moving in
علاقات

المساكنة في دمشق: أزواج يتحدثون عن حياتهما المشتركة بعد الحرب

لم نتمكن من الزواج بشكل تقليدي مع عدم موافقة العائلة لاختلاف ديانتنا، كما أن سنوات الحرب الطويلة جددت الخلافات الطائفية والدينية
25.2.20

رغم كونها لا تخالف أي قانون رسمي في سوريا، إلا أن جزءًا كبيرًا من المجتمع ينظر إلى المساكنة على أنها "أبغض الحلال" بالنظر إلى كم الأعراف الاجتماعية التي يخرقها الشباب عند إقدامهما على هذه الخطوة. اليوم بعد سنوات من الحرب، سمحت عوامل كثيرة بانتشار متزايد لظاهرة المساكنة. كانفصال أعداد كبيرة من الشباب عن عائلاتهم في المدن الأخرى وانتقالهم إلى العاصمة دمشق تحديدًا للدراسة أو العمل. اشتعال الحرب لسنوات في أطراف المدينة مما زاد الطلب على تأجير بيوت وعقارات في الأحياء المركزية من العاصمة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المخيفة التي ضاعفت أجرة الغرفة الواحدة ضمن بيت مشترك في دمشق القديمة من حوالي ثمانية آلاف ليرة في العام 2010 إلى أكثر من 60 ألف ليرة اليوم.*

إعلان

ترى شريحة كبيرة من الشباب السوري اليوم أنها قد قطعت خطوات مضاعفة عن تلك التي تفصل عادة بين جيلين متتاليين. فبكثير من الجرأة، وقليل من المخاطرة، يقود معظمهم حياة مستقلة، أكثر انفتاحًا وتمردًا مما كانوا ليعيشونه قبل عشر سنوات مثلًا حين كان شكل النظام الاجتماعي أكثر صرامة والتزامًا، بالمقارنة مع الحال الأكثر تشتتًا للعائلة السورية اليوم التي أخذ السفر والنزوح معظم أفرادها. اختار معظمهم-الفتيات منهم على نحو خاص-الإبقاء على سرية شكل حياتهم هذا حفاظًا على مشاعر الوالدين المسنين، وليقينهم عدم جدوى خوض نقاشات ومواجهات حول قناعات أي من الطرفين مع استحالة تغييرها.

في حي الشعلان في مركز دمشق التقيت لارا، 26 عاماً، وعدي، 30 عاماً. يعيش الثنائي سويًا منذ ثلاثة سنوات تنقلوا خلالها بين أربعة بيوت، حاولوا في كل منها خلق حالة من الاستقرار المادي والمعنوي.

1579608325599-Screen-Shot-2020-01-15-at-233030

VICE عربية: كيف اتخذتما القرار بالمساكنة؟
لارا: نحب بعضنا منذ سنوات، ندير سويًا عملًا مشتركًا ونقضي كل وقتنا بعد العمل سويًا لذا شعرنا أن الانتقال إلى منزل واحد بعد هذه السنوات ليس خطوة غريبة أو مخيفة.

عدي: لم نتمكن من الزواج بشكل تقليدي مع عدم موافقة العائلة لاختلاف ديانتنا، وسنوات الحرب الطويلة جددت الخلافات الطائفية والدينية التي تخيلت في مرحلة معينة سبقت الحرب أن المجتمع قد أصبح أكثر تساهلًا تجاهها. قررنا نهاية أننا لسنا بحاجة إلى تراخيص حكومية أو إذن جهة دينية للسماح لنا بتشارك حياتنا.

هل تشعران بالتهديد أو عدم الأمان من المجتمع المحيط بسبب سكنكما سويًا؟
عدي: ليس تمامًا. يشعر الجيران بالفضول بالطبع ولكن لم يتدخل أي منهم بنا بشكل مباشر. أنا أؤمن أن الحرب ألقت على معظم الناس هنا همومًا ومشاغل إضافية جعلتهم لا يأبهون سوى لأنفسهم. كذلك فإن انتقال الكثير من الوافدين والنازحين إلى العاصمة، وسفر كثيرين من أبنائها غيّر في تركيبة الأحياء التقليدية في دمشق حيث كان أبناء الحي الواحد في الماضي يعرفون بعضهم ويتدخلون في حياة بعضهم. لكنه رأي شخصي لا يوافقني عليه الكثير من الأصدقاء الذين يرون أن الحرب جعلتنا أكثر خوفًا وعدائية تجاه الغرباء والوجوه الجديدة.

