2020

أبرز الأحداث التي غيرت العالم العربي في العقد الماضي

ثورات الربيع العربي. داعش. السعودية. "الميمز" وكثير من الاكتشافات العلمية
2020 يناير 02, 9:58am
decade

تصوير غوى أبي حيدر

"هل تعلم أن 2019 هي آخر سنة هتقول في اسمها (تاشر)؟".. هكذا كتب أحد الظرفاء على فيسبوك ليحدث منشوره موجة من الـ"هاها" والـ Shares. لم يعد هناك حداشر واتناشر، ابتداءً من 2020 سيبدأ العد بشكل مختلف، سنقول سنة عشرين، واحد وعشرين، اتنين وعشرين. رُغم ظرف الدعابة فكرت في أي عقدٍ مليء بالأحداث عشنا في الفترة من 2010 إلى اليوم! ثورات وحروب، تغيرات اقتصادية واجتماعية مُدوخة، وحركات فنية عجيبة، واكتشافات علمية وتكنولوجية. 2019 نفسها كانت سنةً مميزة، ليس فقط لأنها آخر سنة سنقول فيها "تاشر" -إلا لو كنا محظوظين بالبقاء لمئة عام أخرى- بل لأنها نهاية عقد ثري جدًّا على المستوى المحلي والعالمي. دعونا نستعرض أبرز ما عشناه في السنوات العشر الأخيرة.

1577961739720-

متظاهرة في العراق. تصوير بيزوس

ثورات الربيع العربي
ربما يكون هذا الحدث هو الأكثر أهمية منذ قرنٍ على الأقل. ثورات البلاد العربية من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، أحدثت تغييرًا سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا وفنيًّا لافتًا. تزعزعت صورة الرئيس الذي لا يجرؤ أحد على معارضته، لنراه هاربًا من شعبه كالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، أو قيد المحاكمة، مثل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك. أصبحت الديمقراطية حلمًا ممكن التحقيق ويستحق النضال لأجله، وتفتحت أعيننا على مفاهيم لم تعيها الأجيال السابقة.. تقبل الآخر، واحترام الحريات الشخصية، ودولة مدنية تساوي بين المواطنين على اختلافات دياناتهم وانتماءاتهم. تحولت بعض الثورات إلى حروب دموية كما في اليمن وسوريا، وقُمعت بوحشية وهزمت كما رأينا في مصر. ازدادت الأحوال الاجتماعية صعوبةً، وتراجعت الحريات العامة والشخصية، لكن أثر الثورة الاجتماعي والفكري لا يزال حيًّا، في كتابات وفن وطريقة تفكير وحياة ملايين الشباب في العالم العربي. في 2019 استيقظت الثورات من جديد في لبنان والعراق، واندلعت احتجاجات شعبية كبيرة في الجزائر والسودان، لتؤكد أن شعوبنا لن تتراجع قبل الحصول على حياةٍ تحترم إنسانيتنا وطموحاتنا.

1577961951130-MOSUL

حجم الدمار في الموصل بعد الحرب على داعش في العراق. تصوير سيباستيان كاستيلر

صعود داعش وسقوطه
كان هذا العقد دموياً بلا شك، في سوريا والعراق كان المشهد الأكثر ظلمة مع صعود تنظيم داعش الإرهابي، الذي حكم مناطق واسعة من سوريا والعراق رأينا خلالها جرائم مروعة، وعقوباتٍ بربرية لا تصدق بحق ضحاياه، من الجَلْد إلى قطع الأيدي والأطراف، واغتصاب النساء وبيعهن "سبايا" و"التحريق والتغريق" وإعدامات بقطع الرؤوس. قدم داعش صورة صاعقة غيَّرت نظرتنا للإسلام السياسي، والحكم الديني، وفكرة تطبيق الشريعة في عالمنا المعاصر، وغيَّر رأي البعض في الإسلام نفسه، ورؤيتنا للإرهاب الذي نمارسه مع أي مختلفٍ عنا. تسبب داعش في تهجير ملايين السوريين والعراقيين من بلادهم، وأوقع مئات الآلاف من الضحايا، حتى انتهى في 2017 بعد حروب لاستعادة الأرض. الجيل الذي عاصر خسائر بلاده في ظل داعش، ومرارة ما فعله في مواطنيهم، ينتفض الآن في العراق ضد الطائفية بكل أشكالها، وضد الحكم الديني الذي كبَّد بلادنا الكثير.

