رأي

أنا مش عانس

لماذا يجب أن يرتبط عدم زواج الفتاة بلقب معين؟ لماذا يجب أن تكون عزباء قبل الثلاثين وعانس بعد الثلاثين؟
6.1.19
مقال رأي

كان شتاء عام 2016 عندما أخبرتني صديقتي الألمانية أن هناك عرضاً مغرياً على أسعار تذاكر رحلات القطار بين المدن الألمانية، فدعتني الى المبيت في منزلها في مدينة ميونخ، وقمت أنا بشراء التذكرة من مدينة هامبورغ. لم أكن أعلم شيء عن المدينة إلا ما يتعلق بخصوص عملية ميونخ 1972 والتي خلفت 11 قتيلاً اسرائيلياً، وكنت قرأت بعض عناوين الأخبار عن عنصريتها ضد اللاجئين العرب، أعرف أيضاً أنها تضم معسكر تعذيب نازي كبير. معلوماتي عن المدينة غير ممتعة، ولكنني كنت متحمسة للرحلة بكل الأحوال، فقد قضيت أكثر من شهرين في مدينة هامبورغ أسكن وحدي ولا أرى أي أصدقاء.

إعلان

عندما وصلت الى القطار، جلست على مقعد بجانب النافذة كعادتي، ولكنني فوجئت بمظهر جميع الركاب من حولي، فجميعهم تبدو عليهم علامات الثراء، تستطيع أن تشم عطورهم العالمية، ولا تكاد تراهم اذ اختفت وجوههم خلف شاشات أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم. شعرت أنني في المكان الخطأ حيث أن تذكرتي كانت على الدرجة الاقتصادية، ومن المستحيل أن تكون هذه الجهة الفارهة مخصصة لحملة هذه الفئة من التذاكر، لكنني بالتأكيد لم أود المغادرة، جميل أن تشعر أنك غني بعض الأوقات. لم يدم شعور الغنى طويلً، حيث جاءت النادلة متجهة الي وأخبرتني أنني يجب أن يعود الى القسم الخلفي من القطار، والذي هو مخصص لمن يحمل نفس تذكرتي. انتقلت وأنا أترنح بين المقاعد من سرعة القطار قليلاً، وصلت الى جهة الفقراء مثلي، فوجدت العشرات من المسافرين يقفون بين المقاعد لعدم كفايتها لجميع المسافرين. جلست على الأرض بجانب مخرج الكهرباء، بدأت بشحن بطارية هاتفي، ووصلته بشبكة الانترنت الخاصة بمحطة القطار، طلبت فنجاناً من القهوة بالحليب، وكان هذا مرضياً بدرجة كبيرة بالنسبة الي.

خلال الرحلة، بعث لي أستاذي في الجامعة حيث كنت أدرس في قطاع غزة رسالة عبر تطبيق فيسبوك، سألني عن أخباري وعن ما أفعل في ألمانيا. أخبرته أنني أقوم بالتدريب في دير شبيغل الألمانية وأنني ذاهبة الى المملكة المتحدة مطلع العام المقبل من أجل منحة دراسية. أستاذي كان شخص خلوق وخدوم لأبعد الحدود، لم أكن يعرف أنه سألني عن أخباري، لأنه فقط أراد أن يعرف إن كنت ذهبت هناك للزاوج، فسألني السؤال بطريقة مباشرة: "هل تزوجتي"؟ أخبرته أنني لا زلت عزباء، ولم أكن أعلم السبب وراء هذا السؤال الشخصي جداً، ولكنني كنت اثق في أخلاقه على الأقل. مباشرة بعد ذلك، أخبرني أن لديه "صديق خلوق" يريد الزواج ويبحث عن "بنت حلال مثلي" وعلى الفور قام بإرسال صورته لي عبر المسنجر.

