سياسة

عادت احتجاجاتهم لكنهم لم يعودوا.. عن متظاهرين عراقيين اختفوا

يعتقد النشطاء أن المحتجين المختطفين تعرضوا للتصفية من قبل أطراف سياسية مناهضة للاحتجاجات
2.10.20
iraq's3

من مظاهرات ثورة اكتوبر في العراق. تصوير: بيزوس

"ادفع حياتي ثمناً من أجل أن يعود ابني،" يقول والد المحامي المختطف علي جاسب (29 عاماً عندما اختطف) الذي اختطفه مسلحون من أمام منزله في محافظة ميسان جنوبي العراق في الثامن من أكتوبر 2019، أي بعد أسبوع على انطلاق الاحتجاجات.

بعقاله الجنوبي و"دشداشته" السوداء التي يرتديها حزناً على فقدان إبنه، يستمر جاسب منذ عام تقريباً بتوجيه المناشدات للحكومة العراقية والمرجعية الدينية والأحزاب السياسية والشخصيات العامة، لكن لا أحد يستجيب. يحضر والد علي إلى ساحات الاحتجاج وهو يحمل صورة إبنه معه، وتظهر عليه ملامح التعب التي تزداد يوماً بعد يوم. "الحكومة تستطيع الوصول إلى إبني، وتستطيع معرفة من اختطفه لكنها لم تفعل. لا أعرف لماذا هذا الإهمال وعدم الاهتمام بمعرفة مصير أبنائنا."

إعلان

في مثل هذا اليوم، الأول من أكتوبر 2019 تحل الذكرى الأولى لثورة ضد الفساد والظلم والطائفية، ثورة شعبية خرج فيها المئات من العراقيين في احتجاجات توقع لها الجميع أن تنتهي خلال ساعات، لكنها استمرت حتى اليوم ووصلت جميع المدن العراقية. طالب المحتجون آنذاك وحتى اللحظة بحقهم في الحصول على مستقبل أفضل من خلال توفير فرص العمل، تحسين الخدمات، والرعاية الصحية، ومحاسبة الفاسدين، لكن سقفها ارتفع مع ارتفاع حدة العنف الحكومي تجاه المحتجين، وسقوط 560 قتيلاً جُرح أكثر من 24 ألفاً.

بحسب المفوضية حقوق الإنسان في العراق تم اختطاف 77 محتجاً خلال هذه الاحتجاجات، أطلق سراح 22 منهم وبقي 55 مصيرهم مجهولاً.

قصة علي جاسب ليست هي الوحيدة، فهناك نشطاء آخرين مثله مازال مصيرهم مجهولاً، كان آخرهم سجاد العراقي (26 عاماً) الذي اختطف في العشرين من سبتمبر الحالي عند إحدى مداخل محافظة ذي قار، جنوبي العراق. وبحسب الشهود، فقد كان سجاد مع أصدقائه عندما استوقفتهم سيارة خرج منها مسلحون وأطلقوا النار عليهم، أصيب أحدهم بينما تم إختطاف سجاد وتمكن الآخرون من الهرب.

"لدينا معلومات منذ اليوم الأول عن مكان اختطاف سجاد، نعرف الشخص والجهة التي قامت باختطافه وقدمنا هذه المعلومات إلى قائد شرطة محافظة ذي قار، لكن لحد الآن لم تكن هناك أية نتائج،" يخبرني عباس، شقيق سجاد: "ليس أمامنا سوى انتظار إجراءات القوات الأمنية، وهذا يعني الانتظار للأبد." وكان سجاد قد تعرض لمحاولة اغتيال بعبوة ناسفة استهدفت خيمته في ساحة الحبوبي وتعرض في أكثر من مرة لتهديدات بالتصفية الجسدية أو تفجير منزله على خلفية تناوله ملفات فساد تدين مسؤولين كبار داخل الدولة.

إعلان

أحدثت قضية سجاد جدلاً كبيراً في العراق، وحرّك رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي قوات من بغداد باتجاه محافظة ذي قار وكلف طيران الجيش بمرافقة القوة العسكرية التي أرسلها، لكن حتى الآن لم يُعرف مصير سجاد.

لو كان علي مذنباً فليحاكموه لينال جزاءه، وإن قتلوه فليعطونا جثته، ليس من المعقول أن يبقى مصيره مجهولاً

قضية علي وسجاد وغيرهم من المختطفين لا تزال تشغل النشطاء ووسائل الإعلام في العراق، وهي تضاف إلى أن عمليات الاختطاف والاختفاء التي استهدفت النشطاء والمتظاهرين، هذا بالإضافة لعمليات القتل المتعمد، وإطلاق النار وهجمات السكين، والتهديد والترهيب، والاستخدام المفرط وغير القانوني للقوة في مواقع المظاهرات، بحسب تقرير للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من تكهن البعض بتورط "ميليشيات" في عمليات الاختطاف هذه، إلا أن هوية المسؤولين عن هذه الاختطافات لا تزال مجهولة. واعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الحكومة لم تتخذ أي إجراءات ملموسة لمعرفة المسؤولين. وقالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "سواء كانت الحكومة أو الجماعات المسلحة وراء عمليات الاختطاف في بغداد، تتحمل الحكومة مسؤولية الحفاظ على سلامة الناس من هذا الاستهداف. تخذل الحكومة العراقية مواطنيها إذا سمحت للقوات المسلحة باختطاف الناس."