إعلان

لارا: بالعموم قد يكون مصدر الطمأنينة الوحيد بالنسبة لنا هو أن ما نفعله لا يخالف القانون، وإن خالف الأعراف الاجتماعية. نعلم أن الجيران لا يحبذون فكرة عيشنا سويًا ولكن لا يوجد ما يمكنهم فعله سوى نبذنا، وهو أمر لا أمانعه فعلًا. مع ذلك نتعرض أحيانًا لمواقف تسبب لي ذعرًا كبيرًا. قبل مدة توجه عدي إلى مخفر الشرطة للتأكد من استكمال بعض الأوراق الرسمية، ففاجأه رئيس المخفر بالقول: "سمعت أنك تعيش مع فتاة دون زواج" رد عدي مستفهمًا إن كان هناك ما يمنع ذلك فأجاب رئيس المخفر بالنفي. شعرت منذ ذلك الحين باختراق هائل لخصوصيتنا. من يملك المصلحة في إيصال هذه المعلومة إلى جهة أمنية؟ وما الغرض من ذلك؟ بل ولم شعر رئيس المخفر بوجوب مشاركة المعلومة؟ وهل يحمل ذلك نوعًا من التهديد؟ لا أعلم فعلًا.

هل تشعر بالقلق ذاته؟
عدي: ليس تمامًا. أعتقد أن الجهات الأمنية لديها اليوم ما هو أهم منا لتنشغل به. القلق الوحيد الذي أشعر به هو حين يزورنا أحد أقرباء لارا من مدينة أخرى ويتوجب عليّ حينها إخلاء المنزل مع كامل أغراضي والبقاء متشردًا عند الأصدقاء لبضعة أيام إلى حين يتسنى لي العودة (يضحك).

ما أسوأ سناريو قد تتعرضين له لو عرفت عائلتك؟
لارا: أعتقد أنني بعد كثير من التعنيف اللفظي والمعنوي سأجبر على الاختيار بينهم وبين عدي وحياتنا سويًا وهو أمر لا أود أن أضطر إليه في المستقبل القريب.
عدي: إن عرفت أمي؟ أعتقد أنها ستكتفي بتكرار لا حول ولا قوة إلا بالله قبل أن تتركنا لحالنا.

باللقاء مع أزواج آخرين يخوضون التجربة ذاتها، يظهر في كل مرة أن الفتاة أكثر توترًا وقلقًا لمجرد الحديث عن الموضوع، فيما يظهر الشاب أكثر استرخاءً، كما في حالة زينب، 29 عاماً، وعمار، 36 عاماً. يخبرني الثنائي أنهما بعد عام من العيش سويًا أدركا أن كلاهما لا يرغب بالسفر أو مغادرة دمشق، لذا يحاولان التأقلم مع وضعهما الحالي على أنه الوضع الدائم.

1579608481197-Screen-Shot-2020-01-15-at-233009

هل شعرتِ في مرحلة ما أنكِ كفتاة تواجهين ضغطًا إضافيًا لا يشعر به الشاب نتيجة نمط الحياة الذي اخترته؟
زينب: بالطبع. يعلّم مجتمعنا الفتاة أن تنظر إلى نفسها على أنها هدية ملفوفة بشريطة حمراء تمنح لمن يقدم أكثر ويبذل جهدًا أكبر وفقًا للعادات الأعراف، وأنا أرفض لنفسي هذا التسليع. في الوقت ذاته لا أستطيع مواجهته. يرعبني أن يعرف أهلي بأني أعيش مع عمار لذا نعيش اليوم هذه الحياة المزدوجة. أدرك أن والداي ليسا من النوع العنيف أو المسيء ولكن قد تحصل قطيعة تامة معهم وهو أمر محزن.

ماذا تفعلان في حال زيارة والديك للمدينة؟
زينب: أبقيت على الشقة المُستأجرة التي كنت أعيش فيها قبل الانتقال إلى منزل عمار، تحسبًا في حال زيارة والديّ للمدينة. هذا يعني بالطبع تكلفة مادية كبيرة إضافية كل شهر، ولكنها تحقق لي نوعًا من الطمأنينة.

إعلان

ما أغرب موقف مررتما به خلال عام من الحياة المشتركة؟
زينب: ظهر والد عمار مرة على الباب بشكل مفاجئ بغرض الزيارة. حين فتح عمار الباب لم أعلم ما الذي يجب علي فعله فتوجهت إلى الحمام للاختباء. أمضيت ما يقارب النصف ساعة واقفة في الحمام، فيما أسمعهما يتبادلان أحاديث مطولة عن السينما والمخرجين وموسم الجوائز وعرفت أن الزيارة ستطول كثيرًا (تغطي وجهها بيديها وتضحك بإحراج فيما تتابع الحديث) فكرت بعدها أن الرجل قد يضطر لاستخدام الحمام في مرحلة ما فيجدني في الداخل، لذا استجمعت شجاعتي وخرجت. مرت دقائق والرجل المسكين يحدق بي صامتًا ويحاول استنتاج من اين أتيت، قبل أن يرد التحية ويتابع حديثه دون أن يتكلم عن الموضوع أبدًا بعدها. أستطيع البت بأنها أكثر لحظات حياتي إحراجًا. عمار: يعلم والدي أننا نعيش سويًا ولكنها شعرت بالإحراج لأنها كانت المرة التي يزورنا في المنزل رغم أنهما التقيا في الخارج أكثر من مرة.