قوانين مدنية
رغم خيبات الأمل التي مرت بها ثورات الربيع العربي، إلا أنه تم إقرار عدد من القوانين المدنية المهمة، فقد ألغت كل من تونس والأردن ولبنان قوانين تبرئة المغتصب بالزواج من الضحية. وأقرت تونس حزمة من القوانين المدنية المُبشرة، منها إقرار قانون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وقانون زواج المسلمة بغير المسلم، وهي القوانين التي أثارت عاصفة من الجدل والهجوم والنقد، وأيضًا التفاؤل بامتداد موجة المدنية إلى باقي الدول العربية، كما أحدثت تونس سبقًا عظيمًا أيضًا بقرار تدريس التربية الجنسية في المدارس. في السعودية تم منع عقود الزواج لمن هم أقل من 18 عامًا، وفي المغرب تمّ تبني القانون الخاص بمكافحة العنف ضد المرأة والذي ينص على "اعتبار العنف ضد المرأة، بسبب جنسها، سبباً من أسباب التشديد في العقوبات على الجاني." وفي 2017 أصدرت الإمارات قوانين حول حقوق عاملات المنازل، نصّت على عدد ساعات العمل وإجازة سنوية مدفوعة الأجر، فيما قامت قطر بإلغاء نظام الكفالة للعاملات المنزليات.

1577962062370-1P9A4773

من مهرجان ميدل بيست في الرياض، السعودية. تصوير إيمان الدباغ

السعودية.. الكثير جدًّا من التغييرات
التغيير الأهم كان السماح للنساء بقيادة السيارات، بعدما كانت السعودية آخر دولة في العالم تحرمهن هذا الحق. تراجع نظام ولاية الرجل على المرأة بحزمةٍ من القوانين، منها رفع قيود السفر عنها ليصبح بإمكان السعوديات أخيرًا السفر بمفردهن متى أتمَّمن 21 عامًا، واستخراج جواز سفر دون إذن أحد ذكور العائلة، كما صار بوسعهن استصدار شهادات ميلاد لأطفالهن والوصاية عليهم، وهي حقوق حرمهن منها نظام الولاية. المثير للتأمل أن هذه التغييرات حدثت بعد أشهر من اعتقال ناشطات سعوديات طالبن بها، ولا تزال بعضهن قيد الاحتجاز حتى اليوم، مثل لجين الهذول.

تغييرات أخرى شهدتها السعودية منها افتتاح دور سينما ومسارح، وإقامة حفلات فنية وغنائية، وانطلق "موسم الرياض" الأول من أكتوبر إلى ديسمبر 2019 بسلسلة من الحفلات الغنائية لنجوم مصريين وعرب وعالميين، وخرجت مجلة "عكاظ" هذا الخريف بملفٍ عن الموسيقى في صدر الإسلام، وأنها كانت جزءًا من المجتمع الإسلامي دائمًا. من ناحية أخرى، تعرضت السعودية للهجوم إثر تدخلها عسكريًّا في اليمن، ثم جاءت حادثة مقتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بتركيا 2018، لتقلب العالم.

