علاقات

لماذا تتلاشى حياتنا الاجتماعية بعد الزواج؟

هناك لعنة ما تختطف كثيرين إلى ثقب أسود بعد زواجهم. رجالًا ونساءً
27.5.20
Bride photo copy

العلاقات العاطفية أمر معقد، والزواج خصوصًا علاقة خطيرة، تشكل جزءًا من شخصياتنا ومستقبلنا، وعلاقتنا بأنفسنا والآخرين.. قد تنقلنا من أعمق الحزن إلى أشد السعادة، والعكس.. ومن أعنف الفشل إلى أقصى النجاح، والعكس.. لكن أخطر ما تفعله أنها تحولنا أحيانًا من أشخاص اجتماعيين سعداء محاطين بالأصدقاء والمعارف، إلى أشخاص منطوين يدور عالمهم حول شخص واحد فقط، هو الشريك. أحيانًا يبتلعنا الزواج حتى نذوب فيه تمامًا، وتتلاشى حياتنا الخاصة، ونخسر كل من نعرفهم.

إعلان

خسرت في حياتي الكثير من الأصدقاء بعد زواجهم، بمجرد ارتداء الخاتم في اليد اليسرى يتغير شيء ما فيهم بشكلٍ مرعب، كأن العالم يختفي من أمامهم. لقد وقعت في الحب من قبل، وأفهم الشعور بالانجراف مع شخصٍ أظنه نصفي الآخر، كما أتفهم مسؤوليات الحياة والانشغال، لكنني لا أفهم أبدًا لماذا يتخلص البعض من أصدقائهم، ويلقون بسنوات من المعرفة الطيبة إلى التراب، لمجرد أنهم قد تزوجوا.

قبل سنوات، كانت لي صديقة عزيزة، حتى ارتبطت فتراجعت علاقتنا لانشغالها بشريكها، ثم خُطبت فانسحبت من جميع صداقاتها، وبعد زواجها اختفت كليةً من حياة الجميع، وحين صادفتها بعد فترة بدت شخصًا آخر تمامًا، بأعينٍ فارغة زائغة، تتلقى مئة مكالمة من زوجها في الساعة، ثم تقترح أن نتحرك إلى مطعمٍ أوصاها به، ثم تهب فجأة لأنها تأخرت عليه وتغادر، ولم أرها بعدها! وبعد حجج استمرت عامًا، اقتنعت أنها انتهت، فتوقفت عن محاولة التواصل معها، وبدورها لم تحاول الاتصال. قبل أشهر فوجئت بصديقٍ عزيز وقد نقلني إلى قائمة "البلوك" بعد زواجه، ثم تكرر الأمر مع صديقٍ آخر، هنا توقفت.. الأمر لا يتعلق فقط بالضغط الاجتماعي الممارس على النساء، بل يبدو أن هناك لعنة ما تختطف كثيرين إلى ثقب أسود بعد زواجهم. رجالًا ونساءً.

لدي تصور راسخ عن الحب، كشعور يُخرج أفضل ما فينا، وأفضل ما في شركائنا، وبالتالي فأي تأثير سلبي على الشخص بسبب شريكه أعتبره علامة صارخة بأن العلاقة مريضة، وأهم علامات العلاقة العاطفية المريضة أن يقطعك شريكك عن العالم، أو يدمر علاقاتك بالآخرين لتجد نفسك وحيدًا تمامًا.

تحدثت مع صديقتي فريدة، 27 عامًا، فأخبرتني بتجربتها: "ارتبطت بشخصٍ مُتملك قطع علاقاتي بالجميع بشكل ممنهج ودون أن أشعر. كان موجودًا حولي دائمًا، يخبرني أنه يفضل قضاء الوقت معي وحدي، ويعتبر خروجي مع الأصدقاء تعبيرًا عن كونه غير كافٍ لي، فأضطر للبقاء معه لفترةٍ أطول." تضيف فريدة: "الثقب الأسود في العلاقات لا ينشأ فجأة، إنه يولد ببطء وأنتِ تخضعين لابتزاز عاطفي تلو آخر. خلال ارتباطنا خسرت كثيرين، واكتشفت أن أكثر من عام قد مر على آخر محادثاتي مع أصدقاء مقربين، وأنني فوَّت كثيرًا من الجنازات وحفلات الزفاف والمناسبات الهامة لمن أحب، عندها قررت الخروج من هذا الفخ. أحيانًا نخشى خسارة ما استثمرناه من وقتٍ في العلاقة، وسنوات قضيناها مع شريكنا، لكن عامًا أو اثنين أو عشرة أهون من عمرٍ كامل في علاقة مريضة تجعلني أخسر الجميع، ونفسي قبلهم."

ولكن هل يقع اللوم على شركائنا دائمًا؟ إذا انتقلنا إلى الأصدقاء الرجال، فبدورهم يبتعدون عن حياتهم الاجتماعية بشكلٍ ملحوظ. يحكي أحمد، 35 عامًا، تجربته: "تغيرت علاقتي بأصدقائي خلال ترتيبات الزواج، والانشغال بتفاصيل البيت الجديد. بعد الزواج كنت أفضل البقاء في بيتي مع زوجتي، والاستمتاع بدنيتي الجديدة، وهي كذلك، قطعنا تواصلنا مع أصدقائنا. ربما كان هذا خطأ مني لأن أكثر أصدقائي اعتبروني تخليت عنهم، خصوصًا أننا لم نكن نفترق، وبعد طلاقي لم أجد أحدهم جواري، وكان استرجاع علاقاتنا أمرًا مجهدًا، ولم يفلح."

