صحة

هوس "فيتامين د".. هل يُجنبنا مصير الديناصورات أم يُضاعف أرباح شركات الأدوية؟

"هي معركة علمية يستند فيها كل فريق إلى دراسات علمية تدعم وجهة نظره، بينما أقف أنا في المنتصف والجرعة لا تزال في جيبي"
8.4.19
الديناصورات

يدخل الملك الفرعوني المعبد على مركبته المحمولة بواسطة جنوده، ممسكاً في يده العصا الذهبية الشهيرة. يستقبله الفنان الاستعراضي محمود رضا ثم يقدم له إحدى راقصات فرقته، لتتبعها بقية الفرقة، ويبدأ العرض: "حلاوة شمسنا.. وخفة ضلنا.. الجو عندنا.. ربيع طول السنة." يقفز هذا المشهد الشهير لعرض فرقة رضا للفنون الشعبية في فيلم غرام في الكرنك إلى ذهني بينما أتابع معركة دائرة على مواقع التواصل الإجتماعي حول (فيتامين د)، وهو الفيتامين الذي يستمده جسم الإنسان من عدة مصادر أهمها الشمس.

إعلان

هي معركة علمية، ويستند فيها كل فريق إلى دراسات علمية تدعم وجهة نظره، بينما أقف أنا في المنتصف والجرعة لا تزال في جيبي، لا أعلم لأي فريق أنحاز.. هل لذلك الذي يدعم فكرة وباء فقر الشمس المتفشي عالمياً والذي لم تفلت منه مصر - بلد حلاوة شمسنا- والخليج العربي على حد السواء؟ أم لذلك الذي يدفع بتحقيق لـ "نيويورك تايمز" يُثبت تورط الطبيب الذي نشر هلع نقص "فيتامين د" بالتربح من شركات أدوية ومعامل تحاليل؟

يبدو الإنحياز سهلاً ومحسومًا إذا كنت تجلس أمام شاشة هاتفك أو اللاب توب الخاص بك، تتابع المعركة فقط لكونها "ترند" ستصطدم به أينما ذهبت، لكن إذا كنت تعاني حقاً من الأعراض التى اختلف العلماء بشأن علاقتها بنقص الفيتامين، بالإضافة إلى تقرير من أحد المعامل يعُلمك بأن علاقتك بالشمس ليست على ما يرام، سيكون الأمر صعبًا للغاية، خاصة أن تلك المعركة لم يستطع العلماء أنفسهم حسمها حتى الآن.

بدأ الأمر عام 2011 عندما نشر طبيب الغدد الصماء بجامعة بوسطن، مايكل هوليك، مقالاً علميًا بعنوان "وباء نقص فيتامين د" يشرح فيه المرض وأعراضه حول العالم. ووفقاً لتحقيق نشرته النيويورك تايمز بعنوان "د ..فيتامين نور الشمس له ظل من الأموال" استطاع هوليك من خلال هذا المقال أن يحقق بليون دولار من المبيعات لأصحاب صناعة الفيتامين، سواء شركات أدوية أو معامل تحاليل. مصير الديناصورات
"الديناصورات" كانت مُلهم هوليك في مقاله المربح. يقول صحفي النيويورك تايمز إن الترويج لفكرة الوباء انطلقت من سؤال: ماذا لو كان انقراض الديناصورات منذ 65 مليون سنة لم يكن لنقص في الغذاء وإنما لنقص في أشعة الشمس؟" اتعجب أحيانَاً، هل ماتت الديناصورات بسبب لين العظام والكساح؟" يقول د.هوليك.

إعلان

يكشف التحقيق عن دور د. هوليك في صياغة الحد المناسب لفيتامين د، وتأثير رسالته على عامة الأطباء ومتخصصي التغذية، مؤكداً أنه أعطى دفعة لتجارة المكملات الغذائية، لتحقق مبيعات بلغت 936 مليون دولار في 2017، بزيادة تبلغ تسع أضعاف مبيعات العقد السابق. كما انسحب المكسب أيضَا على معامل التحاليل، حيث أمر الأطباء أكثر من 10 مليون مريض بالرجوع لمعمل تحاليل في 2016، أي زيادة بنسبة 547% منذ عام 2007، وزيادة ربح 365 مليون دولار.