وعلى الرغم من أن العنوسة صفة يمكن أن تلتصق بالذكور، لكن المواقع الإخبارية قلّما تعترف بالعنوسة إذا لم تكن تخص النساء

كانت واحدة من أكبر الصدمات التي تعرضت لها في حياتي، فقد كان "العريس" ستيني اشتعل رأسه شيباً، أرمل ولديه أطفال. كان عرض الزواج هذا بمثابة الإعلان رسمياً عن دخولي مرحلة العنوسة، فقد أُخبرت مراراً أنني لن أستطيع أن أحصل على زوج أعزب أو على الأقل لم يسبق له الزواج بعد أن إقتربت من عامي الثلاثين. كل هذا كلام لم يكن يزعجني أو يهدد حلمي بأن أكون زوجة سعيدة وأم حنون، لكن عندما تحول الكلام الى حقيقة، وها أنا اتلقى فرصة الزواج الأولى التي تؤكد أنني أصبحت عروس مناسبة لأرمل ستيني، شعرت حينها بإهانة جعلتني أجهش بالبكاء وسط جموع الألمان الذين كانوا يتحدثون ويضحكون ويسمعون الموسيقى حولي. لم أرد التوقف عن البكاء، البكاء هو كل ما أردت فعله في تلك اللحظة.

لم أبك لأنني قلقت بشأن مستقبلي العائلي، أبداً، لم يكن هذا هو السبب. بكيت لأنني شعرت أنني بينما أرى نفسي امرأة قوية ناجحة مستقلة، لا يراني المجتمع إلا إمرأة محكومة بسنها، حيث أن تقدمها في السن يعني أنها لم تعد عروس "لقطة." ربمّا بسبب ظهور أول التجاعيد حول عيني، أو بسبب قلة فرصي بإنجاب أكثر من خمسة أطفال، لا أعرف حقاً، لكنني لم أعد فرصة ممتازة كفتاة في أول عشريناتها، أو حتى في منتصف عقدها الثاني.

تنتشر الكثير من الإحصائيات في كل عام بخصوص نسبة العنوسة، بل وتنتشر المقارنات بين النسب في شتى البلاد العربية. وعلى الرغم من أن العنوسة صفة يمكن أن تلتصق بالذكور، لكن المواقع الإخبارية قلّما تعترف بالعنوسة إذا لم تكن تخص النساء. لكن المثير للغرابة أن سن العنوسة يتغير ويتبدل من منطقة إلى أخرى من عام إلى آخر، ولم تحدد أي من الإحصائيات إذا كانت العنوسة ترتبط بخيار الفتاة بعدم الزواج، أم هو تصنيف جائر يلتصق بكل إمرأة عزباء بغض النظر عن ظروفها الخاصة. انحدر أنا من مدينة قطاع غزة، وأكثر ما كان يقال لي هناك "لحقي حالك، كل الرجال ماتوا بالحرب."

لكن لماذا يجب أن يرتبط عدم زواج الفتاة بلقب معين؟ لماذا يجب أن تكون عزباء قبل الثلاثين وعانس بعد الثلاثين؟ لا أستطيع أن أجد جواباً لضرورة اطلاق هذه التصنيفات. ولكن لا يعتبر هذا التصنيف الوحيد الذي يحط من قيمة المرأة ويجعلها سلعة تقيم بتاريخ انتاجها وانتهائها، بل إن الكثير من عرض الزواج تتوقف على لون بشرة الفتاة، طولها، وزنها. ليس هذا فقط، بل أن مهر الفتاة قد يرتفع وقد ينخفض حسب مؤهلاتها الجسدية، أو غشاء بكارتها، فمن سبق لها الزواج أيضاً تعاني من بعض العروض الصادمة، تماماً كـ "العانس."

كان هذا العرض الأول، ولكنه اليوم وبعد أكثر من عامين على هذه الحادثة المشئومة لم يكن الأخير، حصلت بعده على بعض العروض التي أكدت لي أن كل سنة تزيد من عمري، تجلب مزيداً من العروض البائسة، شباب عاطلين عن العمل، فلمّ لا، أنا أشارك بضل الراجل، وانتي تشاركين بالدعم المادي. آخريين أصغر مني في السن، لمّ لا، تخبرني والدة أحدهم مع كثير من الوقاحة "أنا أقبل أن تكوني أكبر من إبني سناً، المهم أن تستمري في العمل خارج المنزل." والكثير الكثير من العروض المهينة الأخرى التي تقول وبكل وضوح، أنني بدأت من وجهة نظر مجتمع عربي دخول مرحلة إنتهاء الصلاحية، أي ما يعرف بالعنوسة. يبدو أن مقدمة القطار لم تكن هي الوحيدة مكاني الخاطىء، بل إن وجودي في مكان يتجاهل نجاحي المهني، تحصيلي الأكاديمي، استقلاليتي ويصر على أن يصنف جودتي كزوجة بلون بشرتي، طول قامتي، بل وسنوات عمري أيضاً.