حالة ربا وسليم، 27 عاماً، تختلف قليلًا. رغم أنهما يعيشان سويًا منذ أربعة سنوات في منزل صغير في حي المزة، إلا أن كلاهما يؤكد أنه وضع مؤقت قد ينتهي قريبًا، مع نية كل منهما بالهجرة إلى بلد جديد.

1579608764522-Screen-Shot-2020-01-15-at-232949

منذ متى وأنتما مرتبطان؟ وكيف قررتما السكن سويًا؟
ربا: في الواقع لسنا مرتبطين. لسنا بثنائي لا. أعرف سليم منذ كنا في الحادية عشر، وهو أقرب أصدقائي منذ ذلك الحين. بعد أن أنهينا المرحلة الجامعية عام 2016 قررنا الانتقال إلى العاصمة دمشق بعد أن تلقينا عرض عمل وافق طموحاتنا. الانتقال كان أصعب عليّ أنا في الفترة الأولى. كانت الحرب في أوجها ولم أكن أملك أية صداقات، وشعرت بالخوف من فكرة السكن مع أشخاص غرباء، أو مجرد التعامل مع المؤجرين وأصحاب العقارات. فعليًا لم نتشاور في الموضوع طويلًا، نعرف بعضنا جيدًا ونفكر بنفس الطريقة، وبدا الأمر منطقيًا، ومريحًا خاصة من الناحية المادية، وها نحن نقيم سويًا منذ انتقالنا.

ألم يؤثر سكنكما سويًا على حياتكما العاطفية؟
ربا: لا أملك حياة عاطفية (تضحك) لا وقت لذلك.
سليم: أنا أفعل، حبيبتي مسافرة منذ عامين وهي تدرك الوضع وتتفهمه. عندما ينضم أحدنا إلى الآخر في مدينة واحدة سأكون سعيدًا بتغيير الوضع، أما الآن فكلانا أنا وربا نشعر بالأمان والراحة ولا أجد مبررًا للقيام بتغييرات سابقة لأوانها.

إعلان

تكرر ذكركما لكلمة أمان، هل كنتما ستبحثان عن هذا الأمان بشكل منفصل لولا ظروف الحرب؟
سليم: أنا لا أستطيع تخيل حياة افتراضية لا وجود للحرب فيها. أمضيت أفضل سنوات شبابي أتعامل مع معطيات ووقائع تزامنت مع الحرب. أعرف كيف أتعامل مع ما أمامي فقط ولا أتخيل كيف كنت سأتصرف في ظروف أخرى. كان الظرف صعبًا فحاولنا خلق بيئة آمنة لأنفسنا سويًا كوننا صديقان مقربان. ربما لولا الحرب لما شعرت ربا بالخوف من فكرة السكن وحيدة، وما احتجت انا لشريك سكن يساعدني في دفع الإيجار.

عاش رشيد، 30 عاماً، وليلى 39 عاماً، سويًا لعامين قبل أن يتزوجا نهاية وينجبان طفلتهما الأولى التي تجاوزت قبل أيام عامها الأول. يمتلك الثنائي نظرتهما الخاصة تجاه تجربة المساكنة بعد أن أصبحت أمرًا ماضيًا تم بتأثير ظروف معينة.

1579609105913-Screen-Shot-2020-01-15-at-232913

سكنتما سويًا لسنتين من مدة الحرب. هل كان للحرب تأثيرها على قراركما بالمساكنة قبل الزواج؟
رشيد: أكره استخدام كلمات "ساعدت" و"سهلت" إلى جانب كلمة "حرب" ولكن نعم، خلقت الحرب فوضى كبيرة استطعنا نحن استخدامها لصالحنا. عائلة ليلى قررت مغادرة البلد بسبب الأوضاع فيما اختارت هي البقاء من أجل عملها، لولا هذا لما استطاعت هي العيش وحدها أولًا، ولا استطعنا بعدها الانتقال للعيش معًا. كانت لتبقى في منزل العائلة.

ليلى: كنت في البداية أعيش وحدي في حي أستطيع وصفه بالانفتاح النسبي. أثناء الحرب ازداد سقوط القذائف على الحي وأصبح الوضع خطيرًا فانتقلت مع رشيد إلى حي منغلق ومتعصب، لم يهتم الجيران فيه بزيارتنا أو الاستخبار عنا، فتظاهرنا بسهولة أننا متزوجان وعشنا منعزلين عن سكان الحي. لو بقيت في الحي القديم لاهتمت الكثيرات من عجائز الحي بزيارتي والتحقق من هويتي وهوية زوجي المدعى في ذاك الحين.