مقاطعة قطر
في 2017 أعلنت مصر والسعودية والإمارات والبحرين واليمن والمالديف قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر، وأصدرت بعض الدول قراراتٍ بمنع سفر مواطنيها إليها، وأغلقت في وجهها المجال الجوي والبحري، في مقاطعة لم نشهد لها مثيلًا من قبل. فسَّرت مصر موقفها بأن قطر عملت لسنوات على دعم جماعة الإخوان المسلمين وتمويل مشروعهم السياسي في مصر، بينما قالت السعودية إن قطر تحاول شق الصف الداخلي السعودي وتحرض على الدولة، بينما قالت الإمارات إن قطر تلعب دورًا في زعزعة استقرار المنطقة العربية. استمرت مقاطعة قطر، لكن في خريف 2019 تلقى الأمير تميم بن حمد دعوة العاهل السعودي لحضور دورة قمة مجلس التعاون الخليجي، ما أثار تكنهات عن قرب انفراج الأزمة، وها نحن ننتظر.

1577962160086-ILLUSTRATION_SOCIAL_MEDIA-1

رسم مريم مسفيوي

السوشيال ميديا.. مساحة مرعبة من التواصل البشري
لن نبتعد عن السياسة كثيرًا لو تكلمنا عن السوشيال ميديا، فقد لعبت دورًا في الحشد للمظاهرات في ثورات الربيع العربي، ولعبت دورًا عظيمًا في تعزيز التواصل البشري في العقد الماضي، أصبح العالم -فعلًا- قرية صغيرة بفضل تغريداتٍ تويتر ومنشورات فيسبوك وصور انستغرام ومكالمات واتساب. ظهر مفهوم التريند ليتكلم العالم كله عن نفس القضية في ذات اللحظة، وعرفنا مفهوم "التحدي" الذي يجمعنا كلنا في نفس الحماقة، مثل تحدي كيكي وتحدي Birdbox وغيرها من التهورات التي استمتع بها الملايين معًا. ظهرت ثقافة "الميمز" واستعمال الصور بذكاء لتوصيل المشاعر دون كلام، والسخرية من العالم بما فيه، أما "تصوير أنفسنا سيلفي" فقد بلغ الهوس بها درجة دفعت البعض للمغامرة بحياتهم.

ظهر البث المباشر عبر الإنترنت، واستطعنا مشاهدة المباريات والمسلسلات في مواعيد عرضها، بينما استغل آخرون هذه الطفرة التكنولوجية لينتحروا على الهواء مباشرة في منظر مروع. تغلغلت السوشيال ميديا في حياتنا أكثر وأصبحت الإعجابات والتفاعل مع المنشورات وسيلةً لتقييم الذات والشعور بالرضا، بل ومسببة للإدمان والاكتئاب. ظهرت وظائف تتربح من السوشيال ميديا بشكلٍ مباشر، برامج اليوتيوب ومدونات الموضة، والكُتَّاب ومشاهير الانترنت الذين يتابعهم الملايين. وظهرت وظائف التسويق عبر الإنترنت وبدأ فيسبوك يتربح من إعلاناتنا لنصل إلى عددٍ أكبر من المستخدمين. توسعت التكنولوجيا لتوفر لنا خدمات عدة عبر الإنترنت وتطبيقات الموبايل، بدءًا من طلب الطعام والكورسات التعليمية، إلى خدمات تنظيف المنزل وصيانة الكهرباء والسباكة!