يزعم التحقيق الصحي للنيويورك تايمز أن الدكتور هوليك استغل مركزه المرموق في المجتمع الطبي للترويج لممارسات ذات منفعة مادية لجهات دفعت له مئات الآلاف من الدولارات، من ضمنها صناع أدوية، وصناعة التشميس الداخلي

يتحدث التحقيق بشكل أساسي عن الأمريكيين، مؤكداً أن قليل منهم استطاعوا تجاوز جنون (فيتامين د)، والذين هم على دراية بأن هذه الصناعة جلبت الكثير من الأموال لطريق دكتور هوليك. يزعم التحقيق الصحي للنيويورك تايمز أن الدكتور هوليك استغل مركزه المرموق في المجتمع الطبي للترويج لممارسات ذات منفعة مادية لجهات دفعت له مئات الآلاف من الدولارات، من ضمنها صناع أدوية، وصناعة التشميس الداخلي، وواحد من أكبر المعامل الأمريكية. يكشف تحقيق النيويورك تايمز أن هوليك تلقى ما يقرب من 163 ألف دولار بين عامي 2013 و2017 من شركات أدوية من أجل استشارات طبية وخدمات أخرى، وفقاً لقاعدة البيانات المفتوحة الخاصة بـ"ميديكير" والتى تتبع تدفق الأموال الخاصة بالدواء وخدمات الصناعة.

مزيد من الشبهات
ارتباط دكتور هوليك بصناع "أسِرّة التشمس" أثار مزيداً من الشبهات حول الطبيب المستشار، خاصة بعد أن صنفتها المنظمة العالمية لأبحاث السرطان كمنتج مسرطن عام 2009. بالطبع نفى الدكتور هوليك الاتهام العلمي المنسوب إليه وقال: "عملي كمستشار لأربعة عقود لم يؤثر مطلقًا على نصائحي الطبية. لا أتقاضى أي عائد إضافي إذا أجرت المعامل تحليلاً،" في إشارة لما يتلقاه شهرياً من الجهات التي يتعاون معها كخبير.

إعلان

من جانبها أكدت شركة الإستشارات الطبية التي يعمل لصالحها هوليك، أنها تسعى للحصول على استشارات عدد من الخبراء، وقال المتحدث باسمها: "نرى أن العمل مع أكبر الخبراء في المجال، سواء فيما يخص (فيتامين د) أو أي مجال آخر، يساعد على تقديم جودة أفضل لكلا من المريض والصيدلي." يؤكد التحقيق أن الجدل لم يكن بشأن أهمية الفيتامين، فلا شك في أهميته، إذ أنه دون تزويد الجسم نسبة كافية منه، تصبح العظام ضعيفة وتحدث إصابات بالكساح ولين العظام، لكن القضية تتعلق بهذه النسبة المطلوبة والصحية من (فيتامين د).

أشارت الدراسة إلى أن أغلب الأمريكيين لديهم ما يكفي من الفيتامين بشكل طبيعي، وأوصت الأطباء بعدم طلب إجراء اختبار إلا للمرضى الذين يعانون من مشاكل صحية كبيرة مثل لين العظام

على الجبهة العلمية الآخرى، نشرت الأكاديمية الوطنية للدواء (الولايات المتحدة) دراسة مؤلفة من أكثر من ألف صفحة، تتحدث عن نقص (فيتامين د)، وأشارت الدراسة إلى أن أغلب الأمريكيين لديهم ما يكفي من الفيتامين بشكل طبيعي، وأوصت الأطباء بعدم طلب إجراء اختبار إلا للمرضى الذين يعانون من مشاكل صحية كبيرة مثل لين العظام.

معركة علمية
نسبة الحد الأدنى المطلوب من الهرمون، حققت مكاسب لصناعة (فيتامين د) بطريقة ما، فعلى غير ما أتت به توصيات الأكاديمية الوطنية للدواء، والتي اعتمدت 20 نانوجرام كحد أدنى من الفيتامين، قال أتباع دكتور هوليك إن مستوى (فيتامين د) المطلوب على الأقل 30 نانوجرام في الملليتر وهي النسبة التي اعتمدتها العديد من المعامل.

اعتمد المجتمع نظرية دكتور هوليك وآمنوا بأن نقص (فيتامين د) شائعاً في كل الأعمار، ما تسبب في انتشار واسع لتحاليل الفيتامين، والتي استهدفت أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيهم أصحاب البشرة السمراء والبدناء وذوي الأصل الأسباني، وهي مجموعات ينقص لديها (فيتامين د) بنسبة تزيد عن غيرهم.

