التخلص منه لاحقاً- تلفيق قصة اعتقال بعد قضية حشيش ومن ثم الحصول على لجوء سياسي، سرقة خزينة الأب ثم السفر إلى بهذه الأموال.. الخ.

جميعها طرق طفيلية، علقية، قرصنية.. تحتاج إلى حرب طويلة مع الضمير والأخلاق، وهذان يخسران دوماً في مواجهة الاضطهاد، ولكن علينا أن ننجو بأجسادنا. نحن قراصنة هذا العصر وأي بلاد بعيدة هي جزيرة كنزنا. نحن القراصنة الذين سنلهث وراء الكنز بالاستيلاء على المنح الدراسية وبعثات ورشات المجتمع المدني والعريس اللاجئ وفرص اللجوء السياسي، نحن الذين نريد أن نهاجر بسبب أعضائنا التناسلية لا نرغب بكل تلك الخبرات والمنح والزواجات المدبرة، نريد سفناً نستولي عليها للوصول إلى جزيرة الكنز تلك.

سيقولون لنا أن أوروبا ليست جزيرة الكنز وأنها ليست كما نتخيل، ونحن نعلم ذلك جيداً. لكن الطفيليات التي تدخل أجسادنا وتنتهكها باستمرار تشعرنا بالجوع الدائم لأي منفذ. أسوة بمهاجري العقول، نحتاج لإغراق العلقات التي تمتص دمائنا جهراً وسراً.