1577962221049-game-of-thrones

Game of Thrones

لعبة العروش ونتفليكس
تطور التكنولوجيا امتد إلى السينما، وأصبحت الخدع السينمائية حقيقية أكثر من الممثلين أنفسهم، وفي العقد الماضي شاهدنا مسلسل Game of Thrones الذي أحدث طفرة في الإنتاج التلفزيوني لتصبح الحلقة الواحدة تساوي فيلمًا هوليووديًّا بكل ما فيه من جهد ومؤثرات وميزانية طائلة، وظهرت شبكة نتفلكس التي أراحتننا من هم انتظار الحلقات الجديدة ونشرت مسلسلاتها مُجمّعة مرةً واحدة. وحدثت طفرات عجيبة في عالم المشاهير، منها مؤخرة كيم كارداشيان، التي أصبحت كيانًا مستقلًا له معجبيه ومتابعيه وتأمينه الصحي! من ناحية أخرى حدثت طفرة في معايير الجمال والنجومية لنتقبل -أخيرًا- عارضات أزياء بأوزانٍ زائدة تشبه أجسادنا الطبيعية، ونحب وجوه فنانينا المفضلين دون مكياج، ونقبل أنفسنا وأشكالنا وعيوبنا الجسدية أكثر. أصبح جسد المرأة الممتلئة الـ Curvy مرغوبًا وموضع افتتان، بعد سنوات من اضطهاده لصالح نموذج الفتاة النحيفة.

التغير المناخي
في السنوات الأخيرة ازداد وعينا بقضايا البيئة إلى درجة ملحوظة، خصوصًا بعدما أصبحنا نلمس أثر الاحترار العالمي في موجات الشذوذ المناخي فائقة الحرارة صيفًا، وعنيفة البرودة شتاءً، وذوبان مساحات واسعة من القطبين ما هدد حياة الحيوانات البرية لدرجة محزنة، فقد فقدنا آخر ذكر لحيوان وحيد القرن وأصبحت الفصيلة بحكم المنقرضة إلا من أنثيين. بدأت حملات التوعية بأضرار البلاستيك، وإعادة تدويره، لحماية المخلوقات البحرية من آثاره، بدأت ثلوج إيفرست تذوب أيضًا لتهدد حياة من حولها بانهياراتٍ جليدية غير متوقعة، وانعكست آثار التغير المناخي على سلوكنا البشري من أمراضٍ واضطراباتٍ نفسية.

لم يخل هذا العقد من مآسٍ إنسانية، كقوارب الموت التي حَملت الباحثين عن مستقبل أفضل هرباً من الحروب والفقرٍ في بلادهم بأية طريقة ممكنة، حتى لو كان ذلك سيتسبب في نهاية حياتهم. ولكن خلال هذا العقد أيضًا أصبح الوعي بقضايا المرأة أكبر، واختار كثير من الشباب أن يعيشوا كما يريدون لا كما يتوقع الأهل والمجتمع، فشهدنا موجات من الـ Career shifting، واختيار حياة العزوبية لتحقيق الذات أو لحين العثور على الحب، والسفر وخوض أغرب التجارب. تغيرت نظرة كثير من الشباب العرب إلى الأقليات الجنسية، أصبح هناك نقاش مهم عن حقوق المثليين والعابرين جنسيًّا، وفي تونس خرج أول مرشح رئاسي مثلي. أما في الفضاء، التقطت ناسا أول سيلفي لكوكب الأرض من عند زحل، بفضل مسبار كاسيني الذي دار حول زحل 13 عامًا، ثم أنهى مهمته قبل عامين ليسقط هناك إلى الأبد. وكان العالم على موعد مع أول صورة للثقب الأسود في تاريخ البشرية، واكتشاف وجود مياه في المريخ. وشهد هذا العقد، أول ظور للساعة الذكية، التي أصبحت أداة قياس ومراقبة لمعدلات التنفس وعدد الخطوات، والسعرات الحرارية ودورات النوم وغيرها، وتعرفنا على السيارات ذاتية القيادة، والذكاء الاصصناعي والروبوتات التي صار لها أسماء وجنسيات منها صوفيا، سعودية الجنسية.

كان عقدًا دسمًا جدًّا ومزدحمًا ومزعجًا، لكنه لم يخل من بهجة الوعي والاكتشاف. فلنأمل أن يكون ما بعده أفضل وأخف، وأن نكتب لكم بعد عشر سنواتٍ عن قدرٍ أكبر من السعادة، ودرجةٍ أقل من الجنون. كل عقدٍ وأنتم بخير.