إعلان

من هنا قامت معركة علمية حول حقيقة أعراض (فيتامين د)، وإن كانت تتجاوز آلام العظام أم لا، بالإضافة للخلاف على النسبة المطلوبة من الهرمون في الجسم حتى ينعم بصحة جيدة. يقول دكتور كليفورد روزين، أحد كبار العلماء في مركز ماين الطبي للأبحاث إن استخدام المقياس الأعلى لدى مجتمع الغدد الصماء أدى لظهور وباء، على حد تعبيره، لأن بناءاً عليه يصبح 80% من الأمريكيين مصابين بنقص (فيتامين د).

العديد من الأطباء استغلوا هذه الموجة لتسهيل عملية التشخيص، كل الأمراض والمشاكل والأعراض أصبح نقص (فيتامين د) هو السبب فيها بالنسبة لهم

وفي السنوات الأخيرة بدأ الحماس لـ(فيتامين د) يخفت بعض الشيء في المجتمع الأمريكي، بعد أن فشلت التجارب السريرية في إثبات الفوائد المشاعة عنه. خيط من هذه التجارب وجد أنه لا دليل على ارتباطه بتقليل احتمالات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب أو الشيخوخة. كما يقول الغالبية العظمى من الأطباء أنه لا يوجد أدلة كافية لمعرفة ما إذا كان (فيتامين د) قادر على الحماية من الأمراض المزمنة التى لا تتعلق بالعظام.

من جهة أخرى، يقول الدكتور جوان مانسون، رئيس قسم الطب الوقائي في مستشفى بريغام بولاية بوسطن الأمريكية، إن الأشخاص الماكثين بمنازلهم يحصلون على نسبة أقل من (فيتامين د)، وأن سوء صحتهم هي السبب في انخفاض منسوبه في أجسادهم وليس العكس، داعياً لإجراء أبحاث على عينة عشوائية من مرضى يتعاطون أقراص (فيتامين د) وأخرين يتعاطون علاجات وهمية، من أجل التوصل لإجابة عن العلاقة بين نقصه والصحة العامة.

جدل عربي متأخر
"المجتمع العربي مجتمع تابع علمياً، نحن لا نبذل جهداً بحثياً كافي ونتناقل الأبحاث الغربية فقط، وهذا ما حدث مع قضية (فيتامين د)" هكذا علق د.حازم القبيسي، مسؤول بسلسلة صيدليات مصرية شهيرة، على الجدل الدائر حالياً في مصر ودول الخليج حول حقيقة وجود وباء نقص (فيتامين د).

إعلان

يضيف القبيسي، الذي عمل لسنوات في شركة أدوية شهيرة بالسعودية: "الأمر ينطوى على جزء حقيقي وآخر تجاري، أو كما يقال بين الحقيقة والسراب، صحيح أنه فيتامين هام وصحيح أننا مقصرين في التعرض للشمس بالشكل الكافي بالأخص في دول الخليج، حيث يتنقل الناس بين الأماكن المغلقة المكيفة، لكن العديد من الأطباء استغلوا هذه الموجة لتسهيل عملية التشخيص، كل الأمراض والمشاكل والأعراض أصبح نقص (فيتامين د) هو السبب فيها بالنسبة لهم."

يتفق مع القبيسي، طبيب بأحد المعامل المصرية الشهيرة، يقول إنه يومياً يجري التحليل لعدد كبير من المرضى مؤكداً: "طلب التحليل أصبح مثل إمضاء الطبيب مع انتهاء كل روشتة." لكنه لم ينكر أيضاً أن النتائج تؤكد وجود نقص بنسبة كبيرة وبخاصة عند السيدات.

الجدل العلمي المحتدم حول ما يخص فيتامين الشمس، انتقل بدوره إلى مجتمع الأطباء في مصر، ففي حين يرى بعض أطباء العظام الأمر أكذوبة وأن تحليل (فيتامين د) لا يجب أن يطلب إلا من مرضى لين العظام والكساح عند الأطفال، يؤمن أطباء آخرون بأن الأزمة موجودة بالفعل ونتيجة لمستجدات هذا العصر.