وكان علي من النشطاء المعروفين في محافظة ميسان وبرز في الأسبوع الأول من الاحتجاجات ناشطاً مع بقية المحتجين، لكن جاءت حكومتان ومازال علي مغيباً. والده الذي ناشد حكومة الكاظمي كان قد طالب وناشد حكومة عادل عبد المهدي قبل ذلك ومن دون نتيجة أيضاً: "لو كان علي مذنباً فليحاكموه لينال جزاءه، وإن قتلوه فليعطونا جثته، ليس من المعقول أن يبقى مصيره مجهولاً. أنا أعرف أن فصيلاً مسلحاً معيناً هو المتهم باختطاف علي. وقوات الأمن تعلم ذلك، لكن لا أحد يتحرك، لأن هذه الفصائل أقوى من الدولة."

وشهدت هذه الفترة اغتيالات استهدفت صحافيين وناشطين مشاركين في التظاهرات كان آخرها اغتيال المحلل الأمني هشام الهاشمي واغتيال الناشطة ريهام يعقوب، 29 عاماً، والتي لقيت مصرعها بعد فتح مسلحون النار عليها ولاذوا بالفرار. وبحسب الأرقام التي كشف عنها عمر الفرحان، مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب في مقابلة سابقة فقد تم اغتيال 37 ناشطًا منذ بدء الاحتجاجات وتعرض 73 إعلامي للقتل والتهديد والاعتداء، وتم خطف واعتقال تسعة منهم.

مع عدم عودة هؤلاء المختطفين تبقى المخاوف قائمة بالنسبة للمحتجين في العراق من احتمالية تجدد عمليات الاختطاف مع عودة الاحتجاجات، خاصة وأن حكومتي عبد المهدي والكاظمي لم تتمكنا حتى اللحظة من تحرير أي من المختطفين، باستثناء عملية تحرير المواطنة الألمانية هيلا ميفيس في يوليو الماضي. وقد تم تحرير ميفيس، مديرة القسم الثقافي في معهد غوتا الألماني في العراق، بعد اختطافها لمدة أربعة أيام دون الكشف عن الجهة التي قامت بالاختطاف.

"مازال مصير 55 محتجاً مجهولاً حتى الآن، بضمنهم علي جاسب وسجاد العراقي، وتعمل المفوضية على متابعة ملفهم رغم الصعوبات التي تواجهها،" يقول أنس العزاوي عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق (مؤسسة وطنية مرتبطة بالبرلمان العراقي). وقد وثقت المفوضية 77 حالة اختطاف منذ بدء الاحتجاجات وحتى اليوم، أطلق سراح 22 منهم أما البقية فلا أحد يعرف أين هم.

في ظل هذا الوضع الذي لا يبشر بخير، ليس أمام سوزان روميو، شقيقة الناشط المختطف عبد المسيح (34 عاماً) أي وسيلة سوى الاستفادة من وجودها على منصة تويتر لإيصال مناشدتها إلى العالم عسى أن تتمكن من معرفة مصير شقيقها الذي فُقد في الأول من مارس. ترفض عبد المسيح التواصل مع وسائل الإعلام و"تكتفي بنشر مناشداتها ومطالباتها عبر حسابها على تويتر" ورغم أنها تنشر بكثافة عن شقيقها وطالبت بمقابلة رئيس الحكومة أكثر من مرة، إلا أنها لم تلق أي رد.

يعتقد بعض النشطاء أن أغلب المحتجين المختطفين قُتلوا، وأنهم تعرضوا للتصفية من قبل أطراف سياسية كانت ومازالت مناهضة للاحتجاجات في العراق. وتطالب الجهات الحقوقية الحكومة العراقية بضمان تحقيق مستقل في جميع عمليات الاختطاف.

وقد تم الاختطاف كسلاح من قبل جميع الجهات خلال سنوات الحرب بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وفًقا لـلجنة الدولية للصليب الأحمر، يضم العراق أحد أكبر أعداد الأشخاص المفقودين في العالم. وتقدّر اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين، التي تعمل بالشراكة مع الحكومة العراقية للمساعدة في استعادة هوية المفقودين، أن عدد المفقودين في العراق يتراوح بين 250 ألف ومليون شخص.