إعلان

أما زلتما تشعران بالخوف من معرفة الآخرين بخوضكما لهذه التجربة حتى بعد أن تزوجتما الآن؟
رشيد: بالطبع. لا نملك النية بإخبار والدينا احترامًا لمشاعرهما رغم أنني شخصيًا فخور بالتجربة. فكرة الاستقرار كانت ترعبني في الماضي ولم أتوقع أنني كنت جاهزًا لأصبح أبًا، ولكن الوقت الذي عشناه سويًا غير نظرتي للارتباط طويل الأمد. أحب ما عشناه في تلك الفترة رغم صعوبته ورغم كم المواقف المحرجة الذي تعرضنا له فترتها.

مواقف محرجة مثل ماذا؟
ليلى: تبدو مواقف مضحكة الآن. مثلًا، أقرب أصدقائنا كانا ثنائيًا متزوجًا وابنتهما صغيرة حديثة الكلام، ولكنها كانت دائمًا تنطلق بالحديث أمام الغرباء عن زياراتها مع والديها لنا، مفتتحة حديثها ب:" رحنا ع بيت رشيد وليلى…"

رشيد: بالنسبة لي كان الجزء الأصعب والأكثر إحراجًا هو بعد زواجنا مباشرةً حين انهالت علينا نصائح الأكبر سنًا عن صعوبات الحياة الزوجية، والتحديات أمام المتزوجين حديثًا. كان علي طوال أشهر هز رأسي بالموافقة والتظاهر بحجم المعاناة.

عائلتا علي، 30 عاماً، وهيثم 26 عاماً، لا تهتمان كثيرًا لسكنهما سويًا كشابين بشكل منفصل. ففي الظاهر لا يوجد ما يقلق العائلة، حيث يبقي الثنائي حقيقة كونهما مثليان سرًا عن المحيط خشية تعرضهما للأذى أو التنمر أو الاعتداء.

1579609146143-Screen-Shot-2020-01-15-at-233044

كيف نجحتما بالاستقلال عن منزل العائلة وعائلتكما تعيش في المدينة نفسها؟
هيثم: كلانا كان يعيش في منزل العائلة في أطراف المدينة أثناء دراستنا في الجامعة. مع بدء الحرب حينها أصبح من الخطر الذهاب والعودة إلى أطراف دمشق يوميًا، إلى جانب مشاق المواصلات والمدة الزمنية مع تكاثر الحواجز الأمنية في الطرقات، فاستأجرنا منزلًا في حي البرامكة القريب من الجامعة وما زلنا نعيش فيه حتى اليوم.

تعيشان سويًا منذ مدة طويلة تقارب الست سنوات، ولا يدرك أي من الجيران أنكما مثليان وتعيشان كثنائي؟
علي: إطلاقًا. أغلب أصحاب المحلات في الحي يعتقدان أننا أخوة. ولكننا في الواقع بحكم المتزوجين. نتشارك كل تفاصيل حياتنا، ونعيش حياة هادئة مع القط الذي تبنيناه مؤخرًا. دائرة معارفنا وصداقاتنا ممن نستطيع مشاركتهم معلومة شخصية وحساسة كهذه ضيقة جدًا، لكنهم جميعًا أهل للثقة.

هيثم: أشعر أحيانًا أن العائلتين يعرفان أو يشعران بالأمر، فالجميع مطلع على مدى قربنا، وحقيقة كوننا نقوم بكل شيء سويًا: السفر والتسوق والطبخ، بالإضافة إلى عدم امتلاك أي منا لحبيبة طوال هذه السنوات. لكن، لم تحدث أية مواجهات في هذا السياق. أعتقد أنهم رغم الشكوك يختارون التجاهل وعدم افتعال مواجهة. والدتي لا تصدق معجزة أن الأحوال هدأت نسبيًا وأنها استمرت في العيش في دمشق طوال سنوات الحرب دون أن تخسر أي من أبنائها ودون أن يصيبهم مكروه. بعد خوفها المتواصل من موت أحدنا، لا أعتقد أنها تأبه اليوم إن كان ابنها مثلي أو بايسيكشوال أو أيًا يكن. المهم أنه حي يرزق.

علي: أمي لا يهمها سوى الأحفاد. تريد أن ترى أبنائي في أقرب وقت (يضحك) أخبرها أن قطي هو بمثابة ابني الآن فتغضب. كلما عرفتها على إحدى صديقاتنا البنات، تبدأ بإقناع الفتاة أنني عريس لقطة وأن علينا التفكير بالزواج.

* 1 دولار أمريكي = 515 ليرة سورية.