بدعة منتجات الألبان خالية الدسم التى انتشرت مؤخراً بهدف التخسيس لها دور فيما نراه اليوم من فتيات ونساء في مقتبل العمر يعانين من نقص (فيتامين د) ويشكون من آلام العظام

الأغذية المُصنَّعة متهمة
"الأغذية المصنعة، والتلوث، ووضع مستحضرات واقية من أشعة الشمس، هي المتهم الأول في حجب الشمس عن أهلها، سكان البلاد التي تنعم بشمس صحية طوال العام مثل مصر،" يقول الدكتور مجدي نزيه، رئيس قسم التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية بمصر، ويضيف أن التربح التجاري من الأزمة ليس الأساس، فلو كان الترويج للأمر بدعة علمية بهدف التجارة، هل تأتي نتائج التحاليل بالنسب المتدنية التي نراها كذبًا أيضاً؟

"بدعة منتجات الألبان خالية الدسم التى انتشرت مؤخراً بهدف التخسيس لها دور فيما نراه اليوم من فتيات ونساء في مقتبل العمر يعانين من نقص (فيتامين د) ويشكون من آلام العظام،" يقول الدكتور مجدي، مضيفًا: "هذا الدسم الذي لا يتجاوز 3.5% هو ما يحتوي على العديد من الفيتامينات الهامة ومنهم (فيتامين د)، ويمكن حرقه بمجهود قليل جداً لكننا أصحبنا كسالى ولا نريد أن نتحرك، نستيقظ في وقت متأخر فيفوتنا المفيد من أشعة الشمس، ونأكل بشكل خاطىء، كما لا نعرض ما يكفي من أجسادنا للشمس."

إعلان

يؤكد الدكتور مجدي أن الأشعة التى تمد الجسم بفيتامين د هي فوق البنفسجية،والتى يمكن أن يحصل عليها الإنسان فيما بين السابعة والتاسعة صباحاً، وأن تلك الأشعة لابد أن تقابل الجلد مباشرة، ويقول: "لا بد للمرأة والرجل أن يعرضوا جزءاً كافياً من جلدهم للشمس مباشرة في الصباح، ولو حتى في شرفة المنزل."

حديث طبيب التثقيف الغذائي المصري، يؤكد أن المشكلة في المجتمع العربي تذهب في منطقة أخرى بعيدًا عن زوبعة هوليك؛ فبينما يدور الجدل في أمريكا حول النسبة الكافية للفيتامين في الجسم، تقف ممارسات العرب اليومية حائلاً بينهم وبين الشمس الساطعة في بلادهم على عكس الولايات المتحدة والدول الغربية.

من موقعها في وحدة الجودة والمعامل بالمعهد القومي للتغذية في مصر، تؤكد الدكتورة عزة عمر لطفي أن نسبة كبيرة من المترددين على المعهد بهدف إجراء تحليل بتكلفة رمزية، يعانون بالفعل من نقص في الفيتامين، وبالأخص الفتيات والسيدات. تقول د.لطفي: "اللافت أن الأصغر سنًا يعانين من نقص أشد في الهرمون، في الماضي كان كبار السن والأطفال هم الأكثر مواجهة لمشكلة نقص (فيتامين د)، لكن مؤخرًا لاحظنا أن النقص أصبح لدى الأصغر سنًا من النساء."

أسباب أخرى
ترجح د. لطفي تسبب التلوث واستخدام مستحضرات الوقاية من الشمس في حجب أشعتها الغنية بـ (فتيامين د)، وتؤكد أن المعهد يُجري دراسات حالية للوقوف على تشخيص دقيق لهذه الظاهرة الطبية. ما ترجحه الدكتورة عزة لطفي، هو ما جاء في منشور علمي على موقع جامعة هارفارد. ويذكر المقال 9 من معيقات امتصاص الجسم لـ (فيتامين د) من بينهم التلوث واستخدام واقي أشعة الشمس.

وفيما يخص التلوث تؤكد هارفارد أن الجزئيات النافذة إلى الهواء جراء عوادم حرق الوقود والخشب والمواد الملوثة الأخرى، تمتص الأشعة فوق البنفسجية، لذا يحرم التلوث أهل البقاع المسببة له من خير الشمس بنسبة كبيرة. ذلك الطرح الأخير الذي يعززه منشور هارفرد، وإن لم يكن مؤكداً علمياً بأبحاث عربية عن مدى تأثر أشعة الشمس "فوق البنفسجية" بهذا التلوث، يعيد إلى الأذهان أيضاً الديناصورات تماماً كما حدث مع د.هوليك قبل 7 سنوات، هل يجب علينا أن نتذكر ما آلت إليه أبحاث عديدة عن الدور الذي لعبته التغييرات المناخية في انقراض الديناصورات؟