أنا وزوجتي حريصان على التعامل مع الآخرين كشخصين منفصلين، ولكل منا اختيار الأصدقاء الذين يرتاح إليهم. بعض الأزواج يتصرفون وكأنهم شريحتي جُبْن ذائبتين لا تميز بينهما، تصادقهما معًا أو تتركهما معًا.. أنا لا أرى هذا شيئًا صائبًا

إلى جانب الانشغال بالحياة الجديدة، الغيرة عامل مهم في ابتعاد البعض بعد زواجهم، ويمكنني تذكر عشرات المواقف مع شريكات أصدقائي، وتعاملهن معي بابتسامة صفراء (لأنني غير متزوجة)، عندها أبدأ التفكير في صديقي باعتباره "المرحوم" لأن أيام صداقتنا صارت معدودة. تشاركني سمر، 30 عامًا تجربة مماثلة: "بعد زواج أحد أعز أصدقائي أمرته زوجته بقطع علاقته بجميع صديقاته، حتى على فيسبوك، وألا يتواصل مع أي منا. كانت حجتها أن ليس لها أصدقاء رجال، فلماذا يحتفظ هو بصديقات؟ وقد أطاعها وخسر الجميع، لكنني أراسله عبر الإيميل من حين لآخر كرامةً لسنوات العشرة الطويلة."

يحكي صديقي عُمر، 28 عامًا، عن تجربة زواجٍ قصيرة شهدت مشاكل جمة، يقول لي: "أنا شخص متوازن، لا أحب أن تطغى حياتي الاجتماعية على العاطفية أو العكس، أو أن يلتهم عملي كل وقتي.. بالتأكيد الزواج والحياة الجديدة تأخذ وقتًا كان مخصصًا في السابق للأصدقاء، لكنني حرصت على البقاء في حياة المقربين لي. اختلفت مع زوجتي السابقة في هذا، وخضنا شجارات كثيرة عبرتها بالدبلوماسية مرة وبالرومانسية مرات، حتى رأت لي صورة لي مع صديقةٍ، فتشاجرنا وخيرتني بين قطع علاقاتي بجميع صديقاتي وإلا يجب أن ننفصل. لم تفلح الدبلوماسية هذه المرة، وبعد كثير من محاولات التفاهم قلت لها صراحة إنني لن أضحي بأصدقاء عمري. في النهاية انفصلنا."

إعلان

لدي عدد من الأصدقاء الرائعين والذين بقوا أصدقائي بعد زواجهم، ولم تتراجع علاقاتنا، منهم أزواج صديقاتي أو زوجات أصدقائي، دخلوا حياتي عندما ارتبطوا بهم وصاروا مقربين مني لدرجة تنسيني من الصديق الأصلي.

في رثاء كل "مرحوم" و"مرحومة" خرجوا من حياتي بزواجهم، أتذكر مشهدًا من مسلسل Friends، حين غضبت فيبي من جوي، إذ تخلى عن لقائها لمواعدة فتاة، وقالت له: "ما بيننا أبدي، ولا يمكنك التعامل مع صداقتنا كوسيلة لملء وقت فراغك حتى تجد حبيبة"

يحدثني عن هذا شهاب، 30 عامًا: "لم أخسر أصدقائي بعد الزواج، ولم تتأثر علاقة زوجتي بأصحابها أيضًا. كنت مقررًا هذا منذ البداية بناءً على تجارب سابقة لي، ولأصدقاء خسروا بزواجهم صداقات وعلاقات إنسانية مميزة، وكان هذا سبب مشاكلهم الزوجية لاحقًا. بعد فترة تبدأ مرحلة التشبع من الشريك، وإذا لم تكن هناك مساحة للخروج من دائرة الحياة المغلقة هذه ستتعرض العلاقة لمشكلات عدة. حافظت على أصدقائي بتنظيم وقتي وتخصيص مساحة من التواصل مع الناس، كما اكتسبت أصدقاء جددًا من أصدقاء زوجتي، وأصبحت أقرب إليهم منها، لأنني أحببتهم وتعاملت معهم كما أنا، وليس كزوجها. أنا وهي حريصان على التعامل مع الآخرين كشخصين منفصلين، ولكل منا اختيار الأصدقاء الذين يرتاح إليهم. بعض الأزواج يتصرفون وكأنهم شريحتي جُبْن ذائبتين لا تميز بينهما، تصادقهما معًا أو تتركهما معًا.. أنا لا أرى هذا شيئًا صائبًا."

في رثاء كل "مرحوم" و"مرحومة" خرجوا من حياتي بزواجهم، أتذكر مشهدًا من مسلسل Friends، حين غضبت فيبي من جوي، إذ تخلى عن لقائها لمواعدة فتاة، وقالت له: "ما بيننا أبدي، ولا يمكنك التعامل مع صداقتنا كوسيلة لملء وقت فراغك حتى تجد حبيبةً."

دائمًا ما تجعلني هذه الجملة أتأمل تعاملنا مع الصداقة كواحدة من أقدس العلاقات. إنها اختيار شخصي بحت لا تجبرنا عليه صلة دم، ولا انجذاب جنسي، ولا مصلحة أو استغلال (في علاقات الصداقة الصحية طبعًا). الصداقة عامل مؤثر في تكوين هويتنا واستقرارنا نفسيًّا، فكيف نتعامل معها كمرحلة لتمضية الوقت إلى حين العثور على زوج أو زوجة؟

لهذا، لو كان لي أن أوجه نصيحة وحيدة فهي هذه: لا تخسر أصدقائك بعد الزواج. كل علاقة عاطفية تُبنى على حتمية التخلص من أصدقائك، أو تجبرك على تركهم خلفك، هي علاقة مريضة مصيرها الفشل، والفشل لا يعني الانفصال دائمًا، بل الاستمرار في علاقة تعيسة لم يعد لك سواها بعدما ضحيت بالجميع.